د. ناجح إبراهيم

قال أحمد بن مسكين وهو أحد علماء القرن الثالث الهجرى”امتحنت بالفقر في أحد الأعوام ولم يكن في بيتي شيء”ولي امرأة وطفل” طوينا علي جوع يخسف بالبطن خسفاً فعزمت علي بيع بيتي وخرجت أتسبب لبيعه فلقيني صديقي أبو نصر فأخبرته بحالي ونيتي في بيع البيت فواسانى وأعطانى رقاقتين من الخبز والحلوى قائلاً”اطعمها أهلك”.

وفي الطريق لقيتني امرأة ومعها طفل,فنظرت للرقاقتين متوسلة:سيدى هذا طفل يتيم جائع ولا صبر له علي الجوع فأطعمه شيئاً يرحمك الله ونظر إليّ الطفل نظرة لا أنساها ما حييت فأعطيت ما معي للمرأة قائلاً:خدى وأطعمى طفلك والله لا أملك سواهما وإن في دارى لمن هو أحوج إلي هذا الطعام فدمعت عيناها وأشرق وجه الصبي.

ثم سرت أجر قدماى وأنا مهموم فجلست في الطريق وأنا أفكر في بيع دارى وبينما أنا كذلك إذ مر بي أبو نصر وكأنه يطير فرحاً فقال:ما يجلسك هنا وفي دارك الخير والغنى أجبته:سبحان الله من أين؟ قال:جاء رجل من خراسان يسأل الناس عن أبيك أو أحد من أهله ومعه أموال كثيرة يقول: إن أباك أودعه مالاً يتاجر فيه منذ ثلاثين عاماً فربح كثيراً وأراد أن يتحلل فجاء بالمال وربحه.

يقول أحمد بن مسكين:فحمدت الله وشكرته,وبحثت عن المرأة وطفلها فكفيتها وأجريت عليها رزقاً. ثم تاجرت في المال وازددت في الصدقة والمعروف والإحسان والمال يزداد ولا ينقص. وكأنما أعجبتنى نفسي وسرنى أني قد ملأت سجلات الملائكة بحسناتي,ورجوت أن أكون قد كتبت عند الله من الصالحين. فنمت ليلة فرأيت كأننى في يوم القيامة والخلق يموج بعضهم في بعض وهم يحملون أوزارهم علي ظهورهم مخلوقة مجسمة حتى لكأن علي ظهر الفاسق مدينة كلها مخزيات ثم وضعت الموازين وجئ بي لوزن أعمالي  فجعلت سيئاتى في كفة وألقيت سجلات حسناتى في كفة فطاشت السجلات ورجحت السيئات ثم جعلوا يلقون الحسنة بعد الحسنة مما كنت أصنع فإذا تحت كل حسنة”شهوة خفية”من شهوات النفس كالرياء والغرور وحب المحمدة عند الناس فلم يسلم لي شيء؟فقيل:بقي هذا فإذا الرقاقتان اللتان أحسنت بهما علي المرأة وابنها فأيقنت بالهلاك فقد كنت أحسن بمائة دينار مرة واحدة فما أغنت عنى شيئاً فانخذلت بشدة فوضعت الرقاقتان في الميزان فإذا بكفة الحسنات ترجح قليلاً ثم وضعت دموع المرأة المسكينة التي بكت من أثر المعروف في نفسها ومن إيثارى إياها علي نفسي وأهلي فإذا بالكفة ترجح بقوة وسمعت صوتاً يهتف”قد نجا قد نجا”.

هذه القصة بحقيقتها أو برمزيتها ومعانيها تدل علي مكانة النية الصادقة في الإسلام بل والأديان حتى قال بعض العلماء أن حديث النية الشهير”إنما الأعمال بالنيات..إلخ”يوازى نصف الدين وهذا ليس مبالغة من العلماء لأن حقيقة هذا الدين العظيم تتلخص في أمرين اثنين بعد الإيمان والتوحيد هما”العمل الصالح والنية الصادقة المتوجهة لله وحده”. وهذه النية هي التي ترفع أقواما وتضع آخرين,فرب عمل عظيم حقرته النوايا الفاسدة,ورب عمل صغير مثل الذي فعله أحمد بن مسكين عظمته النية الصادقة.

ووالله ما تفاضل الناس في هذا الدين العظيم إلا بالقلوب الصافية النقية التي لا تعرف اللوع ولا المكر والخداع والضغينة والحقد فالناس تسير إلي الله بقلوبها لا بأبدانها. وما فاق أبو بكر غيره من الصحابة والتابعين بصلاة ولا صيام ولا قيام رغم أهميتها البالغة,ولكن بشيء وقر في قلبه,واعتقد أن هذا الشيء الذي وقر في قلبه هو الصدق مع الله والإخلاص والتجرد لله,فالصدق والإخلاص عزيز في كل العصور وخاصة في عصور القحط  والجفاف الإيمانى. وصدق الإمام أحمد بن حنبل:مجاهدة النفس في تصحيح النوايا وتخليصها من النوايا الفاسدة أشق علي العلماء من مسائل الاجتهاد. الصدق هو الذى جعل الأعرابي يدخل علي مجلس رسول الله فيقول له بعفوية تغمرها الجفوة “أنت محمد بن عبد الله”فيقول:نعم,فيدقق النظر في وجهه ثم يقول”أشهد أن هذا الوجه ليس بوجه كذاب”.

وكأنه يريد أن يقول العيون صادقة واللسان صادق,والوجه صادق,وكلما أخذ الدعاة والعلماء حظاً وافراً من ميراث النبوة كلما تمتعوا بنصيب وافر من وصف هذا الاعرابي. الدين نصفان عمل صالح ونية صادقة,ما أقل العمل الصالح,وما أندر النوايا الصالحة,فكم من شباب يحملون نوايا حسنة ولكن عملهم لا يطابق الشريعة ولا يوافق الصواب فلم يحققوا شرطى المعادلة ,وكم من محسنين وباذلين ومنفقين وشجعان لم يملكوا قدراً وافراً من النية الصالحة المتوجهة نحو الله,فخلطوا بعضها بنفاق ورياء الناس وخاصة ذوى الجاه والسلطان,ومراءاة الخلائق وشراء الجاه,ومراقبة الخلق قبل مراقبة الخالق . آه من ضبط النوايا وإصلاحها,ما أشد صعوبتها,فينبغي أن تكون للعبد في كل عمل صالح نية صالحة فأنت في كل يوم تحتاج لتجديد النية مئات المرات مع كل علم تتعلمه أو عطاء تعطيه أو نفقة علي أهلك أو صدقة علي المساكين تحتاج أن تجعل حياتك كلها لله وحده,لا ترجو مدح المادحين,فكلما صدقت مع الله ساق المادحين والمحبين إليك سوقاً ولا تخش ذم الكارهين,فكلما صدقت مع الله صرف عنك الأذى وأعطاك شيئاً من ميراث النبوة يليق بقدرك ” وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ”.

الإخلاص سر الله الدفين ووديعته الرائعة في القلوب وهديته الجميلة يهبها لمن اصطفاهم من عبادة واختصهم وهؤلاء هم أهل محبته وهو سبحانه يسوق قلوب الناس سوقاً لمحبتهم,الإخلاص هو سر هذا الدين العظيم وهو سر الأسرار في الكون والدين والحياة.

SHARE

اترك تعليق