أحمد الغرباوى

ابْنَتى الحبيبة..

فى تاريخ البشريّة؛ إباء الحُبّ هو الفكرة الوحيدة ضِدّ القِيْم الإنسانيّة، خاصّة قيمة الصّدْقِ..

فلا يُمْنَح  ذاكَ الإحْساسِ الجميل؛ إلا لصاحب مبادئ ومُثل.. وليْس هناك أسْمَى مِن قيمة الحُرْيّة..

لذا العَبْد؛ لا يَمْلك القدرة على أنْ يُحِبّ.. لأنّه يَفْتقد هذه النّعمة.. ولكُلّ قاعدة استثناء.. فكَم مِنْ دُرّ إبْدَاعين ثالُ على ضفاف أنين وآهات أوْجاع.. وعظيم حُبّ تناثر مِنْ خِرَقٍ مُمَزّقّةٍ؛ قَيْد أسْرٍ و.. وجَبْر..

والقلب الذى لا يستطيع أنْ يُحِبّ؛ يعيشُ عَبْداً.. ولا يَمْلِك القُدْرة على أن يَجْعل الحَيْاة إلى أغنيّة جميلة..

ولا حُبّ فى الله بدون احْتِرام مُقْدّر..

ولا يَمِنّ الله بالحُبّ إلا على مَنْ يَسْتَحِقّه مِنْ ذوى احْترام وسِموّ كِبْرياء.. مُقدّرٌ مِنْ الرَبّ والآخرين؛ قُبيْل الذّات..

ومِنْ الحَيْاء أنْ يَلتمسُ العَبْد مِنْ الرَبّ الوجود حُبّا.. ولَمْ ير فى مرآة ذاته تَكْسّرات وتشوّهات رَوْحَه..

فالنّفس التى لا تعرف قيمة الحُبّ؛ ولا تملك مَاء رَيّه؛ وتفتقدُ الرغبة وإمكانيّات حَرْثه؛ ورَعْىّ بذره فى طين أرْضه؛ لا ينبغى لها أنْ تطلب الحُبّ..

فسماء الحُبّ لا تغيث ماء شتاء فقط.. فسُرْعان ما يَجِفّ مِعْطَف المَطَر..

إنّما قُطيْرات الحُبّ كُالّمَوْاسم العامة فى حَيْوات العَبْدِ الصّالح.. لازَخّات ندى.. ولا سِيْاط صقيع جَفْا..

عَبْدٌ يُحِبّه الربّ.. ورَبٌّ يُحِبّ العَبْدَ..

فيَمِنّ الله عليه بقلبٍ يُحَبّ فيه..؟

،،،،،

جميلتى الصغيرة..

فى الحُبّ؛ لا يَهُمّ الوقت.. لا يَهُمّ المكان.. ولا يَعْنى الزّمان..

إنّما الأهمّ أنْ يكون الحُبّ حقيقة.. مثلما هو رِزْق جنان رحمن.. فضلُ وهِبَة ربّ ضىّ بَيْان..

فى الحُبّ؛ الحقيقة نورعَقْلٍ يَتمَسّح بجُدْرانِ القلبِ.. ويقين حِسّ؛ رُشْد فِكْر..

وحقيقى؛ الحُبّ حَيْاة.. والحَيْاة إنسان.. والإنسان عَدْل.. رِضْى إيمان..

وما أقسى..

ما أقسى فى مِرْآة أنفسنا نرى (الأمس) و(الغَدّ).. وننسى (الآن)..

والحقيقة ما (يجب أنْ يكون)..وما (يجب أنْ يكون) حقيقة ما..

ما (كان)..!

فالله لم يخلق ما ومَنْ لا يشعر..!

والمُحِبّون فى الله؛ لا يعرفون غَيْر القلبِ إيمان حَيْاة.. ودين حُبّ.. وأيْضاً المُذْنِبون، فى رَحْمةِ الربّ طامعون.. دليل وبُرْهان شعور وصدق إخْلاص وِجْدَان..

ونحن الذين نتجاهلُ إحْسَاسنا، أو رُبّما نضيّعه؛ خَوْفاً منّا وعَليْنا، أو التماساً للأفضل فى مَدْى عُمْر..

والله لَمْ يَخْلق قلباً لا يَعْرف الإحْساس..إنّما نَحْنُ مَنْ نُرِمّد المَشْاعِر على صليب قلبٍ..ونَنْسى أنّ الخالق؛ مَنْ يَمْنَحُ النّار سَمات وخصال النّار وسريان آلام الحَرْقِ..

وفجأة نَقْسوا؛ ونُجَمّد النّبْضَ، ألواح ثلج..!

فنطلبُ مِنْ الله حُبّاً فيه.. يرزقنا معطيّات حِكْمَة قول.. وبراء فعل.. وقدوة سلوك.. تمنحنا مكانة خاصّة.. بها نستحقّ ذاكَ الحُبّ..

ولم يخلق دُرّا نفيسا؛ ولا أغلى مِنْ العُمْر مساءات وصباحات هَسّ.. وبشاشات بهجة أوّل حُبّ لعذريّة وتين قلب.. مهما تَكَبّد الوجْدانِ مَذْاقات ألم في مُرّيَمّ، أو فَيْض عَذْبِ ضفاف نَهْر..

ما أقسى أنْ تريد قلباً، لايُرِيدك إلا نَبْضاً.. تسيرُ في ظلّه.. تتلهّف على إصْغاءِ شهيقه وزفيره؛ ولا يريدك إلا حديثاً فقط؛ كلمًا؛ ومجموعة أحْرف..

وترغبُ رفقته.. وتناجى الإله وِدّ جِوَاره؛ دَوْام حَيْاة.. وهو لا يرغبك إلا مُجَرّد البقاء بمنطقة الشّعورِ والإحْساسِ.. ولا يتجاوز العَيْش استكمال مسير بشرعِ الله.. والاقتران والزواج بك؛ وتكوين أسرة؛ وإعْمَار الأرض..

وجعٌ في بُعاده، وهو يكره ابتعادك؛ لأنّه يفتقد حنانك به وشوقك له..

تعترفُ؛ وتعلنُ أنّك في الله تُحبَه أكثر.. وأقصى ما يعترف لك به، إعلانه لك بأنّه لا.. (لا يتضايْق) مِنْ بوح ورسائل حُبّك له.. تحتاجه؛ وتفتقده نقطة ارتواء مَىّ خلال بلاء حَيْاة؛ قضا ربّ، ورغم معرفته؛ يغيب طويلا عنك..!

تنتظرهسُهَاد يومك وطول حُزْنك؛ تأملُ أنْ يربت على بُكا روحك إجاب وَصْلٍ.. حتى فى قمّة يأسك؛ تتمنّاه تماسّ شفقة..

ولا يفعل إلا كما يفعل الغريب؛ ومَنْ لا مكانة لك في قلبه.. فينزعُ قطيرات حِسّك وجعاً.. ويمزّق الباقى مِنْ نزف جرحك نزفاً نزفاً..

للأسف؛ هو لم يهتم.. ولم يعتني بك يوماً!

بل كان كُلّ هَمّه كانت نفسه.. ولم يعشق غَيْر ذاته.. ويجاهد كىّ يرضيها ويشبعها؛ بما تهبه فى صادق حُبّك أنت.. ما كان يتمنّى إشارة منه، لتأخذه في حضنك بشرع ربك.. ولكنه..

أبَداً..لم يُحِبّك يَوْماً..

وأيضاً..

إنْ أحببته في الله سامحه..؟

فلم يَكُن الأمر بيده..!

وليس ذنبه؛ أنّه لم يستحق كُلّ ذاكَ الحُبّ..

وأنّ حُبّكَ لَيْس رِزْقُه..!

…..

 

 

 

 

 

 

اترك تعليق