سمير فرج

حل يوم الخامس من يونيو من عام ٦٧، يوماً حزيناً على مصر، حين هاجم طيران العدو الإسرائيلي، في ذلك الصباح، مطاراتنا، ليدمر الجزء الأكبر من قواتنا الجوية، ممهداً الطريق لقوات العدو البرية لتحتل سيناء، ولتصل إلى الضفة الشرقية لقناة السويس، بعدما دمرت ما بقي من قواتنا وعتادنا، فيما أطلقت عليه إسرائيل اسم “حرب الأيام الستة”. تخللها، يوم التاسع من يونيو، إعلان الرئيس جمال عبد الناصر، تنحيه عن الحكم، لتتضاعف أحزان وآلام الشعب المصري، والعربي، وتدفعه للخروج في مظاهرات عريضة، لرفض التنحي، وهو ما كان إعلاناً صريحاً، من الشعب، برفض الهزيمة، والالتفاف حول قائده لتحقيق النصر.

وبدأت مصر فترة عصيبة من تاريخها، أطلقت عليها “حرب الاستنزاف”، امتدت من يونيو ٦٧ حتى أكتوبر ٧٣، التحم فيها الشعب والجيش المصري، وقدما بطولات عظيمة، استعداداً ليوم النصر … يوم التحرير، واستعادة أرض سيناء الغالية، وكرامة الجيش المصري العظيم، الذي مُني بهزيمة لم يكن له فيها يد!!

بدأت هذه المرحلة ونحن على جبهة القتال، على الضفة الغربية لقناة السويس، نبني الدفاعات، لنسد الطرق المفتوحة أمام العدو للتقدم نحو القاهرة، فقضينا الأيام والليالي نحفر الخنادق، والحُفر للدبابات والمدافع والعربات، تحسباً لأي هجمات إسرائيلية، وليال طويلة، أخرى، قضيناها في الخنادق، ننتظر شروق الشمس، حيث كانت المعلومات تفيد احتمال قيام إسرائيل بهجوم لعبور القناة وتهديد القاهرة.

وهل علينا أول رمضان، أثناء الاستنزاف، وكان العدو الإسرائيلي يظن أن المصريين يتفرغون، خلاله، للطقوس الدينية، فقط، ويهملون أعمالهم، بينما كانت خطتنا، خلال هذا الشهر الكريم، هي زيادة معدلات العمل في التجهيز الهندسي للمواقع؛ فكنا نقسم أنفسنا لمجموعات، بحيث يستمر العمل طوال اليوم، وحتى في توقيت الإفطار، كنا ننقسم إلى مجموعات، تتناوب بين الإفطار، والحراسة، وأخرى تستكمل العمل، فكنا نحرك الدبابات من أماكنها، ونجري تدريبات للمدفعية، واحتلال الدفاعات، وكان ذلك بمثابة رسالة واضحة لعناصر استطلاع العدو، على الجانب الآخر من القناة … أن الجيش المصري، والشعب المصري، هدفهما الأول هو تحرير الأرض.

وحانت مرحلة التدريب على عبور الموانع المائية، واقتحام خط بارليف، فكنّا نتدرب على نهر النيل، في مناطق القناطر الخيرية والرياح البحيري، وكنا نبني، على ضفاف النهر، دفاعات تحاكي خط بارليف، والساتر الترابي، لنتدرب عليها لعبور المانع المائي، ثم اقتحام نقاط خط بارليف. وأتذكر أننا كنا نتدرب، في الأسبوع الأخير من رمضان، ضمن قوات اللواء المشاة، المقدرة بحوالي ٦ آلاف مقاتل، آنذاك، على التجهيز للعبور، وتزامن يوم التدريب على عبور نهر النيل، مع أول أيام عيد الفطر، فعبرناه بالقوارب، ونجحنا في إسقاط الكباري، ومع أول ضوء ليوم العيد، كنا نهاجم نماذج الدفاعات الإسرائيلية، ونحن نستمع لتكبيرات العيد عبر الراديو “الويلكو” الذي أحمله في جيبي الصغير، وأنا أنادي على جنودي “اهجم للأمام” لنندفع في صحراء منطقة الخطاطبة.

بعد مرور ساعة من بدء تدريبات الهجوم، حضر إلينا الفريق محمد فوزي، وزير الحربية، آنذاك، وكنا في موقف على الأرض، في انتظار صد الهجوم المضاد الإسرائيلي، طبقاً لسير مشروع التدريب، فسألنا، وسأل الجنود، عن الموقف القتالي في المشروع، وتأكد من تمام فهمنا لمهام التدريب، واستمع لكيفية تنفيذنا لعبور المانع المائي، في نهر النيل، بالقوارب المطاطية، كمحاكاة لعملية عبور قناة السويس … ولا انسى صوته، رحمة الله عليه، في هذه اللحظة، وهو يقول، “مصر النهار ده بتصلي العيد، واحنا هنا بنتدرب على القتال … لكن العيد بتاعنا هنحتفل به يوم تحرير سيناء … ساعتها هنصلي العيد فوق أرض سيناء الحبيبة”. وكأن الرجل يستشرف المستقبل، فبعدها بسنوات، تم الاقتحام الفعلي لقناة السويس، وتدمير خط بارليف، يوم العاشر من رمضان، وبعدها بعشرين يوماً أقيمت صلاة العيد فوق أرض الفيروز، وأداها ربع مليون جندي مقاتل، من القوات المسلحة المصرية، احتفالاً بهذا النصر العظيم، واستعادة أغلى أرض، من العدو الإسرائيلي … سيناء الحبيبة.

ويجب أن نذكر، أيضاً، في هذ الأيام، أن العقيد أركان حرب صلاح فهمي، عندما تم تكليفه من اللواء الجمسي، لاختيار أنسب يوم لهجوم القوات المصرية، واقتحام خط بارليف، قام باختيار يوم العاشر من رمضان، لأسباب عدة، مستهدفاً، باختياره، خداع العدو الإسرائيلي، الذي لن يتوقع هجوم المصريين على خط بارليف، أقوى الدفاعات في التاريخ، خلال شهر رمضان.

وكان من أهم إجراءات خداع العدو الإسرائيلي، ما قامت به القيادة العامة للقوات المسلحة من إعلان فتح باب أداء العمرة للضباط، وعائلاتهم، خلال شهر رمضان، فتأكد العدو الإسرائيلي من استحالة قيام المصريين بالهجوم في شهر رمضان، لارتباط بعض القادة والضباط بأداء مناسك العمرة.

وبعد انتهاء الحرب وانتصار المصريين، وعندما قامت مراكز الدراسات الاستراتيجية حول العالم، بتحليل أعمال القتال، لم تصدق أن المصريين، تمكنوا بأسلحتهم الروسية، منذ الحرب العالمية الثانية، من الانتصار على التكنولوجيا الإسرائيلية، وهو ما أراه أحد بركات شهر رمضان العظيم، الذي كلل الله فيه جهدنا بهذا النصر العظيم.

وهكذا كان شهر رمضان فاتحة خير على مصرنا الحبيبة، وعلى جيش مصر العظيم، فلقد استعاد الكرامة، وحقق النصر المبين، في شهر الكرم، والذي هو أعظم انتصارات الجيش المصري في التاريخ الحديث.

Email: [email protected]

اترك تعليق