د. ناجح إبراهيم

ماذا سأفعل في الأعوام القادمة؟ما أفضل شيء يمكن فعله؟سأستعد للقاء الله,امتلاك العقارات والتجارة وتدريب الملاكمة,هذا لن يدخلنى الجنة,الله ينظر إلي,الله لن يزكيني لأنى هزمت فريزر بطل العالم, الله لا تهمه ثروة بريطانيا أو أمريكا فهو مالك كل شيء، الله يهمه كيف يعامل ويساعد بعضنا بعضا,لذا سأسخر حياتى واستخدم اسمى وشهرتى لفعل الخير والتطوع لمساعدة الناس والعمل علي وحدتهم.

الناس يفجر بعضهم بعضاً ويتقاتلون بسبب الصراعات الدينية,العالم يحتاج إلي من يساعده لإحلال السلام,وذلك حتى إذا مامت أريد أن أري الجنة التى أسمع بها,كلنا سيموت قريباً.

هذه ليست الحياة الحقيقية،انظر لنفسك،فجسمك يضعف ويشيخ,ولكن روحك لا تموت,جسمك منزل لروحك,ولذا فإن الله يختبرنا بمعاملة بعضنا لبعض,وكيف نعيش ونعمل من أجل منزلنا الحقيقي في الجنة.

الماديات لا تعيش معنا طويلاً,فسيارتى الفارهة وهذا المبنى سيبقى,وسيتوفى من بناه,ملوك كثيرون مروا علي بريطانيا ماتوا جميعاً,حتى أطفالك لا تملكهم,صدقونى أنت لا تملك حتى زوجتك,لذلك أهم شيء أن تجيب بصدق علي السؤال؟ماذا سيحدث لك بعد موتك,هل ستخلد في النار أم في الجنة؟ لم تكن هذه الكلمات لشيخ أو قسيس ولكنها كانت لأشهر ملاكم عالمي فاز ثلاث مرات ببطولة العالم,حقق  156 انتصاراً منهم 37 بالقاضية, وصاحب المواقف الرائعة والذى رفض التجنيد للحرب في فيتنام لأنها حرب ظالمة علي شعب أعزل وضحى من أجل ذلك بأغلى لقب وسجن خمس سنوات.

وصل”محمد كلاي”البطل العالمى لهذه القناعات الرائعة التي ذكرها لمشجعيه ومحبيه في لندن.

هذه الخلاصة الرائعة لم ينفرد بها وحده, ذلك البطل العظيم الذى أسلم من قبل وسخر حياته كلها لخدمة الناس جميعاً ونشر السلام والمحبة بينهم لكنها كانت خلاصة حياة الراحل مصطفي أمين وهو من أشهر الصحفيين المصريين والذى خاض معارك صحفية وسياسية وفكرية كلفته السجن والعذاب. وعاش مع كل الطبقات الصحفية والسياسية والفنية وعاشرهم عن قرب وخاض أشرس المعارك في كل مجالات الحياة.

وفي السجن وجد أن الشهرة والأمجاد كلها سراب وأن صنع الخير وبذل المعروف ونصرة المظلوم هي أعظم رسالة فتدفق نهر الخير في حياته وأدرك أن مشروع ليلة القدر لرعاية الأيتام الذى رعاه بنفسه هو الأعظم والأبقى من كل شهرته السابقة، فكانت وصيته لزوجته قبل وفاته “الاهتمام بمشروع ليلة القدر للأيتام”والذى يتسلم اليتيم وعمره يوم ولا يتركه حتى يتخرج من الجامعة ويعمل ويتزوج وهو أول مشروع متكامل في الشرق الأوسط. وهى التى خلص إليها د/مصطفي محمود حينما قال لصديقه الموسيقار/محمد عبد الوهاب: نريد عملاً خالصاً نلقى به وجه الله فقال عبد الوهاب: قدمنا فناً جميلاً وأنت كتبت عشرات المسرحيات والروايات,فقال له د/مصطفي هل سأقابل ربنا بشوية كلام,موقفنا ليس مضمونا فى الآخرة.

فقال له عبد الوهاب: الفن رسالة عظيمة،فقال له د/مصطفى: هل سيقابل لاعب ربنا وكل محصوله عدة أهداف في المرمى,أو ملاكم كل محصوله ضربات لخصمه.. والفن والكتابة أخذنا الأجر عليها كاملاً ومعها شهرة وجماهيرية عريضة نريد عملاً خالصاً لله وحده. مضي كل في طريقه فأنشأ د/مصطفى مسجد ومستشفي ومرصد محمود إكراماً لوالده،والذي أصبح من أهم المستشفيات الخيرية،عالج قرابة مليون مريض.

ولما بدأ تدفق نهر الخير من الذين ساعدوه علي إنشاء المستشفى والمسجد والمرصد,وقد تبرعت الفنانة شادية وقتها بشقة يبلغ ثمنها الآن قرابة مليون ونصف وهى مخصصة الآن لعلاج الأورام وهى تابعة لمستشفى محمود.

وفى آخر أيامه مع عبد الوهاب سأله ما الموت؟فقال له د/مصطفي”إنه أمر استدعاء للقاء ملك الملوك”فبكى عبد الوهاب خوفاً من الاستدعاء,وفى آخر أيام د/مصطفى كان يقول:المستشفي هو أرجى عمل ألقى به الله.

وهذا ما خلص إليه حجة الإسلام الغزالى الذى خدم الدين والعلم,ولكن حياته كانت مشحونة بالسجالات الفلسفية والمذهبية والفكرية,وبعدها تصوف واعتزل للعبادة والعلم بالله وبأمر الله,وقال قولته الرائعة التى أرددها معه”يا ليتنى أموت علي ما ماتت عليه عجائز نيسابور”أى الإسلام الفطرى النقى الغير مؤدلج ولا ممذهب ولا مؤطر ولا معقد ولا مفلسف, فيه سلام النفس وسكينة الروح,يقوم علي قاعدة “الرسل قدوتى والحب مذهبى . قابلت عشرات الإسلاميين واليساريين والاشتراكيين ورجال الأعمال خاضوا معارك سياسية وفكرية ومذهبية وأيدلوجية أو اقتصادية كبرى،أفنوا فيها عمرهم وحياتهم وبذلوا فيها الغالي والرخيص، كانوا مخلصين في صراعاتهم، لم يتكسبوا من الدنيا شيئاً سوى أن كلاً منهم أراد نصرة أفكاره التي يعتقد صوابها،جلهم وصلوا في نهاية المطاف إلي تلك الخلاصة التي وصل إليها كلاى ومصطفي محمود ومصطفي أمين وحجة الإسلام الغزالي.

كلهم شعروا أن هذه الصراعات الطويلة والممتدة لا جدوى منها،ولا فائدة من ورائها،وأنهم لا أرضاً قطعوا ولا ظهراً أبقوا ، وأن هذه الصراعات تركت قساوة في القلب،وضيق في الصدر ، وعنت في الحياة ، وتبذل في الصراع لا يليق بأمثالهم،ومواقف خاطئة ما كانوا ليقعوا فيها لولا حماستهم العمياء للصراع مع الآخرين.

ما أسوأ الصراعات مهما كان نوعها ، ما أحلي سكينة النفس وهضم الذات والعفو عن الناس ورحمة الخلائق وخفض الجناح وأن تعيش مع الحق”سبحانه” بغير خلق ومع الخلق بغير نفس ومع النفس بالمراقبة والمحاسبة، وأن يعيش الإنسان بشعار “اللهم إني أعوذ  بك أن أكون في نفسي عظيماً وعند الله حقيراً”.

اترك تعليق