عاطف عبدالغنى رئيس بوابة دار المعارف الصحفية

نزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم مفرقًا ومجزءًا حسب الوقائع والأحداث وحكمة الله، وقد لمز الكفار فى ذلك: «وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً» (الفرقان 32) فتكفل رب العزة بالرد عليهم: «كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ»، يقول السيوطى: «إن الوحى إذا كان يتجدد فى كل حادثة كان أقوى بالقلب وأشد عناية بالمرسل إليه، ويستلزم كثرة نزول الملك إليه، وتجدد العهد به وبما معه من الرسالة الواردة من ذلك الجناب العزيز»، ومن أواخر سور القرآن التى أنزلها رب العزة على نبيه كانت سورة «براءة»، أو «التوبة» ونزلت فى العام (9) من الهجرة.

(1)

وتشير الملابسات المرتبطة بأسباب النزول فى سورة «براءة» إلى أن النبى صلى الله عليه وسلم لما عاد من غزوة تبوك فى شهر رمضان من العام التاسع من الهجرة عقد العزم على أن يحج إلى بيت الله الحرام، لكنه بوحى من الله كره أن يخالط المشركين، وكانوا حتى هذا العام يحجون إلى الكعبة ويمارسون فيها طقوسهم المستهجنة المزرية مثل التلبية التى تتضمن الإشراك كأن يقولوا: «لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك»، ومثل طوافهم بالكعبة عراة نساء ورجالًا، وصفيرهم وضجيجهم، وما ينتج عن هذا من ممارسات قبيحة فى مقام يستحق الإكبار والإجلال، مقام تعبد وتقرب إلى الله من أصحاب رسالة التوحيد.

(2)

فى كتابه «التحرير والتنوير» يقول محمد الطاهر بن عاشور كان العهد بين النبى صلى الله عليه وسلم وبين المشركين قد انعقد على صور مختلفة، وكان بينه (الرسول صلى الله عليه وسلم) وبين أهل مكة ومن ظاهرهم عهد الحديبية، أن لا يصد أحد عن البيت (من المسلمين) إذا جاء، وأن لا يخاف أحد فى الشهر الحرام، وقد كانت معظم قبائل العرب داخلا فى عهد قريش.. وبين المسلمين وبعض قبائل المشركين عهود، بعضها لغير أجل معين (مفتوحة المدة) وبعضها لأجل قد انقضى (انتهت مدتها).

واختلف المؤرخون حول عهد الحديبية قال بعضهم إن مدته كانت (10) أعوام، وقال آخرون (4)، ولما كان إبرامه فى شهر ذى القعدة من عام (6) هجرية تكون مدته قد انقضت عند نزول آية براءة، وعلى أى حال فقد سبقت قريش وحلفائها بالغدر ونقض العهد ففى العام (8) من الهجرة أعانت قريش قبيلة بنى بكر بالسلاح وقاتلت معها قبيلة خزاعة التى فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقتلت رجالاً منها فى الحرم، هذا غير وقائع أخرى لنقض العهد، وحين فرغ الرسول صلى الله عليه وسلم من غزو تبوك وجاءه الوحى «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا» كان هذا إيذانًا بعهد جديد فى عمر الرسالة الخاتمة وأمر إلهى بتطهير المسجد الحرام من نجاسات الشرك والضلال، وكره الرسول أن يحج بالمسلمين فانتدب أبى بكر بدلا عنه، وغادر الرجل ومن معه إلى مكة، لكن الله أوصى لرسوله بتشريع وحُكم آخر لمصلحة الأمة الوليدة:«وَأَذَانٌ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ» فألحق الرسول بالحجيج على بن أبى طالب يحمل (43) آية من سورة براءة ويقرأها على مشركى مكة، قاصدا ألا يترك لهم عذرًا فى علمهم بنبذ العهد الذى بينه وبينهم.

(3)

نحن إذا بإزاء وقائع تاريخية محددة، لكن القرآن ليس كتاب تاريخ، أو حكايات، ولا يمكن أن نتوقف عند حدوده الظرفية طلما اتفقنا على أنه صالح لكل زمان ومكان، وأن مقاصد الله سبحانه للبشر باقية ومتجددة فى القرآن، وانطلاقا من هذه القاعدة يمكن أن نلجأ إلى علم التفسير المقاصدى للقرآن، الذى يقول عنه الدكتور وصفى عاشور أبوزيد إنه علم يبحث فى المعانى المعقولة، والغايات المتنوعة، التى يدور حولها القرآن الكريم كليًا أو جزئيًا، ويوضح كيفية الإفادة منها فى تحقيق مصلحة العباد، ويعرّفه الإمام الزرقانى فى كتابه «معارف القرآن» بأنه علم يبحث فيه عن القرآن الكريم من حيث دلالاته على مراد الله تعالى بقدر الطاقة البشرية.

(4)

تأسيسا على ما سبق يمكن أن نطرح السؤال: ما مقصود الآية (5) من سورة التوبة والتى يقول فيها رب العزة: «فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ».

الآية واضحة إنها إعلان حرب بين جماعة المسلمين وبين معاهديها من الكفار الذين نقضوا العهد.. فهل كان الحكم مطلقا لكل زمان ومكان؟! أم موقوت بوقت محدد؟! نستطيع أن نسترشد فى الإجابة بمحتوى نص الآيات السابقة واللاحقة ثم نقول مطمئنين إن السورة كانت تتحدث عن أقوام وأشخاص بعينها: «إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً» (4)، وقوله تعالى: «وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِى دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ» (12)، قال قتادة إن المقصود بأئمة الكفر، أبى جهل، وأمية بن خلف وعتبة وشيبة، وقال آخر بل قوم من الكفار فى الشام كانوا على عهد أبى بكر، وكلها اجتهادات، مثل القول إن الآية (5) من التوبة نسخت آيات الموادعة والمعاهدة فى القرآن؟! فما قولكم فيمن قال إن الآية (السيف) نسختها الآية (4) من سورة محمد ونصها: «فَإِذا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا»، وتوضح بقية الآية مقصد رب العزة: «وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ» صدق الله العظيم، مرة أخرى هى قضية اجتهاد، لكن لا يجب أن تأخذنا الاجتهادات بعيدا عن مقصد الله سبحانه وتعالى، فهل فهم من فسروا القرآن على هوى نفوسهم المريضة، هذا أم استجابوا لأهوائهم فاستحلوا الدماء وفسقوا المسلمين أفرادًا وجماعات وأخرجوهم من الملة حتى يسوغوا أنفسهم شرعًا دمويًا يتنافى مع حرمة دماء الناس؟!..

وللحديث بقية.

 

اترك تعليق