عاطف عبدالغنى رئيس بوابة دار المعارف الصحفية

ليس بعد المعصوم عليه الصلاة والسلام أحد من البشر معصومًا من الخطأ، والزلل، والنسيان، والجهل، لا كبير ولا صغير، لا حاكم ولا محكوم، لا أمير ولا غفير.

 وتخبرنا المرويات عن مجتمع الصحابة الأجلاء وأئمة المسلمين، وفقهائهم المجتهدين، أن ما من أحد منهم إلا أخطأ وأصاب، ليس فقط فى أمور المسلمين العامة، ولكن أيضا فى أحكام الشريعة، وفى هذا يقول أهل العلم والحكمة: «لو كان الخطأ فى معرفة حُكم الله، أو الخطأ المؤدى للعمل بغير حُكم الله مُخرجًا للمسلم عن الإسلام مهما صحت نية هذا الشخص إلى معرفة الله واتباعه، لما وجد دون المعصوم عليه الصلاة والسلام، مسلم على الإطلاق».

وهناك أصول ثلاثة مجمع عليها ويتم مراعاتها حين الحكم على أفعال المسلمين وهذه الأصول هى: « الجهل والخطأ والإكراه أو الاضطرار»، وإذا جلس القاضى مجلس الحُكم من مسلمًا عليه أن يراعيها بحقها، ويُعمل آثارها عليه، حتى ولو لم يدافع بها الأخير عن نفسه.

 وعلى الأساس السابق يقرر أهل الحل والعقد فساد وبطلان قول القائل: إن من غابت عنه الأوامر وجهل الشرائع فإنه يكون فاسد العقيدة كافرًا ليس بمسلم».

(1)

هذه ليست مقالة فى تزيين العصيان، والعياذ بالله، ولكن محاولة لاستجلاء رحمة الله بالبشر، وقد جبلهم (خلقهم وفطرهم) سبحانه، وهو أعلم بضعفهم، وأرحم بهم فى أوامره ونواهيه، حتى من أنفسهم، وأعذر لهم وأحنّ عليهم من أئمة الكفر، ومفتيى الإرهاب والترويع.

هذا هو دستور المشرّع الأعظم ويصح أن يكون وجها من وجوه «الحاكمية» التى يحتج بها المودودى وقطب فى الحكم بالكفران والإخراج من الملة، وإذا رأيت أن ما سبق يندرج فى أحاديث القلوب والضمائر فتعال نعود لحديث العقل والشرع.

(2)

فى إطار سعى الجماعات والحركات السياسية الجهادية المنسوبة للإسلام، للاستيلاء على السلطة، والترويج الزائف لخلق مجتمع الأطهار والمتوضئين، كما رسموه فى مخيلة أتباعهم الموهومين (كان حسن البنا يردد أن جماعة «الإخوان» تسعى للسلطة ليس لتَحكم بالقرآن ولكن لتُحكم بالقرآن)، وإدراكًا منهم أنهم لن يستطيعوا أبدًا الوصول إلى غايتهم عبر النهج السلمى، وأنهم حتمًا لابد أن يلجأوا للقتال والعنف، كان لابد أن يؤسسوا لمنظومة حدية مطلقة، يقف فيها فسطاط الإيمان ومجتمع الأطهار والمتوضئين (مجتمعهم) مقابل عدوهم الذى يناوئ مشروعهم، وعينوا هذا العدو أولاً فى السلطة الحاكمة، وكل من يمثلها، أو يتبعها من مؤسسات وأشخاص وأفكار، بعد أن أسقطوا شرعيتها دينيا، وقد أفتوا أنها لا تتسق مع مفهوم «الحاكمية».

ووضع منظرو الجهاديين الرؤساء والزعماء والملوك الحكام على رأس المنظومة المنذورة بالحرب المقدسة والجهاد.

أما أدوات وآليات السلطة فأطلقوا عليها وصف «الطوائف الممتنعة» وأدرجوا فى هذه الطوائف رجال الجيش، والشرطة، والقضاة، والمتنفذين من رجال الحكومة، واتهموهم بالردة، حيث تقول أدبياتهم التكفيرية: «الطوائف الممتنعة فى عصرنا من الشرطة والجيوش هى طوائف ردة بالإجماع»، وبحكم الشرع والعقل والبديهة فهذا الإجماع لا وجود له إلا فى عقول هؤلاء الإرهابيين، ومن ينظّر لهم.

وتنسحب مغالطتهم حتى على ضحاياهم المدنيين فى عملياتهم الموجهة ضد الجيش والشرطة، وهم غير مدرجين فى «الطائفة الممتنعة»، وإذا سألهم سائل: ما ذنب هؤلاء ؟!.. وما حكمهم لديكم فيقولون: «من قتل من هؤلاء لإكراهه أو جهله وتأويله أو جهله بالتحذير ونحو ذلك، فهو شهيد كما يقول شيخ الإسلام»، يقصدون ابن تيمية.

(3)

هذه تسويغاتهم التى بنوها على مغالطات ألبسوها رداء الشريعة استنادًا إلى تأويلات لفتاوى ابن تيمية كان قد أفتى بها فى سياق تاريخى مخالف ارتبط بهجوم التتار وتقلبات المجال الإسلامى ونوازل خاصة لها حيثياتها كما يقول الكاتب الجزائرى محمد سويلمى فى بحثه «مفهوم التوحيد وإبدالاته فى خطاب الإسلام السياسى».

ويؤكد سويلمى أن كل المسلمين الذين لا يشاركون حركات الإسلام السياسى الجهادية فى مشروعها، أطاحوا بهم خارج مملكة التوحيد، وأصبحوا موضوع تكفير.

 ويستحضر الكاتب مثلاً من بلاده الجزائر وفيه أن الجماعة المسلمة الإسلامية بالجزائر أعادت تعريف الكافر وجعلت كل أفراد المجتمع أعداء يستحقون القتل ليرتفع عدد المدنيين القتلى فى عملياتهم الجهادية 4 أضعاف خلال الأعوام من 1992 إلى 1997 بعد فتوى زعيمها الزوايرى التى ترافقت معها فتاوى لآخرين تشرّع لقتل المدنيين بحجة: «المسئولية الشخصية والفردية فى الديمقراطية».

(4)

أما القرضاوى الذى يجلس فى حجر النظام القطرى، منذ سنوات طويلة، ويشرّع له فتاوى مفصلة على مقاس أطماعه، ويفعل هذا بجد يحسبه المغفل حق، وهو عين الباطل، وقد نذر علمه ونفسه لهذا الباطل منذ أن ذاق عسل آل حمد فأقنع نفسه أنهم ساعون إلى إقامة دولة الخلافة، ولا ضير إن قامت تحت ظل وراية أمريكا، أو على جثث البلاد والعباد من المسلمين، عربًا أو عجمًا، فقد شرع مفتى الخراب لإسقاط الدول فى إحدى فتاويه فقال: «وهناك جهاد آخر واجب فى هذا العصر لا يختلف فيه اثنان من أهل العلم وهو: جهاد التغيير للأنظمة الكافرة كفرًا بواحا التى تحكم بعض بلاد المسلمين».

يا ترى يا شيخ قرضاوى حكام قطر من هذا النوع الذى تعنيه أم هم خارج الحسبة .. أم تراهم هم الحسبة ذاتها؟!..

.. وللحديث بقية

اترك تعليق