عاطف عبدالغنى رئيس بوابة دار المعارف الصحفية
لاشك فى أن هشام عشماوى كنز معلوماتى لأجهزة الأمن، وبغض النظر عن أن سقوطه أثلج صدور الملايين فى مصر والعالم العربى، وبعث برسائل لنظرائه أنهم لن يستعصوا على وصول سلطات الدولة المصرية إليهم، وعلى الرغم من جرائمه التى لا يمكن أن يشكك فيها أحد إلا أن عشماوى، سوف يمثل أمام قضاء عادل، هو المنوط به أن يقتص منه لضحاياه وينال منه بما يستحق على جرائمه فى حق الله قبل حق البشر!
وحق الله عند هشام عشماوى، وأمثاله يتعلق بدين الله سبحانه وتعالى.. فهل عرفه عشماوى ودرسه حق المعرفة والدراسة حتى يدين به الخلق؟!.. وينصّب من نفسه قاضيًا وجلادًا فيحكم عليهم بالموت، ويطلق فيهم آلة القتل، وينسب فعله إلى الله استنادًا إلى جملة من ادعاءات، متوهما بالباطل أنها الحجية الشرعية التى تدينهم، وهو فى الحقيقة لم يفرز، ولم يفهم الحق فيها من الباطل، ناهيك عن نفسه الأمارة بالسوء والتى قادته فى النهاية إلى ما اقترفته يداه من جرائم، ما عرفناه منها وما لم نعرف.
تحقيقات الجهات الأمنية، والقضائية مع عشماوى، سوف تستخرج منه المعلومات المطلوبة للأمن القومى، لكن لا يجب أن نكتفى بهذه التحقيقات، ولابد أن يخضع عشماوى لتحقيقات من نوع أخرى، تحقيقات سيكولوجية، يخضع فيها للتشريح النفسى والاجتماعى، فهو نموذج حى وفج لشخص «اتلخبط» كما وصفه الرئيس السيسى فى أحد خطبه، وبالتأكيد وراء هذه اللخبطة عوامل أخرى كثيرة وسياقات مختلفة، شكلت فكر وضمير هذا الشخص الذى انجذب إلى معسكر الكراهية والتكفير، فتحول من ضابط يخدم فى جيش وطنه إلى إرهابى يحارب الوطن ذاته.
(1)
«الجهاد» هو السياق الشرعى الأول الذى يجب أن ننطلق منه فى مناقشة الأسباب التى أدت بهشام عشماوى وأمثاله إلى معاداة مجتمعاتهم وحرب أهليهم.
ومصطلح الجهاد ومشتقاته لاشك شغل حيزًا كبيرا من القرآن الكريم – كما يقول الباحث المغربى محمد الناصر فى بحث له بعنوان «حقيقة القتال فى سبيل الله ونصرة المستضعفين».
ويقر الباحث أن التفسير الشائع لمصطلح الجهاد عند نفر غير قليل من علماء المسلمين هو القتال، وأن هذا التفسير للأسف صار هو المتبادر إلى الأذهان «التصق المصطلح بالتفسير» حتى صار شائعًا ليس فقط فى أذهان المسلمين ولكن فى المعاجم غير العربية (!!)
67 مرة تم ذكر موضوع القتال ومشتقاته فى النص القرآنى، وهو مايدل على أهميته، لكن: هل تلخص الجهاد فى القتال؟!
يجيب الباحث: «رغم أهمية القتال فى الإسلام فإنه لا يعبر عن مفهوم الجهاد الذى يشمل الجهاد بالقلب، والدعوة، والبيان، وليس القتال إلا الشعبة الأخيرة من شعبه وليس هو الجهاد كله».
(2)
والجهاد نوعان: جهاد طلب، وجهاد دفع، ولكل طبيعة خاصة، وقد نال المصطلحين مناقشات عديدة بين فقهاء المسلمين، لكن على الإجمال استقر مفهوم جهاد الطلب عند معنى أن يكون العدو فى عقر دار المسلمين ويتم طلبه بمعنى تعقبه ومبادأته بالحرب.
أما جهاد الدفع فيعنى عند الفقهاء: مقاومة العدو الظالم المتجبر، والوقوف فى وجهه بالسلاح ومقابلة القوة بالقوة، إذا دخل هذا العدو أرض الدولة المسلمة واحتل منها مساحة ولو قليلة، أو اعتدى على أنفس الناس وأموالهم، وممتلكاتهم، وحرماتهم حتى ولو لم يدخل أرضهم، أو يحتلها.
ويشمل جهاد الدفع – أيضا – أن يدفع المسلمون الاضطهاد من أجل عقيدتهم، وفتنتهم فى الدين بمعنى أن يأتى أحد فيريد أن يسلبهم حقهم فى اختيار دينهم أو يكرههم على تركه بالأذى والعذاب.
وعلى الأساس السابق يكون الجهاد بمعنى القتال «جهاد الدفع والطلب» يتنافى مع مبادأة الناس بالقتال، ولا يكون أسلوبا لفرض الإسلام بالقوة.
ويقول الباحث: «معلوم من الدين بالضرورة أن الدعوة تتحقق بالحكمة والموعظة الحسنة.. ولا نجد فى القرآن الكريم ما يؤيد اعتبار القتال ابتداء، واعتباره وسيلة من وسائل قسر الناس على الإسلام بل كل ما هناك أن القتال وسيلة للحماية وليس هدفًا فى ذاته.
 (3)
وعلى الأساس السابق ذاته لم يشرع الإسلام الجهاد القتالى للانتقام والتسلط والعدوان وإنما شرع الجهاد للدفاع ومواجهة الظلم والطاغوت ونصرة الحق والمستضعفين، وهو بالتالى حق مشروع للمسلمين.. لكن بشروطه.
(4)
وذهب بعض علماء المسلمين – أيضا – إلى أن الكفر فى ذاته سبب لقتال أهله ومن ثم فإن أهل الشرك والكفر مخيرون بين الإسلام والسيف، بينما يُخير أهل الكتاب والمجوس بين الإسلام والجزية، أو القتال، ومن هنا لا مجال للحديث عن سلم أو أمان بين المسلمين وغير المسلمين، وهذا ليس من الإسلام، ويفنده   الباحث بالقول: « والذين يقولون بأن الأصل فى علاقة المسلمين بغيرهم هو القتال لعلة الكفر، يتفقون على أن هذا الأصل يتصف بالإطلاق والعمومية والثبات استنادًا إلى أن آية السيف قد نسخت آية: «لا إكراه فى الدين».
ويرى الباحث أن القول بآية السيف كان سببًا فى إفقار روح التسامح التى اتسم بها الخطاب القرآنى بعدما لم يترك أصحاب القول بالنسخ وخاصة الموسعون فيه آية من الآيات القرآنية الداعية إلى الصفح، والعفو، والتسامح، والصبر، والمعاملة بالحسنى، والدفع بالتى هى أحسن وغير ذلك، من أصول مكارم الأخلاق وأمهات الفضائل إلا وقالوا: «نسختها آية السيف».
من هنا بدأ الفهم الخاطىء لتعاليم الإسلام، ومن هنا جاء الخطأ الذى يتحمل من قال به، وزره ، و وزر دماء المسلمين وغير المسلمين، التى أريقت بسببه، أما تكفير المسلم بالباطل.. فهذه أيضا جريمة لا تغتفر.
.. وللحديث بقية.
SHARE

اترك تعليق