د. ناجح إبراهيم
رحل بعد ليلة الإسراء والمعراج وبعد كفاح طويل في الصدع بالحق وصنع الخير ، وصراع مرير مع المرض أنهاه القدر في هذا اليوم بالذات ، وكأن الله أراد أن يريحه من آلام الدنيا ونوبات المرض ونكران البلاد والعباد لفضله وسبقه وتفرده . إنه العلامة د/أحمد كمال أبو المجد ، الذي وافته المنية منذ عدة أيام ، والذي يعد رمزاً من رموز الوسطية الإسلامية الرائعة ونجماً عالمياً في سماء القانون الدستورى حيث ساهم في وضع دساتير أكثر من 14 دولة عربية وإسلامية .
إنه ابن بنى عدى ، تلك القرية التي وقفت في وجه الاحتلال الفرنسي وخرجت آلاف العلماء ،تخرج من مدرسة الفقه الإسلامي الرصين علي يدى والده المستشار ، وخاله مفتى مصر العظيم الشيخ”حسنين مخلوف”ومئات العلماء الآخرين،ومن جامعة هارفارد” أعرق جامعات العالم التي حصل منها علي الدكتوراه بجدارة. وقد خصه الإمام الأكبر د/الطيب  بنعي شخصي غير نعي الأزهر:”عرفت فيه أخلاق العلماء ، وعظمة الأصلاء ، وسماحة الإسلام ، وقد زاملته رحمه الله في مجمع البحوث الإسلامية لأكثر من 15 عاماً  ، وفي كثير من المؤتمرات في الداخل والخارج، وكان دائماً مثار الإعجاب والفخر لدى الجميع”.

كان يسمي نفسه”سيارة إطفاء”لأنه ما حضر حريقاً سياسياً أو دينياً أو مذهبياً إلا وأطفأه. لقد حرمنا من سلاسل الذهب التي كانت تخرج من فمه وقلمه وقلبه،فقد جمع بين عطاء الحضارة العربية الإسلامية والحضارة الغربية جمعاً رائعاً ينفع لإصلاح بلادنا وأوطاننا،وإليكم بعض هذه السلاسل الرائعة للعلامة أ.د/أحمد كمال أبو المجد: الإسلام نظام للحياة,مبني علي ظواهرها,محكوم بنواميسها,مردودة أحكامه إلي العلل المنضبطة التي تدركها العقول وأحكامه تدور مع هذه العلل,ولا تنفصل عنها,ولو انفصلت لذهبت الرحمة وسقط العدل,واستحال التكليف.

إن الإسلام لا يمكن أن يقبل تفسيراً مادياً ملحداً للحياة وللتاريخ,كما أنه يرفض تفسير الحياة كلها علي أساس الصراع. أفلا يستحق الإسلام من هذه الجماعات والحركات الإسلامية وقفة صدق”لله وللمسلمين”تطرح فيها قضايا الأمة الحيوية,بعيداً عن حمى تبادل الاتهام بالكفر والزيغ والضلال. التجربة الإنسانية لا ترفض لمجرد انها تمت في أرض غير إسلامية أو تحت راية غير إسلامية,فهذا لا يكفي وحده لرميها رمية مسبقة قاطعة بأنها

تجربة”جاهلية”فالحق هو الحق,والحكمة ضالة المؤمن. الإسلام لا يضع اصحابه في صراع مع الحياة,والمسلم الحق لا يكره الناس والدنيا,ولا يقضي عمره في معركة وهمية مع قواها ونواميسها,وأني له ذلك وهي صنع الله الذي أحسن كل شيء خلقه ثم هدى. انحراف الشباب يبدأ بالعزلة وفيها يلقنون كراهية الحياة والناس,ويقيمون في أنفسهم حربا باردة مع مخالفيهم,وبعيداً عن نور المعرفة وإشراقات السماحة تصدر الاتهامات السهلة بالتكفير لمخالفيهم,وقد تتحول الحرب الباردة مع هؤلاء المخالفين إلي حروب ساخنة,تنطلق فيها فتنة مدمرة.

كيف يعيش المسلم عمره فيها منغصا معقدا محزونا معسراً علي نفسه وعلي الناس تملؤه الشكوك والريب والمخاوف والظن السيء بالنفس وبالناس وبالحياة كلها؟. إننا نحتاج إلي فرز التراث من ناحية وتجاوزه من ناحية أخرى:نفرزه لنعرف ما يعد منه إسلاما,وما يعد من عامة أحوال الناس وظروف الزمان والمكان,ونتجاوزه لأن من حق كل جيل – بل من واجبه – أن تكون له تجربته,وأن يثرى بها النصوص ويثريها بالنصوص غير مقلد وهو قادر علي الاجتهاد. ليس للإسلام باطن يستأثر به أقوام دون آخرين،إلا أن تكون تجربة روحية ذاتية من حق اصحابها أن يخوضوها وأن يذوقوا ثمارها في صمت وتواضع دون أن يشغبوا علي جماهير المسلمين بحديث عنها كله رموز وإشارات,تضر ولا تنفع،وتضل ولا تهدى ,وتهتز بها في عقول المسلمين وضمائرهم الموازين,والقول بغير هذا يتعارض مع توجيه الرسالة الإسلامية للناس كافة.
الإسلام الذي ينبغي أن نقدمه هو إسلام الحركة والقوة والصحو والأخذ بالأسباب,الإسلام الحي الذي جسده النبي”صلي الله عليه وسلم”بسيرته وأقواله,والذي تابعه فيه الصحابة من أمثال عمر رضي الله عنه,والذي كان إذا تكلم اسمع وإذا مشي أسرع,وإذا ضرب في الحق أوجع,والذي كان الناسك حقا.. رحم الله د/كمال أبو المجد “جامع الحضارتين والأب الروحي للوسطية الإسلامية”.  
SHARE

اترك تعليق