حورية عبيدة

قالتِ الرجال: حظَرنا عليكن تعلّم الكتابة، فردَّتِ النسوة: لكم أبجديتكم ولنا أبجديتنا. وبإصرارٍ بالغٍ ابتكرن كتابة سرية؛ تُعد هي الكتابة الوحيدة تحت أشعة الشمسٍ المخصصة للنساء؛ لغة خاصة لا يفهمها الرجل -طالما بقيت العلاقة بينهما متوترة؛ علاقة فيها ضعيف وقوي؛ سيد ومسود- هكذا تَصدّتِ النساء بمقاطعة “جيانج يونج” الريفية الصينية لذكورية مجتمعهن، فكانت لغة النوشو”؛ والتي تَعني: الله فوق، أو نور السماء، لغة لا يفهمها سوى مَن اقترنت بصفات التأنيث.

إبّان الحقبة الإقطاعية؛ كان الحرص على عدم إرسال البنات للمدارس؛ فقامت نساء الأقدام المربوطة -نسبة لعادة الصينيين في ربط أقدام الصغيرات كي لا تنمو، وهي من علامات الجمال والأنوثة عند اختيارها كزوجة- قامت بابتكار كتابة سرية؛ لقلة هامش الحرية المتاح لهن، ليتواصلن من خلالها، وحرصن على إخفائها عن رجالهن، وكانت اللغة تنتقل بينهن في سرية تامة طيلة مئات السنوات.

أبجدية النوشو ذات أربعة عشر عنصراً، خطوطها نحيفة مائلة، ضمَّت أغان فلكلورية، وشِعراً صينياً قديماً، وأهازيج ريفية في مدح الأخلاق ورعاية الأسرة، ونضالاً ضد الهيمنة الذكورية، وبعد وفاة “يانغ هويايني” عام 2004 عن عُمْر يناهز الثانية والسبعين -وهي آخر امرأة كانت تجيد لغة النوشو- رحل معها سر لغوي نسائي من الصين بل ومن العالم كله؛ سيَّما وأن الوثائق المكتوبة بتلك اللغة نادرة جداً؛ لأنه كان يتم حرقها أولاً بأول كيلا يراها الرجال.

العزلة المقيتة كانت سبباً لاختراع تلك اللغة المدهشة، فنساء المقاطعة كن يُجبَرن على العيش مذ بلوغهن السابعة داخل غرف مخصصة للنساء فقط! سواء في منازل آبائهن أو أزواجهن حتى يتوفاهن الموت! وقد لجأت الفتيات إلى استخدام النوشو لتخفيف عزلتهن وآلامهن النفسية، وتجفيف دموعهن، والتواصل مع بعضهن بعضاً، وإرسال رسائل لرفيقاتهن -خاصة بعد الزواج- لمشاركتهن همومهن ومشاكلهن، وقد لُوحظ أن تلك المقاطعة تحديداً لم تُسجل فيها حالة انتحار واحدة، دليل أن الكتابة ساعدتهن على خلق سلامهن النفسي.

حتى منتصف القرن الفائت لم يكن أحد خارج الإقليم يعرف شيئاً عن “النوشو”، وفي فترة الستينيات كتبت إحدى النساء خطاباً؛ وفي طريقها لإرساله لرفيقتها استوقفها رجل الأمن؛ وبدوره قام بتفتيشها؛ فصادفه ذلك الخطاب الذي بدا وكأنه مكتوب بشفرة سرية مريبة، فتم توقيفها بتهمة التجسس! ولم يتم الكشف عن اللغة إلا في خضم الثورة الثقافية؛ ساعة نجح الخبراء في فك رموزها فى ثمانينيات القرن المنصرم.. وحالياً ومذ ثلاثين عاماً تقوم الجامعات بتدريس تلك اللغة التي سموها: نوتات موسيقية طائرة في مهب الريح.

وقد وثَّقت الكاتبة الأمريكية الصينية “ليزا سى” قصة فتيات النوشا في فيلم: “زهرة الجليد والمروحة السِّرية”، وعنها أُلِّفت سيمفونية: نوشو: أنشودة النساء السرية؛ وتُعزف حالياً في أروع القاعات العالمية؛ بأوركسترا أمريكي، وملكي هولندي، وسيمفوني ياباني.. ونجاح السيمفونية هو إجلال العالَم للخيال المثالي للنساء ونضالهن ضد القهر الذكوري، وهي تتكون من ثلاث عشرة مقطوعة؛ مزجٌ بين الموسيقى الشرقية والغربية، ومن بعض عناوينها: فراق البنت لأمها -وقت عُرسها- حياة امرأة حزينة مع زوجها طيلة نصف قرن، الحنين لأيام الطفولة، سَرْد امرأة باكية، وآلة القيثارة هي الأساس في العزف.

اترك تعليق