داليا مجدي عبد الغني

قديمًا كان أهم ركن في المنزل هو ” المكتبة”، فهو المكان الذي يصنع فيه الإنسان خُلاصة ثقافته، وهذه الثقافة لم يكن لها علاقة بالتعليم، أو بمعنى أدق بالشهادات العلمية، فكان كل إنسان يُثقف نفسه وفقًا لإمكانياته، وكان اقتناء الكتب هو أهم صور هذه الثقافة، فكان الكتاب هو أهم شيء في حياة الإنسان؛ لأنه الصديق الوفي الذي لا يترك صاحبه، والذي يُفيده ويُضيف إليه، ويُسليه في وقت فراغه، ويظل رابضًا في مكتبته؛ حتى يُخرجه صاحبه من مكانه ليستعين به، لذا كانت الكتب أغلى وأقيم شيء في حياة الإنسان، فالكثير من الناس البسطاء كانوا يُوفرون من أموالهم؛ من أجل الحصول على أحد الكتب، وكان الكتاب الذي يحصلون عليه يعد بمثابة جوهرة أو قطعة من الماس، لذا أحيانًا كان أحد الأشخاص يُطلق على كتبه مصطلح “الكنز”، وأحيانًا أخرى كان البعض لا يُورث لأولاده سوى مكتبته التي يعُدها أثمن شيء استطاع تكوينه على مدار عمره.

أما الآن فللأسف الشديد، أصبح الكتاب هو آخر اهتمامات الإنسان، ومتعة القراءة الورقية تلاشت تمامًا، فأصبح الجميع يستسهل فكرة القراءة عبر الإنترنت، التي للأسف، تفتقد لكل معاني المتعة، فالحبر والورقة لهما جاذبية من نوع خاص، حتى رائحة الورق، سواء كان قديمًا أو حديثًا لها قدرة غريبة على إنعاش الفكر والوجدان، ولكن كل هذه المعاني بدأت تتلاشى تدريجيًا، فأين المكتبة في المنازل، لم يعد لها وجود، وإن حدث ووُجِدت، فهي تكون ديكور وزينة فقط، ففكرة شراء الكتاب واقتنائه، أصبحت موضة قديمة، فنادرًا ما نجد الشخص الذي يبحث عن كتاب، ويكون على أتم استعداد للحصول عليه بأي ثمن، وعندما يحصل عليه يعتبره من أغلى وأثمن مقتنياته.

وعلينا أن نتذكر دائمًا أن تقدمنا مُرتبط ارتباطًا وثيقًا بمقدار ثقافتنا، والثقافة لا بد أن تبدأ وتنتهي في الكتب؛ لأن الكتاب هوالمكان الذي يحفظ المعلومات، فالعقل يمكن أن ينسى، أو تسقط منه أي معلومة أو فكرة، أما الكتاب فهو مكان التوثيق الأبدي للمعلومات، والدليل أن من يحتفظ بأي معلومة على أي جهاز إلكتروني، يكون مُهددًا دائمًا بضياع تلك المعلومة في حال تلف ذلك الجهاز، في حين أن الكتاب لا يمكن هلاك المعلومات المدونة بداخله، مهما مر عليه الزمن، فالكتاب هو أجمل رمز وعُنوان للثقافة، والمكتبة هي أغلى مكان يمكن أن يٍحفظ فيها ممتلكاته الفكرية والثقافية، فكل كتاب له تاريخ ومرحلة في حياة الإنسان، وأيضًا له دور في تكوين عقيدة وفكر من قرأه، فليتنا نعود إلى المكتبة والكتب الورقية، التي استعضنا عنها بالكتب الإلكترونية.

اترك تعليق