كتب: عمرو فاروق
شهدت الساعات الماضية الذكرى السابعة والعشرين لاغتيال المفكر المصري الدكتور فرج فودة، على يد عناصر من الجماعات الإسلامية، في 8 يونيو عام 1992، عقب قيام منظريهم بإصدار فتوى بتكفيره وإباحة قتله.

فلم يكن الثامن من يناير عام 1992، يوما عاديا بل كان الضوء الأخضر لإباحة دماء الدكتور فرج فودة، على أيدي التنظيمات التكفيرية المسلحة.

إذ تجمع ما يقرب من 30 ألف من الرجال والنساء والشباب في مناظرة استمرت 3 ساعات متواصلة بمعرض الكتاب الدولي بالقاهرة، حشد لها أتباع تيار “الإسلام السياسي”، تحت عنوان “مصر بين الدولة الإسلامية والدولة المدنية”.
انقسم فيها المُحاضرون لفريقين، الأول ضم”أنصار الدولة الدينية”، وهم الشيخ محمد الغزالي، العضو السابق في الإخوان، ومأمون الهضيبي، نائب مرشد الإخوان، والمتحدث باسم الجماعة حينها، والدكتور محمد عمارة، بينما الفريق الثاني ضم “أنصار الدولة المدنية”، وهم الدكتور محمد خلف الله(حزب التجمع)، والدكتور فرج فودة.

بدأت المناظرة بكلمة للشيخ الغزالي ذكر فيها أهمية الحفاظ على الهوية الإسلامية ثم تبعه الهضيبي، الذي ركز على أهمية أن يكون الجدال والنقاش بين “الدولة الإسلامية” و”الدولة اللإسلامية”، مؤكدا أن الإسلام دين ودولة وليس دينا فقط.

وخلال ذلك تعالت هتافت الحضور بالنشيد الرسمي للإخوان: “الله غايتنا، والرسول قدوتنا، والقرآن دستورنا، والجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا”.
وكان فودة أخر المتحدثين، وبدأ كلامه للرد على ما دار من حديث، بالإشارة إلى دولة الخلافة وما بعد الخلافة الراشدة، مستشهدا بكلام الشيخ الغزالي نفسه من أن الإسلاميين منشغلون بتغيير الحكم أو الوصول إلى الحكم دون أن يعدوا أنفسهم لذلك.
كما أشار إلى ما قدمته بعض الجماعات المحسوبة على الاتجاه المؤيد للدولة الدينية، وما صدر عنها من أعمال عنف وسفك للدماء، كما استشهد بتجارب لدول دينية مجاورة على رأسها إيران قائلا: “إذا كانت هذه هي البدايات، فبئس الخواتيم، ثم قال للجميع الفضل للدولة المدنية أنها سمحت لكم أن تناظرونا هنا ثم تخرجون ورؤوسكم فوق أعناقكم؛ لكن دولا دينية قطعت أعناق من يعارضونها”.
مضيفا: “لا أحد يختلف على الإسلام الدين، لكن المناظرة اليوم حول (الدولة الدينية)، وبين (الإسلام الدين) و(الإسلام الدولة) رؤية واجتهاد، فالإسلام الدين في أعلى عليين، أما الإسلام الدولة فهو كيان سياسي وكيان اقتصادي وكيان اجتماعي يلزمه برنامج تفصيلي يحدد أسلوب الحكم”.
مشيرا: “إذا كان التنظيم السري جزءاً من فصائلكم أم لا، تدينونه اليوم أم لا؟ هل مقتل النقراشي والخازندار بدايات لحل إسلامي صحيح؟ أو أن الإسلام سيظل دين السلام، ودين الرحمة، والدين الذي يرفض أن يُقتل مسلم ظلماً وزوراً وبهتاناً لمجرد خلاف”.
ما دفع مأمون الهضيبي للقول بأنه لا يوجد لدى الإخوان “برنامج تفصيلي، ولكن يوجد مبادئ عامة”، قائلاً: “أننا تقربنا إلى الله بأعمال التنظيم الخاص للإخوان”.
شعر حينها أنصار تيار “الإسلام السياسي”، أنهم عجزوا على مواجهة فودة، بشيء من المنطق، خاصة فيما يتعلق بقضية “دولة الإسلام”، ومن ثم تحولت المناظرة لتحريض واضح وشحن علني لتكفيره، والطعن في أفكاره، وعقيدته وإيمانه.
لم تهدأ أجواء الصراع بين الطرفين بعد المناظرة لكنها اشتعلت، إذ ظهر الشيخ محمد الغزالي عقبها في برنامج “ندوة للرأي” على التليفزيون المصري، وقال بوضوح “أن من يدعو للعلمانية مرتد يستوجب أن يطبق عليه حد الردة”، موجها كلامه تجاه فرج فودة الذي الف كتابا للدعوة للعلمانية تحت مسمى “حوار حول العلمانية”.
قبل عملية الاغتيال بعشرة أيام، وتحديدا في 27 مايو1992، قال الشيخ محمد الغزالي في ندوة بنادي هيئة التدريس بجامعة القاهرة عن فرج فودة، وعن فؤاد زكريا، “أنهم يرددون كلام أعداء الإسلام في الخارج، ربنا يهديهم، وإن ماهداهمش، ربنا ياخدهم”.
في 1 يونيو1992، قبل تنفيذ الاغتيال بـ5 أيام فقط، نشرت جريدة “النور” الموالية للتيار الإسلامي، بيانا لـ”جبهة علماء الأزهر”، (ندوة علماء الأزهر وقتها)، برئاسة الدكتور عبدالغفار عزيز، ونائبه الدكتور محمود مزروعة، يكفر فرج فودة تكفيرا صريحا، بدعوة أنه مرتد، ومن ثم يستوجب القتل.
عقب بيان “جبهة علماء الأزهر”، تسابقت المرجعيات التكفيرية للجماعات المسلحة بإطلاق فتاوى تكفير فودة على منابر المساجد، وفي مقدمتهم الأب الروحي للجماعة الإسلامية، الشيخ عمر عبدالرحمن، وكذلك وجدي غنيم، الذي قال: “قتله هو الحل”.
جاءت عملية الاغتيال بتكليف مباشر من صفوت عبدالغني أحد قيادات الجناح العسكري للجماعة الإسلامية، من داخل محبسه، والذي كان مسجونا بتهمة اغتيال رئيس مجلس الشعب، الدكتور رفعت المحجوب (أكتوبر 1990)، ونقل محاميه للقتلة التكليف وبدأ في تنفيذه.
في يوم الاثنين 8 يونيو1992 تحرك عبدالشافي رمضان(26 عاما)، وأشرف السعيد(29 عاما)، بتكليف من محامي صفوت عبدالغني، واستقلا دراجة بخارية، بعد أن جهز لهما الأسلحة والذخائر إرهابي آخر، وهو أبو العلا عبد ربه (قتل في سوريا في 2017).
وفي السادسة من مساء ذلك اليوم خرج الدكتور فودة من مكتبه أمام الجمعية المصرية للتنوير، التي أسسها في مصر الجديدة، وفور مشاهدتهما له أمطراه بالرصاص، مما أسفر عن إصابته وابنه أحمد، وصديقه وحيد رأفت زكي.
دقائق معدوة كانت كفيلة بإلقاء أمين شرطة والسائق الخاص بالدكتور فرج فودة القبص على المتهم الأول، ولاذ زميله بالهرب، لكن تم ضبطه في أبريل 1993، بتهمة محاولة اغتيال وزير الإعلام صفوت الشريف.
حملت سيارة الإسعاف الدكتور فودة إلى المستشفى، حيث قال وهو يحتضر “يعلم الله أنني ما فعلت شيئا إلا من أجل وطني”، وحاول جراح القلب الدكتور حمدي السيد، (نقيب الأطباء) إنقاذ حياته، لكنه لفظ أنفاسه الأخيرة بعد 6 ساعات.
في نفس اليوم نشرت الجماعة الإسلامية بيانا أعلنت فيه مسؤوليتها عن اغتياله، وأنها قتلته تطبيقا لفتوى علماء الأزهر.
ورحبت جماعة الإخوان في اليوم التالي من خلال متحدثها الرسمي، مأمون الهضيبي، باغتيال فرج فودة عبر صفحات جريدة “الأخبار”، وإذاعة “صوت الكويت”.
أحيل المتهمون إلى المحاكمة الجنائية، وخلال جلسات محاكمتهم التي بلغت 34 جلسة، استمعت فيها المحكمة إلى أقوال 30 شاهدا، أشار المتهم الأول، إلى أن سبب اغتياله للدكتور فودة، أنه “كافر”، وبسؤاله “من أي من كتبه عرفت أنه كافر؟”، كانت المفاجأة بأن المتهم لم يقرأ أي كتاب لـ”فودة” من قبل، مؤكدا: “أنا لا أقرأ ولا أكتب”.
أقر المتهم أنه عضو في الجماعة الإسلامية، التي كان يتزعمها الدكتور عمر عبد الرحمن آنذاك، مشيرا إلى أنه وشريكه وضعا أكثر من سيناريو لتنفيذ مخططهما، الأول باستخدام أسلحة بيضاء، والثاني حرقا بالبنزين، لكنهما استقرا على عملية الاغتيال بالرصاص.
عقب عملية الاغتيال مباشرة، هرب رئيس “جبهة علماء الأزهر”، الدكتور عبدالغفار عزيز ، إلى الكويت وأصدر كتابا بعد الحادثة، تحت عنوان “من قتل فرج فودة؟”، أورد فيه 4 اتهامات تفيد بردة المفكر، أولها رفضه تطبيق الشريعة، حتى أنهى الكتاب بعبارة “فرج فودة هو من قتل فرج فودة”، وأن الدولة قد سهلت له عملية الانتحار، وشجعه عليها المشرفون على مجلة أكتوبر(قاصدا الكاتب صلاح منتصر ).
فاستدعت المحكمة نائبه الدكتور محمود المزروعة، رئيس قسم العقائد والأديان بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر، والشاهد الرئيسي في القضية، فقال أمام المحكمة أن: “فرج فودة مرتد باجماع المسلمين، ولا يحتاج الأمر إلى هيئة تحكم بارتداده، وهو مستوجب القتل”.
وقال مزروعة إن اتصالا جاءه من شباب يدعون انتماءهم لإحدى الجماعات الإسلامية، ويريدون استشارته في أمر عاجل، فحدد لهم موعدا في إحدى محطات البنزين في القاهرة، والتقى بهم، فسألوه: “ما حكم المرتد” فأجاب: “قتله”، ثم سألوه: “وإذا لم يقتله الحاكم؟” فأجاب قاطعا: “يكون حكم قتله في رقاب عامة المسلمين”.
وتطوع الشيخ محمد الغزالي، من تلقاء نفسه وذهب للشهادة في المحكمة، لكي يحاكم القتيل ويساند القتلة، وقال في شهادته التي استمرت لمدة نصف ساعة، قال فيها: “إن فرج فودة بما قاله وفعله كان في حكم المرتد، والمرتد مهدور الدم، وولي الأمر هو المسؤول عن تطبيق الحد، وإن لم يفعل يكون ذلك من واجب آحاد الناس، وأن التهمة التي ينبغي أن يحاسب عليها الشباب الواقفون في القفص ليست هي القتل، وإنما هي الافتئات على السلطة في تطبيق الحد”.
ولم يكتفِ الشيخ محمد الغزالي، بذلك بل نشر بيانا مساندا لمحمود المزروعة، وقع عليه وقتها عدد من مشايخ الأزهر المحسوبين على تيارات “الإسلام السياسي”.
حكمت المحكمة بإعدام المتهمين الأول والثاني، والحكم بالسجن المؤبد على المتهم الثالث أبو العلا عبد ربه، الذي أفرج عنه محمد مرسي في 2012، ليقتل بسوريا في مارس2017.
لكن الحقيقة الغائبة عن الكثير أن كل من الدكتور عبدالغفار عزيز، مؤسس “ندوة علماء الأزهر وقتها” عام 1992، ونائبه ، الدكتور محمود مزروعة، هما من العناصر المحسوبة على الإخوان.
فكان الدكتور عبدالغفار عزيز، أحد المساهمين في تأسيس المركز الإسلامي في ميونخ، وهو أكبر معاقل الإخوان في أوروبا.
وعند عودته للقاهرة، تم انتخابه على قائمة الإخوان في مجلس الشعب المصري عام 1984، ليكون ضمن الذين طرحوا مشروع تطبيق الشريعة الإسلامية في مجلس النواب، عقب مقتل الرئيس السادات، ومن الداعمين لحملات “الجهاد الأفغاني”، إذ شارك في حملات جمع التبرعات عن طريق نقابة الأطباء وغيرها، وصدرت له تحذيرات صريحة من الأجهزة الأمنية بتحويله إلى المحاكمة بتهمة تمويل الإرهابين.
كما كان ممثلاً لجامعة الأزهر عام 1986، في رثاء المرشد العام للإخوان عمر التلمساني .
وخلال أزمة تكفير الدكتور فرج فودة، هدد الدكتور أحمد فتحي سرور عام 1992 بمظاهرة ثورية، لو لم تسحب الدولة كتب فودة التي طبعتها وزارة الثقافة.
بينما تم القبض على الدكتور محمود مزروعة، عام 1956، بتهمة الانتماء لتنظيم الإخوان، وتم الإفراج عنهم عقب اصابته في عينه اثناء وجوده في السجن الحربي.
وفي يوليو2013، خرج الدكتور محمود مزروعة، عن صمته ليؤكد أنه ليس نادما عن فتواه بقتل فرج فودة، في حوار له نشرته إحدى الصحف الخاصة.
وفي أكتوبر2103، صرح بأن انتخاب الدكتور مرسي يعد بيعة مثل التي بويع بها أبو بكر الصديق كخليفة للمسلمين، وأنه لايجوز الخروج عليه، وأنه الرئيس الشرعي للبلاد، وأن ثورة 30 يونيو هي انقلاب عسكري.
في 21 سبتمبر2014، أشرف الدكتور محمود مزروعة، أستاذ العقيدة والفلسفة بكلية أصول الدين بالمنوفية، الدكتور عمر عبد العزيز، رئيس قسم الأديان والمذاهب بكلية الدعوة الإسلامية بالأزهر، على رسالة دكتوراه للباحث محمد إبراهيم أبو عطية، لوصفه 30 يونيو بالانقلاب العسكري.

اترك تعليق