عاطف عبدالغنى رئيس بوابة دار المعارف الصحفية

على عشب المستطيل الأخضر لملعب كرة القدم باض إبليس بيضة كروية من جلد، وألقى بها ليهرول خلفها 22 لاعبًا مقسمين على فريقين، كل يتنافس على إحرازها فى مرمى الآخر، بينما عشرات الآلاف فى المدرجات والملايين خارجها يتابعون المباراة بشغف، تجاوز التسلية إلى الحب.. والحب إلى الافتنان، حتى وقع الناس فى شراكها، وأصبحت كرة القدم مقياسًا لـ «الولاء والبراء» بدل المقياس القرآنى وهو «الإيمان».

ما سبق ليس كلامى ولكنه تهويمات نفر – للأسف – محسوبين على الإسلام هذه الأيام، ويتداولون مثل هذا على مواقع، ومنتديات «شبكة الإنترنت» على أنها نقاشات فى الدين، والعقيدة.

 و يمضون يدللون على صدق قولهم عن «الولاء والبراء وبيضة إبليس» التى سلبت إيمان المسلمين بالآتى:

«ويتضح ذلك من مظهرين، الأول: الانتماءات الفرقية والتعصبات الندية، فبدلا من صحبة المسلم لأجل إسلامه، نحبه لأنه من جمهور فريقنا (الولاء) ونبغض جمهور الفريق الآخر (البراء)، والمظهر الثانى أن الأندية الرياضية المهتمة بتلك اللعبة الفاتنة تستعين فى أغلب الأحيان بلاعبين محترفين أجانب، وعندما يبدع هذا الأجنبى (الكافر) مع فريقه الجديد تجد له قاعدة عريضة من المحبة والولاء فى قلوب جمهور الفريق، والتى قد تصل فى بعض الأحيان إلى البحث عن لباس ذلك (الكافر)، وتقليده فى قصة شعره، وطريقة لعبه بل ويصل الأمر حينما يقوم (بكسر) أو إعاقة لاعب من الفريق المنافس، ولو كان هذا اللاعب (المكسور) مسلمًا مواطنًا، والعكس فالغضب والويل على هذا المسلم إن قام بكسر هذا النجم الكافر (!!)

«بيضة إبليس» ليست نموذجا للتنطع، ولكنها إمعان مقصود لإسقاط مصطلحى «الولاء والبراء» على كل النشاطات الحياتية لمفارقة المجتمعات الحديثة وهجرتها، وخلق نماذج المجتمع المسلم المتخيل، وإمعانا من التكفيريين فى تحميل المصطلح بمعانى ودلالات ومفاهيم مقصودة، تلك المفاهيم التى عمقت – للأسف – الشرخ الاجتماعى والسياسى الذى أصاب مجتمع الأتباع الذين سعوا خلف التكفيريين فى حرب السلطة والشرعية.

(1)

وقبل أن نمضى مع المصطلح، فى محاولة لضبطه، لابد أن نشير إلى أنه مكوّن من كلمتين متضادتين، «الولاء، والبراء» لكنهما يتلازمان فى الاستخدام، لذا اعتبرناهما مصطلحا واحدا.

 وقد سبق استخدام المصطلح الإسلام، وتم توظيفه اجتماعيًا وسياسيًا، لا علاقة له بعقيدة الجاهلية، لكن بأعراف وثقافة البداوة والقبلية، فكان يعكس المصطلح مفاهيم الحلف والمولاة للقبيلة ورابطة الدم، وفى مقابل هذا التبرؤ من أعداء القبيلة أو الحلف.

ولما جاء الإسلام يحارب التعصب القبلى المقيت، ويخلق مجتمع الأمة الأرحب، كان من الطبيعى أن يتحول الولاء للعقيدة، ويكون المقابل التبرؤ من ضدها بمعنى، الولاء للإيمان والمحبة والنصرة لله ورسوله وللمؤمنين، والبراء من الكفر والشرك والعياذ بالله.

واستمرت المفاهيم السابقة عالقة فى الأذهان إلى أن طفت على سطح المجتمع الإسلامى جماعة الخوارج على أثر الصراع الذى قسّم المسلمين بين الخليفة الرابع علىّ ابن أبى طالب رضى الله عنه، ومعاوية ابن أبى سفيان، الذى نازعه الحكم، فيما انفصلت هذه الجماعة بنفسها، وانحرفت بأفكارها التى خلطت فيها الدينى بالسياسى، وكونت نسقًا معرفيا وأخلاقيا خاصًا بها سوف يصبر فيما بعد أساسًا للتشيع (!!)

واستدعى الخوارج مصطلح «الولاء والبراء» للاستخدام مجددا ، بعد أن حمّلوه بدلالات جديدة، أسقطوها على المعتقدات، والأشخاص، والأشياء، بصيغة حدية، بمعنى أنهم حكموا على المعتقدات والأشخاص والأشياء بالقبول أو الرفض، إما الولاء أو البراء، ولا ثالث بينهما، وجاء الشيعة فورثوا عنهم المصطلح، وصار من مقولاتهم الدارجة، وصنفوا على أساسه الخلفاء الراشدين الأربعة، وأسسوا مفهوم الإمامة، وجعلوا الإيمان بالإمام الشيعى ركنا من أركان الإيمان العامة فى الدنيا والدين فهو عند الشيعة ليس حاكما دنيويا ولكنه وارث للنبوة، بل هو أعلى مرتبة من الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وهكذا تشكل المفهوم السياسى للولاء الدينى عند الشيعة، وترسخ بصورة لا تقبل الشك أو النقد عندهم.

(2)

توظيف الشيعة للمصطلح بهذا الشكل، لفت انتباه فقهاء الإسلام الأوائل ومنهم أحمد بن حنبل الذى اعتبر ذلك بدعة لا صلة له بأساسيات الإسلام، فقال: «الولاية بدعة والبراءة بدعة، وهم يقولون (يقصد الشيعة) نتبرأ من فلان وهذا القول بدعة فاحذروه».

وفى وقت لاحق وبسبب الأحداث التى مرت بالأمة الإسلامية على عهد ابن تيمية فقد تم استدعاء المصطلح لدى أهل السُنّة للحفاظ على هوية المجتمع الإسلامى مقابل أعدائه من التتار، وأراد ابن تيمية أن يجعل منه أداة تحافظ على المسلمين بعيدًا عن الممارسات الدينية غير الإسلامية (البدع)، وأضاف له مرادفات كالموالاة والمودة والتبرؤ والمفاصلة.. إلخ.

وجاءت السلفية فى إصدارها الوهابى لتجعل من المصطلح أداة أيديولوجية محملة بمعانى الكراهية، والتكفير أكثر من الحب والموالاة، وتستوجب الهجر والمقاطعة والمحاربة كما يقول الكاتب عبد الرحمن النجدى فى كتابه: «الدرر السنية فى الأجوبة النجدية».

(3)

وفى التأويل السياسى لعقيدة الولاء والبراء تم تقسيم العالم إلى قسمين: دار الإسلام والإيمان مقابل دار الكفر والحرب، ومن ثم تقسيم البشر والمجتمعات إلى طائفتين، ومعسكرين، على طريقة من ليس معنا فهو علينا، أو الموالى للجماعة، والآخر الذى تتبرأ منه.     

وخطورة التقسيمات السابقة أنها نسفت أسس الاجتماع البشرى، واستبدلته بالإقصاء والعنف الذى أضفت عليه جماعات التكفريين صفة (الجهاد) فصار الأصل أن الجهاد هجوميًا، وليس دفاعيًا، ومعه يكون المسلم طول الوقت مطالبا بحمل السلاح، وقتال الخصوم، وقتلهم تقربة من الله كما يدعّون، متجاوزين فى ذلك كل دساتير وقيم الرحمة والسماحة والمروءة التى عرفها، وحض عليها الإسلام، وجعلها دستور للإيمان بالله، حتى فى الحروب، حين جاهد المسلمون الأوائل لإرساء عقيدة التوحيد فى الأرض، لم يعمدوا إلى إكراه أحد على اعتناق التوحيد بالقوة، البسيطة أو المفرطة.

(4)

.. فى كتابه «فى ظلال القرآن» يقصر سيد قطب الولاء على أنصار (الحاكمية) الذين يصفهم بالقول: «طلائع البعث الإسلامى التى تواجه الجاهلية الشاملة فى الأرض كلها، والتى تعانى الغربة فى هذه الجاهلية، والوحشة، كما تعانى الأذى والمطاردة والتعذيب والتنكيل»، الولاء لهؤلاء فقط الذين يؤمنون بأفكاره!!

وإذا كانت «بيضة إبليس» تخريجة لوذعية لإسقاط مفهوم الولاء والبراء على تسلية بريئة هى لعبة كرة القدم، فإن كلمات قطب عن مستحقى الولاء، لا تعدو أن تكون أكثر من عبارات بلاغية صادرة عن مؤلف مأزوم حمّل أوصافه بمعان مثيرة للشفقة، ومحرضة فى آن، ليستقبلها من شاركوه الإحساس بالاضطهاد والعذاب والقلق الوجودى، من الإخوان المسلمين، ليتحولوا معها إلى مجتمعات مارقة تفارق المجتمعات المسلمة بعقلها وجسدها، وتتحول إلى قنابل جاهزة للانفجار متى طلب منها هذا.

اترك تعليق