نادية صبره

لا أعرف لماذا وأنا أرى الإرهابي هشام العشماوي ينزل من الطائرة المصرية التي جاءت به إلى أرض الوطن قادماً من ليبيا مكبلاً معصوب العينين وفي قبضة رجال مصر الأوفياء قفز إلى ذهني المشهد الخالد في الذاكرة للفنان محمود يس في فيلم (الصعود إلى الهاوية) حينما أتى بالجاسوسة المصرية عبلة كامل إلى مصر وعندما أدركت ذلك ورأى نظرات الرعب في عينيها قال لها الجملة الشهيرة (هي دي مصر يا عبلة). ربما لأن كلا المشهدين يحمل النهاية الطبيعية لكل من خان الوطن وتجرء عليه وتآمر ضده. نعم هي دي مصر التي لا تترك ثأرها وثأر شهدائها… نعم هي دي مصر العظيمة برجالها وجيشها وشرطتها وشعبها.

تسليم العشماوي جاء في سرية تامة على متن طائرة حربية خاصة هو وإرهابي آخر يدعي بهاء عبد المعطي بعد زيارة قام بها اللواء عباس كامل رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية إلى دولة ليبيا التقى خلالها المشير خليفة حفتر قائد الجيش الوطني الليبي في ضربة قاسمة للإرهاب والعمليات الإرهابية الخسيسة وهنا تجدر التحية للواء عباس كامل ورجاله فلولا الجهود الحثيثة التي بذلوها على مدار الشهور الماضية منذ القاء الجيش الليبي القبض على عشماوي في مدينة درنة في أكتوبر من العام الماضي ما تمكنت مصر من تسلمه وما تحقق هذا الإنجاز الكبير.

هشام العشماوي هو الإرهابي الثاني المطلوب في الشرق الأوسط بعد أبو بكر البغدادي كما يلقبه الخبراء الأمنيون برأس الأفعى لأنه العقل المدبر والمخطط لمعظم العمليات الإرهابية التي تمت في مصر خلال الخمس سنوات الماضية. ولو تتبعنا تاريخ العشماوي ضابط الصاعقة السابق البالغ من العمر 43 عاماً نجد أنه في العام 2009 وبعد فصله من الخدمة العسكرية كون خلية ضمت مجموعة من الإرهابيين بينهم أربع ضباط شرطة مفصولين من الخدمة وآخرين مفصولين من الجيش ثم التحق بتنظيم أنصار بيت المقدس الذي تحول إلى ولاية سيناء بعد مبايعته لتنظيم داعش.

بدأت خطورة عناصر التنظيم منذ حادث كمين الفرافرة الذي وقع في يوليو 2014 والذي نفذته خلية هشام عشماوي الملقب بأبو عمر المهاجر أمير جماعة المرابطين الإرهابية حيث قسم عناصره إلى ثلاث مجموعات لتجنب الرصد الأمني على أن تضم ثلاث مناطق هي المنطقة المركزية ومنطقة الإسماعيلية والشرقية والثالثة منطقة الصحراء الغربية.

بدأت أولى العمليات الإرهابية التي استهدفت المسحيين من خلال عناصر داعش في ليبيا بذبح 21 قبطياً مصرياً في فبراير 2015 ثم التفجيرات التي وقعت في الكنائس المصرية في مدن القاهرة والاسكندرية وطنطا.

والهجوم على حافلات الأقباط بالمنيا وكان آخرها حادث المنيا الذي وقع صباح الجمعة 26 مايو 2017 باستهداف حافلة لنقل الأقباط المصريين أثناء توجههم للصلاة في دير الأنبا صموئيل بمحافظة المنيا في حادث أثيم أسفر عن استشهاد أكثر من 26 شهيداً من الأقباط معظمهم من الأطفال.

ويأتي استهداف المسيحين نظراً لأن هذه الجماعات الإرهابية لا تعتبرهم أهل ذمة وإنما طائفة معادية للإسلام وترى أن قتلهم واجب شرعي وفقاً لما أسموه باستباحة دماء المسيحين واستحلال أموالهم وممتلكاتهم !!

كما اتهم العشماوي في محاولة اغتيال وزير الداخلية السابق محمد ابراهيم وكذلك اغتيال النائب العام السابق هشام بركات والإعداد لاستهداف الكتيبة 101 حرس حدود واستهداف مديرية أمن الدقهلية وكانت آخر جرائمه قبل هروبه إلى ليبيا أنه كان المنفذ الرئيسي للهجوم على مأمورية الأمن الوطني عند الكيلو 135 بطريق الواحات البحرية في أكتوبر 2017 حيث فوجئ رجال الشرطة أثناء توجههم لإلقاء القبض على خلية تابعة لحركة حسم الذراع المسلحة لجماعة الإخوان بهجوم مسلح من قبل مجهولين أسفر عن استشهاد 17 شهيداً من خيرة رجال الشرطة من بينهم ضباط كانوا مطلوبين لسماع شهادتهم في قضية فض اعتصام رابعة المسلح منهم العميد امتياز كامل.

وقد اعترف عشماوي في التحقيقات التي أجراها معه الجيش الليبي طيلة الفترة الماضية قبل تسليمه لمصر بمعلومات هامة وأدلة ملموسة عن علاقاته الإرهابية المشبوهة واعترف بعلاقته بشخصيات ليبية معروفة وكيانات أجنبية وعلاقاتهم بنشأة وتمويل التنظيمات الإرهابية خاصة ما يدور عبر الحدود المصرية الليبية.

خبر القبض على هشام العشماوي أسعد الكثير من المصريين وخاصة أهالي الشهداء الذين أثلج الخبر قلوبهم كثيراً وجعلهم يشعرون بأن جزءاً من حق أبنائهم قد عاد بالفعل.

ولكن اللافت للنظر هنا التغير الدراماتيكي الذي حدث للعشماوي فحوله من أحد جنود الوطن إلى عدو له ومتآمر ضده حيث بدء يعتنق الفكر التكفيري ويتحول تدريجياً إلى التشدد الديني.

ومن ثم بدء يطلب من زملاؤه عصيان الأوامر الصادرة لهم كما صرحت بذلك زوجته ثم قام بنشر عبارات تحريضية ضد الجيش المصري مما أدى به إلى فصله من الجيش.

وهذا يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن معركتنا مع الإرهاب هي معركة فكرية بامتياز كما قال الرئيس السيسي.

فنحن نواجه عدو شرس وعدو قاسي وعدو لا يرحم اسمه الإرهاب البغيض وأولى خطوات محاربة الإرهاب هي التخلص من الأفكار المتشددة والفكر المتعصب وهنا تبرز أهمية تجديد الخطاب الديني التي باتت قضية ملحة وهامة ومرتبطة بالأمن القومي المصري.

نحن في أمس الحاجة إلى خطاب ديني جديد وعصري وقوي خطاب يجمع ولا يفرق يحض على المودة والرحمة وقبول الآخر خطاب يبرز الروح السمحة الحقيقية للإسلام. خطاب يستطيع اقتلاع الفكر المتطرف الذي هو النواة الأساسية للإرهاب.

SHARE

اترك تعليق