د. ناجح إبراهيم
حجة في الشأن الكردى,فهو أول مصرى تخصص في الشأن الكردى,يحفظ كردستان العراق عن ظهر قلب,مدنها وقراها وشخصياتها وأحوالها,ساقه القدر لهذا التخصص النادر حتى صار مرجعية فيه كما ساقه القدر لحياة صعبة مليئة بالمغامرات. ولد في أوائل الأربعينات في إحدى قرى السنطة غربية,ولادته كانت متعسرة جداً حتى كادت أن تموت والدته لأنه ولد بالمقعدة وليس برأسه ككل الأطفال,كانت كلما تصرف تصرفاً لا يعجبها ولا يروق لها تقول له:”أصلك من يومك واخد الدنيا بالمشقلب”. تعرض في طفولته للإصابة بالرمد في إحدى عينيه,عالجه حلاق القرية”بششم الديك”فترك سحابة علي إحدى عينيه وفقد البصر بها،فلم يكن هناك طب حقيقي في مصر عامة وقراها خاصة. عبث في ماكينة تذرية القمح فدارت تروسها علي أصابعه فصرخ صرخة مدوية,جاءوا ببرطمان البن وكبسوا الجرح به كعادتهم حتى حضر الحلاق فقال:الأمر أكبر مني,ذهبوا به إلي المستشفي الأميرى بطنطا,خيطوا الجرح”كلشنكان”حسب رأيه فترك تشوها دائماً في أصابعه. بعد ثورة 23 يوليه كانت الأسر المصرية تتمني مصاهرة الضباط,وكان ينظر إلي أي ملازم وكأنه اللواء محمد نجيب”رئيس الجمهورية”شقيقه ضابط الجيش زاد مكانة أسرته فخراً. عاش حياة الريف كلها بأفراحها وأحزانها ومكايداتها التي لا تنتهي في الزواج وانتخابات العمودية أو الاتحاد القومى أو الاشتراكى أو حتى الجمعية الزراعية,وكم سالت دماء بسبب الصراعات التافهة,فما أتفه صراعات الحياة ليس في مصر وحدها بل في الشرق الأوسط كله. لقد خلص صاحبنا أن كل التنظيمات السياسية التي دخل فيها وساهم في نشاطاتها كانت وهما كبيراً واستغلالاً سياسياً للإنسان المصرى لخدمة الحكم لا لخدمة الوطن نفسه,وترسيخاً لدعائم الحكم لا ترسيخاً لدعائم الوطن,وأن الأعمار التي وهبت لها أصبحت هباءً مبثوراً. كانت الحماسة والوطنية متدفقة في عهد ناصر ففي السنة الأولي الثانوية لصاحبنا حدث العدوان الثلاثي علي مصر سنة 1956 قامت المدرسة بمظاهرة ضخمة هاتفة ضد العدوان ومطالبة بالتطوع للمعركة,حاولت إدارة المدرسة فض المظاهرة دون جدوى،حتى جاء مسؤول كبير من المحافظة,حيا فيهم روح الوطنية وحاول إنهاء مظاهرتهم دون موضوع التطوع للتدريب ولكن باءت محاولاته بالفشل,فقال لهم:إذا ستصل اللوارى التي ستحملكم إلي مراكز التدريب بعد قليل ومن يريد ركوبها يظل في حوش المدرسة,وأكد علي أن الجميع وطنيين فالدراسة أيضاً خدمة للوطن,تردد الطلاب الذين كانوا يهتفون”اليوم حرام فيه التعليم”أصبحوا الآن علي المحك,انسحبوا واحداً بعد الآخر من الحوش. كانت الشرطة تقتحم حملات دور السينما الصباحية وتقبض علي الطلاب”المزوغين”من المدرسة وتسلمهم لأولياء أمورهم بعد أن تذكر كل منهم بهذا اليوم بعدة صفعات منهم ومن ولي أمرهم. نظمت مجلة”الجيل”مسابقة لاختيار الشاب أبو عيون جريئة حسب أغنية عبد الحليم الشهيرة فاستشاط عبد الناصر غضباً وقال”جنودنا علي خط النار وهؤلاء يفعلون هذا العبث”فأمر بإلحاق المشاركين في المسابقة بالتجنيد الإجباري وقص شعرهم زيرو. دخل صاحبنا كلية الزراعة رغم ميوله الأدبية والفكرية ومشاركته في كل الأنشطة السياسية والفكرية بالكلية بدءً من اتحاد الطلبة والاتحاد الاشتراكى وكذلك أسرة الميثاق والتي كانت علي مستوى الجامعات المصرية كلها تحت رعاية الرئيس ناصر نفسه ، ويشرف عليها محمد توفيق عويضة رئيس المجلس الأعلى للشئون الإسلامية الذي كان محل ثقة ناصر وكان ضابطاً،ولا تدرى كيف يصبح ضابط مسؤولاً عن الشئون الإسلامية في بلد يعج بأكابر العلماء والفقهاء. قارن صاحبنا بين استقبال عويضة لأعضاء الأسرة بحفاوة وترحاب وبين استقباله للفائزين في مسابقة البحوث الإسلامية بفتور,والغريب أنه كان نفس الشخص في الحالتين,نفس الشخصين ونفس الموقفين والمعاملة مختلفة تماماً,فالفائزين في البحوث الإسلامية ليس من ورائهم نفع سياسي،أما أسرة الميثاق فهؤلاء هم قادة الدولة الجدد وأنصار الرئيس مستقبلاً والذين سيتم تصعيدهم سياسياً. علم بفوزه بالمركز الأول في القصة القصيرة وكانت الجائزة عشر جنيهات وكانت مبلغاً معتبراً وقتها,اقترض كل الفائزين علي حساب الجائزة من هذا وذاك,وفي حفل توزيع الجوائز وكان عقب نكسة يونيه أعلن رئيس الجامعة من تلقاء نفسه أن الفائزين تبرعوا بجوائزهم للمجهود الحربي انطلاقاً من وطنيتهم,وقعوا في حيرة كبيرة مع الدائنين. عاش أيام الوحدة العربية بين مصر وسوريا وفخر بهذا الحدث التاريخي,وعاش أيضاً مأساة الانفصال وحزنها,شغلهم عبد الناصر بعدها عن ذلك الفشل بمناقشات واسعة حول نظام سياسي جديد لم يتمخض عن شيء سوى مبدأ الحرية للشعب ولا حرية لأعداء الشعب,وأعداء الشعب من وجهة نظره هم”الأغنياء”وكأن الغنى والثراء جريمة يعاقب عليها صاحبها, ومن هنا تم تأميم آلاف الشركات والمؤسسات رغم أن بعضها ساهم في المجهود الحربي المصرى أثناء العدوان الثلاثي,وتأميم هذه المؤسسات كان سبباً مباشراً في انهيار الاقتصاد المصرى بعد ذلك وحول هذه المؤسسات الناجحة إلي فاشلة . شهد نكسة يونيه,تظاهر مع المتظاهرين عقب محكمة الطيران,هتف المتظاهرون”المحاكمة رواية,وين هي النهاية”قبض علي بعض الطلاب ولكن الرئيس ناصر أفرج عنهم بكلمة “ليست لنا مشكلة مع الطلاب”. تعرف بيوسف والي الذي كان معيداً وقتها بالكلية وصفه بالتدين والخلق الكريم,تعرف علي توفيق عبد الحي وحكى قصة صعوده وكيف كان الرجل تاجراً بطبعه ويحسن استغلال أي فرصة تلوح له,رأى شخصيات غريبة وتعامل معها وصف بعضهم بأنه مثلاً”يسارى علي يميني علي متصوف,أي الشامى علي المغربي” لم يعرف أن طلاسم الشخصية المصرية يصعب حلها. بعد تخرجه من كلية الزراعة وعمله التحق بالمعهد العالي للنقد الفنى,وتخرج منه وتعرف فيه علي أساطين النقد والإعلام من مصر وغيرها,ومنهم د/رشاد رشدى وعواطف عبد الكريم ورفيق الصبان وسلوى حجازى ودرية شرف الدين. فاز بجائزة التأليف المسرحى للأطفال عن قصة”أبو صير وأبو قير”تحولت إلي مسرحية للأطفال,وهناك تعرف علي لينين الرملي وزوجته ويعقوب الشارونى,وهم الذين اختاروا له زوجته . سافر للعمل بالعراق,لم يكن يعرف قبلها شيئاً عن العراق أو الأكراد حتى قدر له العمل في أربيل عاصمة كردستان العراق. عاش هناك 9 سنوات أصبح واحداً منهم اكتسب ثقتهم,والكردى لا تستطيع كسب ثقته بسهولة,فهو يحيط نفسه بسياج من الشك في كل أحد حتى إذا وثق صادق ووثق وأعطى بلا حدود. اندمج مع الأكراد في كل شيء حتى أصبح الخبير المصرى الأول في الدراسات الكردية,صادق كل القيادات الكردية البارزة طالبانى وبارزانى ومعصوم,كان يردد كلمة “حكمت كريم الشهيربـ”ملابختيار”لقد تخلى عنا العالم ولم يبق لنا من صديق سوى الجيل”. وصف عراق صدام جيداً ،حياته في كردستان والعراق تحتاج لمقال خاص آخر,كانت حياته عجيبة,لم يكمل طريقاً حتى النهاية لأنه لم يتمتع بالكياسة والسياسة التي أوصلت غيره,قال في حزن”لقد كان معي في بداية الطريق من وصل إلي القمة لتبنيه سياسة الكياسة والتعايش مع تقلبات الحياة ومتناقضاتها. اليوم أحاول أن أقنع  نفسي بأننى كنت علي صواب بكلمة المسيح بأننى ربحت نفسي رغم خسارتى للكثير,وعندما أراجع حياتى الآن أجد أن في بعض فصولها خصومات كان يمكن تلافيها بقليل من الكياسة ولا أقول النفاق,ولكن هل نستطيع أن نضع حداً فاصلاً بين الكياسة والنفاق,فيبدأ الإنسان بما يراه كياسة فيربح وخلف إغراء الربح ينحرف لتصل به الأمور إلي لعق الأحذية,ورغم ذلك أحمد الله أننى حاولت أن أكون صادقاً مع نفسي،هذه بعض كلمات المفكر الكبير ورائد الكرديات في مصر أ/رجائي فايد والتي ذكرها في كتابه الرائع “فصول من رحلة حياتي” .. وإلي مقال قادم عن حياته في كردستان العراق .

اترك تعليق