إسماعيل منتصر
وقفت أمام شباك التذاكر فى محطة قطارات مدريد أسأل عن موعد سفر القطار المتجه إلى مدينة برشلونة فسمعت الموظف المسئول يقول: فى السابعة وست عشرة دقيقة.
خيل إلى أننى لم أسمع الإجابة جيدًا أو أن الموظف الإسبانى لا يعرف كيف ينطق الأرقام بلغة إنجليزية صحيحة فأعدت السؤال مرة أخرى.. وبدا شعور بعدم الارتياح على وجه الرجل وهو يقول: السابعة وست عشرة دقيقة.
وعندما اتجهت إلى رصيف القطار وجدت لافتة كبيرة تحدد الوقت الذى سيتحرك فيه القطار.. السابعة وست عشرة دقيقة.
وعندما جلست على مقعدى وبدأ القطار يتحرك نظرت إلى ساعتى فوجدتها تشير إلى السابعة وست عشرة دقيقة.. بالضبط.
قلت لنفسى القطارات عندنا تتحرك عادة على رأس الساعة أو عند منتصف الساعة.. الساعة كذا أو الساعة كذا ونصف.. وفى أحيان قليلة يتحرك القطار فى الساعة كذا وربع أو الساعة كذا إلا ربع.. وبالطبع فإن هذه الأوقات هى المواعيد الرسمية لتحرك القطارات، لكن الواقع يؤكد أن هناك عادة تجاوزات كثيرة فى مواعيد القطارات سواء عند القيام أو عند الوصول.
وأعود إلى قطارات إسبانيا وأتساءل عن سر “الست عشرة دقيقة”.. هل هى “منظرة” أم أن القطارات هناك تتحرك بالدقيقة والثانية؟!
ولم أعرف الإجابة إلا بعد أن زرت عددًا غير قليل من الدول الأوروبية فقد وجدت أن كل وسائل المواصلات وليست القطارات فقط تتحرك بمنتهى الدقة.. تتحرك بالدقيقة والثانية وأدركت السبب.. فكل وسائل المواصلات مرتبطة ببعضها البعض.. يركب الإنسان الأتوبيس لكى يلحق بالقطار.. ولهذا السبب يتحرك الأتوبيس فى موعده ولا يتحرك القطار قبل موعده.
ثم اكتشفت أن دقة المواعيد لا تقتصر على وسائل المواصلات وإنما هى سمة أساسية من سمات الحياة اليومية.. كل شىء محسوب بدقة.. كل شىء محسوب بالدقيقة والثانية.. مواعيد العمل.. مواعيد الوجبات.. مواعيد النزهات والترفيه.. مواعيد الدراسة.. كل شىء.
وعندما سافرت إلى أمريكا فى الثمانينيات لتغطية الانتخابات الرئاسية ذهبت مع مرافقى إلى مكتب أحد أعضاء الكونجرس فى موعد تم تحديده من قبل.
كان الموعد فى الرابعة بعد الظهر وأتذكر جيدًا أننا وصلنا قبل الموعد المحدد بنحو ست دقائق.
وامتدت يدى إلى جرس الباب لكن قبل أن تصل إليه امتدت يد مرافقى تقبض عليها بقوة وتمنعنى من الوصول للجرس.
وسمعت مرافقى يقول: انتظر لا يزال باقيًا على موعدنا ست دقائق.
وفهمت لغة مرافقى الإنجليزية ولم أفهم المعنى (!!!)
والحقيقة أن مسألة المواعيد فى أمريكا بهرتنى كثيرًا.. مخالفًا بذلك نصيحة الأستاذ أنيس منصور، رحمه الله….
فى أول مرة أسافر فيها إلى الخارج.. سألت الأستاذ أنيس منصور: أنت لم تسافر فقط ولكنك زرت كل دول العالم تقريبًا.. فبماذا تنصح من هو مثلى.. المسافر لأول مرة؟!.. وابتسم الأستاذ أنيس منصور وهو يقول: لا تنبهر.. إياك والانبهار.. فلما رأى علامات الدهشة على وجهى قال لى: العالم أصبح قرية صغيرة.. معظم الناس يسافرون.. معظمهم رأى الكثير وعاش تجارب كثيرة فلا تنبهر بما تراه حتى لا تقع فى فخ السذاجة فتصف لهم ما رأوا أكثر منه وتحكى لهم ما فعلوا أكثر منه!
والحقيقة أننى فى كل مرة كنت أسافر فيها للخارج أحرص على وضع نصيحة الأستاذ أنيس منصور فى حقيبتى.. قبل ملابسى وأغراضى.
وعندما سافرت إلى أمريكا لم تبهرنى أمريكا.. لم تبهرنى الشوارع الواسعة وناطحات السحاب الشاهقة.. لم تبهرنى المبانى الحكومية مثل الكونجرس والبيت الأبيض وغيرها.. لم يبهرنى سلوك الناس المتحضر.. لم تبهرنى حتى أعجب مدينة ملاهى فى العالم.. مدينة ملاهى ديزنى.. فقط بهرتنى ورقة صغيرة مطبوعة تسلمتها عند وصولى إلى العاصمة واشنطن.
كانت هذه الورقة عبارة عن جدول يتضمن كل مواعيدى ولقاءاتى والأماكن التى زرتها على امتداد شهر كامل قضيته فى الولايات المتحدة وزرت خلاله ست ولايات أمريكية.
لقاءات ومواعيد فى الكونجرس والبيت الأبيض ووزارة الدفاع ووزارة الخارجية وعدد من المعارض والمتاحف، بالإضافة إلى حضور مؤتمرات انتخابية فى أماكن عديدة.
حتى أيام العطلات كنت أعرف من خلال هذه الورقة أين سأقضى العطلة وكيف.. مواعيد ولقاءات صباحية ومسائية يتخللها تخصيص أوقات لتناول الوجبات الغذائية.
كل ذلك مكتوب ومطبوع فى ورقة تسلمتها بمجرد وصولى للفندق الذى قضيت فيه أربعة أيام كاملة فى بداية زيارتى للولايات المتحدة.
وأنا أعرف أنه من الصعب على القارئ أن يصدق أن الجدول تم تنفيذه بمنتهى الدقة.. باليوم وبالساعة وبالثانية!
كل موعد، وكل لقاء، كان يتم فى المكان المحدد والتوقيت المحدد.. بدون استثناء.. لكن للأمانة كان هناك استثناء واحد.
طبقا للجدول وصلنا مدينة سانت بول عاصمة ولاية مينسوتا فى السادسة مساء.. وكان مقررًا طبقا للجدول أن تنتظرنا سيدة تصحبنا إلى منزلها لتناول العشاء مع أسرة أمريكية بهدف التعرف على أسلوب المعيشة الأمريكية.
كان مقررًا طبقا للجدول أن نلتقى مع السيدة فى بهو الفندق فى تمام السابعة مساء.
قمنا بتغيير ملابسنا وتواجدنا فى البهو فى الموعد المحدد، لكن السيدة لم تحضر.. وفجأة بعد مرور ما يقرب من سبع عشرة دقيقة سمعنا صوت كعب حذاء نسائى يدق الأرض بسرعة عرفنا منه أن صاحبته تجرى.. وفوجئنا بأن صاحبة الكعب النسائى سيدة تجاوز عمرها الستين عامًا وعرفنا أنها السيدة التى ستصحبنا إلى منزلها لتناول العشاء.
راحت السيدة تعتذر بشدة واستمر اعتذارها طوال الطريق إلى منزلها بطريقة جعلتنا نخجل منها.. قلبك أبيض يا حاجة.. محصلش حاجة لكل ده (!!!)
ووصلنا إلى منزلها فوجدنا رجلا أكبر منها عمرًا فى استقبالنا.. فى البداية تصورناه زوجها لكننا فوجئنا أنه جارها وأنها استعارته من أسرته لتناول العشاء معنا بدلا من زوجها الذى أصيب بنوبة قلبية قبل دقائق من خروجها من منزلها لإحضارنا من الفندق!
وعرفنا سبب التأخير الوحيد الذى صادفناه طوال الشهر الذى قضيناه فى ست ولايات أمريكية.. فقد انتظرت السيدة إلى جانب زوجها حتى حضرت عربة الإسعاف ونقلته إلى المستشفى ثم قامت هى بالاتصال بالجيران لاستعارة زوج يستقبلنا على العشاء.
وكثيرًا ما سألت نفسى كم استغرق أعداد هذا الجدول بكل ما يتضمنه من مواعيد ولقاءات وطائرات نسافر بها وسيارات تنقلنا إلى الأماكن المحددة؟.. فى تصورى أن هذا الجدول تم إعداده قبل وصولنا إلى الولايات المتحدة بشهر تقريبا.. أما كيف تم تنفيذ الجدول بهذه الدقة فليس هناك تفسير إلا أن هؤلاء البشر يعرفون جيدًا القيمة الحقيقية للوقت.. يعرفون قيمة الساعة والدقيقة والثانية.
ويبدو أن الطبع يغلب التطبع، فرغم قضائى شهرًا كاملاً فى هذه البلاد التى يعرفون فيها قيمة الوقت.. لم أتحول إلى واحد منهم أو حتى على الأقل أتعامل مؤقتا مع الوقت كما يتعاملون معه.
فى آخر يوم لى فى الولايات المتحدة صحبنى المرافق إلى مول تجارى ضخم لأتسوق منه ما أحتاجه.. سألنى قبل أن أغادر السيارة.. متى أمر عليك لاصطحابك إلى الفندق.. فقلت له: يعنى من ثمانية لثمانية ونصف.
أبدى مرافقى دهشته وقال لى: ماذا تعنى بالضبط.. المفروض أن تحدد لى متى أمر عليك.. الثامنة.. الثامنة وخمس دقائق.. الثامنة وعشر دقائق.. الثامنة والربع، أما الذى تقوله فلا معنى له.
وضحكت.. ضحكت من نفسى ومن بلادى ومن طريقة تعاملنا مع الوقت..
وسألنى المرافق: ماذا يضحكك؟
فقلت له: وأنا أغادر السيارة.. لن تفهم!
وكيف يفهم أن يقول واحد للآخر.. نلتقى بعد العشاء أو أقابلك بعد صلاة الظهر؟!
عزيزى القارئ.. هل تعرف كيف تتعامل مع الوقت وكيف يتعاملون هم مع الوقت؟!
تستطيع أن تعرف وتفهم من تعبير كل منا عن الوقت.. هم يقولون كيف تنفق وقتك ونحن نقول.. كيف تضيع وقتك.. والفارق كبير وهائل بين أن ننفق الشىء أو نضيعه!
عزيزى القارئ الوقت عندهم أثمن وأغلى من أى عُملة.. أغلى وأثمن من اليورو ومن الدولار.. أما عندنا فالوقت ليس أكثر من عُملة ورقية من عملات بنك الحظ (!!!)

اترك تعليق