سمير فرج

“ألا ليت الشباب يعودُ يوماً” … مقولة اختلف معها تماماً، وأفضل عليها “ألا ليت أيام الطفولة تعودُ يوماً”، فنحن الجيل الذي عاش أجمل أيام حياته، في طفولته … فلا مسئوليات، ولا أعباء، وحتى سقف الأحلام كان بسيطاً وسهل المنال. بدأت طفولتي في مدينة بورسعيد، أجمل بقاع الدنيا، بلا تحيز، في أواخر الخمسينيات وأوائل الستينات، في تلك المدينة الصغيرة، التي تضاهي في جمالها، وأسلوب حياتها، أجمل مدن أوروبا، الآن، خاصة مدينة بورفؤاد، التي تشبه المدن الفرنسية في مبانيها، وتخطيط حدائقها، وحتى شواطئها، التي كانت تتبع هيئة قناة السوس، كانت نسخة من شواطئ “نيس” و”كان”.

كانت معدية بورفؤاد، الفرنسية الصنع، والتي كانت تذكرتها بقيمة ٢ مليم، واحدة من أجمل الفسح لأطفال، وأهالي، بورسعيد، نتوجه بعدها إلى تمثال ديليسبس، لتناول الذرة المشوي، والترمس، وأم الخلول المملحة في قرطاس ورقي، أو أبو فروة، على نار الفحم، في الشتاء. كنا نبدأ يومنا في الصيف، مع أولى نسمات الفجر، بالذهاب للشاطئ لمشاهدة الصيادين، محاولين مساعدتهم في شد الشباك، فيصيح شيخ الصيادين، “أبعد يا ابني والنبي متعطلوناش”. وما أن يتموا سحب الشباك للشاطئ، حتى يكافئون كل منا بسمكة أو اثنتين، نسارع بهم إلى أمهاتنا لشوائها، قبل أن تبدأ طقوس الصباح، في الصيف، بالتوجه للشاطئ، في التاسعة صباحاً، وتناول الإفطار، تحت الشمسية، قبل البدء في رحلة اصطياد “الحنجل”، أو سرطان البحر، الذي نجده في حفره، التي حفرها في المساء.

لم نكن نكف عن الأنشطة، فقبل النزول إلى مياه البحر الرائعة، كنا نمارس رياضة الراكيت، على أن نلعب مباريات كرة القدم، على الشاطئ، بعد السباحة، والتي أظهرت نبوغ وتفوق أبناء بورسعيد من عمالقة كرة القدم. وما أن يحل المساء، حتى نعود لمنازلنا، للاستعداد للسهرات والحفلات الراقصة على الشواطئ، التي لم نسمع فيها يوماً عن مضايقات وتحرشات، أو نذهب للسينما الصيفي، والتي كانت مدينة بورسعيد تحتوي على أكبر عدد من دورها، في مصر. كان أبناء المدينة، وضيوفها من المصيفين، يستمتعون بكل لحظة فيها، وكان منهم الرئيس الراحل أنور السادات، أثناء رئاسته لمجلس الشعب، حيث كانت بورسعيد مصيفه الرئيسي لعدة لسنوات، يستمتع بوجوده فيها، بصحبة أسرته، في كابينة رقم (١) الشهيرة، خلال شهري يوليو وأغسطس، دونما تطفل من أحد.

وتنتهي أشهر الصيف، لتخلو شواطئ بورسعيد من ضيوفها، وتصبح لأهلها، فقط، الذين احترفوا اصطياد أسراب السمان، والطير المهاجر، فكنا نندفع كل صباح للشاطئ، لنصطاد منها من اصطدم باسلاك الكهرباء، أو هبط على الشاطئ، بعدما أنهكه الطيران من أوروبا. كما تميز أهالي بورسعيد باصطياد جحافل السردين التي تقترب من شواطئ المدينة، لتتغذي على طمي فيضان النيل، فتفوح رائحة شواءه، من كل أركان المدينة، المليئة بأفران شواء الأسماك، والتي كانت تتفرغ في ذلك الموسم، لشواء السردين، الغني في مذاقه، والذي لا تجد مثيله اليوم. كما كانت الأسر حريصة على تمليحه، وحفظه، وإهداءه للأصدقاء، والأحباء. فكان شهر سبتمبر ذو صبغة خاصة يعرفها جميع أهالي بورسعيد.

وقبل بدء العام الجديد، في مدينتي بورسعيد، كانت احتفالات أعياد الكريسماس، ورأس السنة، تملأ جوانب المدينة بزينتها، وتحتفل كل طائفة باتباع طقوسها الخاصة؛ فأهل الجالية اليونانية يقذفون الأطباق القديمة من منازلهم ليلة رأس السنة، لاستقبال عام جديد بأطباق جديدة، بينما المقاهي في بورسعيد، كانت أجمل من مقاهي الشانزليزية، في باريس، حيث تجد السيدات والرجال، في كامل أناقتهم، وبحليهم وأزيائهم الرسمية، يتناولون العشاء على أضواء الشموع، وعلى أنغام وموسيقى الستينيات الرائعة. وعندما يحل الشتاء على بورسعيد، تغسل أمطاره كل شوارعها وأشجارها، ومهما بلغت شدة النوات، فبعد عشر دقائق، فقط، تُصرف مياه الأمطار عبر نظام صرف محكم، وكأن شيئا لم يكن، وتسطع الشمس، مرة أخرى، ليعود دفء الشتاء الرائع. وحتى عربات الحنطور، التي كانت وسيلة النقل الرئيسية، داخل المدينة، فقد كانت مجهزة، تماماً، لاستقبال الشتاء والأمطار، وكنا ننزل في السابعة صباحاً، أنا ووالدتي وإخوتي، لنستقل الحنطور إلى مدارسنا، فكنا نعدها واحدة من أجمل فسحنا، فلقد كان كل سائق يزين عربة الحنطور، والحصان، بلمسات جمالية، يزهو بها صباحنا.

كان موسم الشتاء يعني بدء موسم كرة القدم، فتصطف مدينة بورسعيد وراء ناديها المصري، الذي تعشقه، لتؤازره في بطولة الدوري، الذي كان يضم، آنذاك، عشر أندية، فقط، لا يعطلها، أو يرجئ مباراتها، أي بطولات إقليمية، أو قارية … كانت المباريات تقام يومي الجمعة والأحد، وهو ما يعني توقف كامل للمدينة، حيث تبدأ المباريات في الثالثة ظهراً، مما يعني تواجدنا بإستاد النادي المصري، بدءاً من الثانية عشر ظهراً، لبدء التشجيع، الراقي، من مدرجات الدرجة الثالثة، بإنشاد أجمل أغاني السمسمية، التي تغنيها بورسعيد كلها. ومنذ سنوات قريبة، دعاني صديقي العزيز، كامل أبو علي، بعد توليه رئاسة النادي المصري، لحضور مباراة في بورسعيد، وجلست معه في المقصورة، إلا أنني لم استمتع بالمباراة، مثلما كنت استمتع بها في مدرجات الدرجة الثالثة، مع أغاني السمسمية، وأجمل الهتافات.

امتزجت، وذابت، في بورسعيد، عدد من الثقافات، التي شكلت طبيعتها، وصورتها الخاصة، حتى تأميم القناة، وحرب السويس، عام ٥٦، التي دفعت معظم هذه الطوائف، للهجرة من بورسعيد، إلى موطنها الأصلي، ولكن بعد أن تركت الكثير من بصماتها في شكل الأبنية، وفي عدد المدارس الأجنبية، ودور السينما والموسيقى. وحتى اليوم، عندما أزور بورسعيد، وأتجول بين شوارعها، ومبانيها، واستنشق نسمات هواء بحرها العليل، أقول لنفسي “ألا ليت الطفولة تعود يوما”، كما كانت، وليست طفولة هذه الأيام، القائمة على “النت”، “والواي فاي”، اللذان أدا إلى الصمت الأسري!

Email: [email protected]

اترك تعليق