دار المعارف
فى ملخص منشور على الموقع الأليكترونى لـ ” مركز المسبار للدراسات والبحوث ” نطالع ملمح عن كتاب ” المسيحية والإسلام: العلاقات، المعرفة، الأخوة ” * .
الكتاب صادر حديثا عن المركز ذاته، ويتناول جذور التفاهم بين الأديان، وتحديداً بين المسيحيين والمسلمين؛ فيرصد مسارات العلاقات بينهم منذ حقبة زمنية مبكَّرة حتى العصر الراهن، ويبيِّن أرضية المؤاخاة القوية التي نمت على مدار تاريخهما، وما تخللها من محطات وروابط وتلاقٍ وتوترات.
ويقول المركز فى تقريره عن الكتاب وموضوعه:
” عرف التواصل المعرفي بين الإسلام والمسيحية أشكالاً عدة، من الحوارات والجدالات إلى التخصصات العلمية داخل الجامعات في أوروبا والعالم، وليس ثمة حقل أو تخصص معرفي يتفوق على الاستشراق الذي مثّل حالةً مرجعية إشكالية مثيرة للجدل، قدمت الكثير في دراستها للإسلام. عمل الكتاب على تتبع نشوء الاستشراق الكلاسيكي وتطوراته ومناهجه ورؤيته تجاه الدين الإسلامي، منذ بداية تشكله وما نتج عنه من تطورات، وصولاً إلى المقاصد والمآلات وما عُرف بظاهرة «المراجعين الجدد».
وسعى الكتاب إلى التحقق من فرضية أساسية في العلاقات الإسلامية – المسيحية، منظوراً إليها كحالةٍ ثقافية اجتماعية مرتبطة بالحضارة أكثر من ارتباطها بالنص والعقائد أو العنف، إذ تأثرت الروابط بين المسيحيين والمسلمين بالتوترات السياسية والحروب التي أثقلت بنى المعرفة وأوهنت سبل التلاقي، وسممت أسس التعارف، وتركت تأثيرات سلبية في الوعي الجمعي، والصور النمطية المتبادلة، على مستوى الاجتماع “غير المدرك”، والمعرفة “المدركة”، كما يتضح من ظاهرة الإسلاموفوبيا، وظاهرة تهويلها وتسييس معالجتها.
الجدالات
درس الكتاب الجدالات الدينية الإسلامية – المسيحية بدءاً من العهد النبوي، مروراً بالخلافتين الأموية والعباسية وصولاً إلى حقبة التعايش السلمي “نسبياً” والمثمر في بعض الفترات في “الأندلس”، وما شابها من تشنجات بسبب الحالة السياسية والصراعات.
وعلى الرغم من استدعاء نصوص تحمل على التشدد ظلت إمكانات التحاور في التجربة الأندلسية قائمة، مع أهمية الإقرار بحالات التنافر القصوى التي أنتجها التوتر والتنافس.
الصورة النمطية
تعتبر دراسة ” المسيحية والإسلام: الصورة النمطية المتبادلة مدخل إلى مشكل التعددية الدينية “، أنّ مثبطات التسامح ليست مرتبطة بالحالة السياسية، بل بالوعي المُشكل للحالتين الدينية والسياسية، فيوجد لذلك أصل نظري ينهض على إشكالية أن التعدد الديني كان أكثر رحابة مقارنة بالتوحيد العقائدي الذي نهضت به الأديان الإبراهيمية الثلاثة. تبقى هذه الفرضية وجهة نظر قابلة للنقاش وتقبل وجهات النظر المعاكسة.
أبرز حدثين
تناول الكتاب العلاقات الإسلامية – المسيحية، ومدى تأثرها بأحداث تاريخية بارزة، وانعكاسها في الوعي الثقافي والديني والسياسي والمعرفي، ولعل أبرز حدثين تركا انطباعات مؤلمة في ذاكرة المسيحيين والمسلمين هما: دخول المسلمين إلى القسطنطينية، عاصمة الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة عام 1453، بما لها من أهميّة دينية، ثم حروب الاسترداد، التي انتهت بإخراج المسلمين من الجزيرة الإيبيرية، أو سقوط الأندلس، في العصور الوسطى (711-1492). تقصدت الدراسات تحليل تمثلات المسيحية في الفكر الإسلامي، والرؤى حول الإسلام في الفكر المسيحي بناءً على هذين الحدثين وما سبقهما وما نتج عنهما من تداعيات وتبعات.
تأثيرات سلبية
كان للتوترات تأثيرات سلبية في العلاقات الإسلامية- المسيحية أدت إلى مواجهات بين أتباع الديانتين وقلصت سبل التسامح وملاقاة الآخر، فتمّ رفع وتيرة النصوص وتوظيفها في التهميش المتبادل، وتعزيز العدائيات. ولكنّ هذا لم يكن سائدًا على طول المشهد، ففي الحالين وجدت مساحات للتعارف لا سيما في الاجتماع، ودعوات للحوار بدلاً من التصادم على الضفتين: المسيحية والإسلامية، ومن بين النماذج التي درسها الكتاب في هذا السياق: اللاهوتي الإسباني يوحنا الأشقوبي (John of Segovia)، واللاهوتي الألماني نيكولاس الكوزاني (Nicholas of Cusa). لاحظت الدراسات أن فهم الإسلام في الأدبيات الأوروبية تبدل، حتى إنّ صورة النبي محمد ومنظومة الاعتقاد الإسلامية في الفكر المسيحي تحوّل النظر إليها بشكل إيجابي، منفتح؛ تمّ ذلك في عصر الأنوار، فصارت الدعوة إلى فهم الرسول والإسلام هي السمة الغالبة على المفكرين.
اللاهوتيين العرب
في دراسة لإسهامات اللاهوتيين العرب في المقاربة العلمية للإسلام، تطرق الكتاب إلى جهود الأب يواكيم مبارك، عالم الإسلاميات واللاهوتي، وذلك في محورين أساسيين: تنظيره حول الأصول الإبراهيمية للإسلام، وملاحظاته النقدية حول الكيفية التي نظرت بها وثائق المجمع الفاتيكاني الثاني (1962-1965) إلى المسلمين. كما حلَّل الكتاب موقع الإسلام في هذه الوثائق خصوصاً «بيان في علاقة الكنيسة بالديانات غير المسيحية» (في عصرنا)، وتطرق إلى العلاقات بين الفاتيكان والعالم الإسلامي، وخلص إلى أن التوقيع على «وثيقة الأخوة الإنسانية من أجل السلام العالمي والعيش المشترك»، في فبراير (شباط) 2019، خلال اللقاء الذي احتضنته العاصمة الإماراتية أبوظبي، من قِبَل حضرة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور الشيخ أحمد الطيب، والحبر الأعظم البابا فرنسيس، فتح أفقاً جديداً للعلاقة بين الديانتين من الضروري البناء عليه.
التحديات
إن أبرز تحدي يواجه العلاقات الإسلامية- المسيحية يتمثل في الوعي بالدولة؛ وهي قضية سارعت الجماعات الإخوانية إلى التصدي لها بنهج يستغل الدين في الصراع السياسي ويؤدي إلى إثارة القلق حول مستقبل المكوِّنات الدينية، فتسبب ذلك -مع جملة عناصر أخرى- في نشوء حالة تهدد المواطنة الكاملة التي يتساوى فيها المواطنون في الحقوق والواجبات، وأنتجت شرخاً بين المسلمين والمسيحيين أساسه أيديولوجي. ناقش الكتاب علاقات المسلمين والمسيحيين من منظور المواطنة التي صارت الإطار الدستوري والقانوني للدولة الوطنية الحديثة؛ في كل من مصر ولبنان، ضد تقاليد نظام الملل، والنظم التي تسعى إلى تحويل المسيحيين إلى مواطنين من الدرجة الثانية كما يروج «الإسلاميون».
التسامح
يتعلق التسامح بالمستقبل أكثر من تعلقه بالماضي، ولكن الوصول إلى هذا المستقبل يتطلب منا بحثاً في التاريخ، يأخذ العظات منه ويمنح الحالمين غداً أفضل، وزاداً وافراً من الحكمة والأسس التي تجسر الدعائم بين الأديان والشعوب.
………………………………………………….
* الكتاب ثمرة جهد ريتا فرج التي نسقت العدد، مع زملاء لها، لذلك وجه لها الناشر “مركز المسبار” ولكل الباحثين المشاركين في الكتاب، الشكر على ما بذلوه من جهد

SHARE

اترك تعليق