وثيقة

كتب: عمرو فاروق

في إطار تحقيق حلم “أستاذية العالم”، الذي وضعه حسن البنا، سعت جماعة الإخوان عبر تنظيمها الدولي إلى اختراق المجتمع الأوروبي والأمريكي، فوضعت عشرات الخطط قصيرة وطويلة المدى، لتوطين نفسها من خلال مؤسسات ومنتديات تدعي العمل المدني والحقوقي والإنساني.

وتكشف وثائق مسربة أخطر مشاريع الجماعة الإخوانية لتمكين مشروعها داخل المجمتعات الغربية، والسيطرة على مفاصلها الاقتصادية والسياسية، بهدف تغيير هويتها الاجتماعية والدينية وفقا لأدبيات حسن البنا وسيد قطب.

فخلال عام 2004، ضبطت السلطات الأمريكية، وثيقة إخوانية هامة تحت عنوان “مذكرة تفسيرية للهدف الاستراتيجى للجماعة فى أمريكا الشمالية”، كتبها بتاريخ 22 مايو1991، محمد أكرم، القيادي الإخواني، وأحد قيادات حركة حماس في الولايات المتحدة الأمريكية، وتم الإفراج عنها في نهاية عام 2017.

قدمت الوثيقة تصورا تفصيليا لخطة عمل الجماعة، في قارة أمريكا الشمالية؛ خصوصا الولايات المتحدة، وقد ركز هذا العمل على فكرتين أساسيتين؛ أولهما التوطين، وثانيهما تحويل عمل الجماعة من محاولات فردية إلى جهود مؤسسية.

الوثيقة

وتوضح الوثيقة المكونة من 14 صفحة، أن الهدف الاستراتيجي العام لجماعة الإخوان في أمريكا، والمعتمد من قبل مجلس الشورى والمؤتمر التنظيمي لعام 1987، هو تمكين الجماعة في أمريكا الشمالية، وإيجاد حركة إسلامية فعالة ومستقرة بقيادة الإخوان، تتبنى قضايا المسلمين محلياً وعالمياً، وتدعم الدولة الإسلامية العالمية أينما كانت.

الهدف الاستيراتيجى

وجهت الوثيقة الإخوانية، ومشروعها المطروح إلى المسؤول العام للإخوان، وأمين مجلس شورى الجماعة، وأعضاء المجلس، كمحاولة لتفسير وشرح الخطة بعيدة المدى التي اعتمدها المجلس عام 1987، وتكشف المذكرة الهدف الإستراتيجى العام للجماعة في أمريكا الذي اعتمده مجلس شورى الإخوان وهو “تمكين الإخوان في أمريكا الشمالية، بإيجاد حركة إسلامية فعالة ومستقرة بقيادتهم، ودعم دولة إسلامية عالمية”.

وأشارت الوثيقة، إلى أنه لابد من أن تخطط الجماعة وتجاهد من أجل امتلاك مفاتيح وأدوات هذه عملية التمكين، لإنجاز المهمة العظيمة كمسؤولية “جهادية حضارية” تقع على عاتق الجماعة داخل المجمتعات الغربية.

التمكين

وحول فهم واستيعاب المراحل التاريخية للعمل التنظيمي للإخوان في أمريكا، في إطار علمية “التمكين”، شرحت الوثيقة ضرورة التوسع في انشاء المساجد والمراكز الإسلامية، وإنشاء المؤسسات الإسلامية والمدارس الإسلامية.

اعتبرت الوثيقة، أن عمل الإخوان في أمريكا ، بمثابة جهاد أعظم في محاولة تغيير هوية المجتمعات الغربية، التي وصفتها بأنها مجتمعات كافرة تعيش على أصول ومباديء الجاهلية، مشيرة إلى إلى أن نجاح الجماعة في أمريكا لن يكون إلا بإقامة قاعدة إسلامية ذات قوة وفعالية وإسناد لمشروع الحركة العالمية، والمساهمة في قيام الدولة الإسلامية العالمية.

وفى توضيح ما سبق جاء فى الوثيقة :”أداء واجبنا تجاه الحركة الإسلامية العالمية في دعم مشروعها في قيام الدولة الإسلامية العالمية لسببين؛ الأول: أن نجاح الحركة في أمريكا بإقامة قاعدة إسلامية ملتزمة وقوية سيكون خير عون ودعم لمشروع الحركة العالمية، والثاني: الحركة العالمية لم تنجح بعد في توزيع الأدوار في فروعها فتحدد لهم المطلوب منهم كأحد المشاركين أو المساهمين في مشروع قيام الدولة الإسلامية العالمية، ويوم أن يجري هذا فسيكون لأبناء فرع الإخوان الأمريكي أيادٍ ومواقف بيضاء يفخر بها الآباء”.

ونوهت الموثيقة إلى ضروة استيعاب المسلمين وكسبهم بكل فئاتهم في أمريكا وكندا لصالح مشروع التوطين، وجعله قضيتهم ومستقبلهم وأساس حياتهم الإسلامية”، موضحة “ليس لنا الخيار إلا التحالف والتفاهم مع من يرغب في ملتنا، ويرضى بمذهبنا في العمل، المهم نوصل الناس لمستوى التحدى الذي أمامنا كمسلمين في هذا البلد والإقناع بمشروعنا في التوطين”.

وعن تطبيق فكرة التوطين وفاعليتها بجدية، أشارت الوثيقة إلى ضرورة بناء مركز إسلامي: “المركز الذي نسعى له، يمثل محور حركتنا ومحيط دائرة عملنا، ونقطة ارتكازنا، وقاعدة انطلاقنا و(دار أرقمنا) لتربيتنا وإعدادنا وإنفاذ سرايانا بالإضافة إلى أنه محراب عبادتنا”.

وتستفيض الوثيقة في الشرح لمجلس شورى الجماعة عن أهمية العمل المؤسسي في أمريكا التي لا تحترم إلا المؤسسات، وقالت إنه من أجل أن تجرى عملية التوطين، لا بد من التخطيط والعمل على تهيئة وإعداد أنفسهم وإخوانهم وأجهزتهم وأقسامهم ولجانهم، لكى تتحول إلى مؤسسات شاملة بشكل متدرج ومتوازن ومتواكب مع الحاجة والواقع، مضيفة: “الذي يشجعنا على ذلك أننا نملك (أنوية) لكل مؤسسة من المؤسسات التي ننادي بوجودها، وكل الذى نحتاجه هو تنسيق عملهم وجمع عناصرهم وتوحيد جهودهم مع غيرهم، ثم نصلهم بالخطة الشاملة التي نسعى لها”.

نواة

وأشارت الوثيقة إلى أن لدى الجماعة نواة لمؤسسات إعلامية وفنية شاملة، مثل المطابع والمراكز السمعيات والبصريات ومكاتب الإخراج الفني وعدد من المجلات والصحف العربية والإنجليزية، مثل الأفاق والأمل والسياسي وإلى فلسطين والمقتطفات والزيتونة والراصد الفلسطيني ومجلة العلوم الاجتماعية وغيرها، إضافة إلى فرقة فنية وعدد من المصورين والمخرجين ومقدمي البرامج والمحررين، بالإضافة إلى خبرات إعلامية وفنية أخرى.

كما كشف الوثيقة، أن الجماعة لديها ما يمكن أن تطلق عليه “نواة لمؤسسة دعوية تربوية شاملة”، حيث أشارت:”عندنا قسم الدعوة الإسلامية في الأسنا، ومؤسسة الدكتور جمال بدوي والمركز الذي يديره الأخ حامد الغزالي ومركز الدعوة الذي تسعى له لجنة الدعوة والأخ شاكر السيد، بالإضافة إلى جهود دعوية أخرى، والمطلوب السعى لتهيئة الأجواء لتحقيق “الاندماج”، بحيث تكون الأقسام واللجان والمناطق والشُعب والأسر هي لب وجوهر المؤسسات”.

مؤسسات التمكين

أما مؤسسات التمكين لدى الإخوان في أمريكا فقد حددتها المذكرة في “قسم التنظيم والأمانة العامة”، و”قسم التربية” و”لجنة الدعوة”، و”قسم الأخوات”، ويقع على عاتق المؤسسة النسوية، و”قسم المال”، و”لجنة الاستثمار والوقف”، وتقع على عاتق المؤسسة الاقتصادية، و”لجنة التخطيط”، وتقع على عاتق مجلس شورى الحركة الإسلامية الأمريكية، والمكتب التنفيذى للحركة الإسلامية الأمريكية، والمسؤول العام رئيس الحركة الإسلامية والناطق الرسمي لها، أما المناطق والشعب والأسر فتقع تحت مسؤولية القيادات الميدانية للمؤسسات والمراكز الإسلامية.

أهم بند في مذكرة الإخوان التفسيرية يتمثل في إدراك أهمية النقلة المؤسساية في العمل التنظيمي والحركي للإخوان لتحقيق فكرة “أستاذة العالم”، والمؤسساية تشير إلى التبلور الاقتصادي والاجتماعي والإعلامي والمهني ، انتهاء بالجانب “العسكري”، ويعنى أن التنظيم الدولى في أمريكا سعى فعليا إلى إنشاء مؤسسة عسكرية إخوانية.

دور الإعلام

وطرحت الوثيقة أنه في إطار عملية التمكين والتوطين داخل المجتمع الأمريكي، ضرورة تأسيس محطة تليفزيونية خاصة، ومحطة إذاعية، إضافة إلى ضرورة الإتجاه إلى الدخول في شراكة اجتماعية مع بعض المؤسسات الدينية الأخرى كالجميعات المسيحية واليهودية.

وأشارت إلى أن هذه المؤسسات المختلفة الصغيرة تصلح نواة لمؤسسة دعوية تربوية شاملة، فضلا عن 18 لجنة وقسما يمكن أن تتحول إلى مؤسسات إخوانية كبيرة، ثم تلحق الوثيقة قائمة تضم 29 مؤسسة إسلامية في أمريكا تصفها بـ”مؤسساتنا ومؤسسات أصدقائنا”، مضيفة بين قوسين: “تخيل لو أن كلها تسير وفق خطة واحدة!”.

وكانت هذه الوثيقة أحد أهو وثائق الإدانة في قضية “مؤسسة الأرض المقدسة للإغاثة والتنمية” الشهيرة.

وتعود قصة “مؤسسة الأرض المقدسة للإغاثة والتنمية” إلى عام 1988، حين تأسست في مدينة ريتشاردسون بولاية تكساس الأمريكية، وخلال السنوات التالية توسعت وتضخمت لتصبح واحدة من أكبر المؤسسات الخيرية الإسلامية في الولايات المتحدة، وتركزت أنشطتها في تقديم المعونات للاجئين الفلسطينيين في الأردن ولبنان والمناطق الفلسطينية، كما وفرت دعماً لضحايا الكوارث والحروب في البوسنة وكوسوفو وتركيا والولايات المتحدة في فيضانات أيوا، وأعاصير تكساس، وتفجيرات مدينة أوكلاهوما.

وشارك في تأسيس المنظمة كل من شكري أبوبكر، شقيق ممثل حماس السابق في اليمن، وهو مديرها التنفيذي، ومحمد المزين، ابن عم القيادي في حماس موسى أبومرزوق، وكان رئيس مجلس إدارتها، وغسان العشي، زوج أخت أبومرزوق، وكان الرئيس السابق لمجلس أمنائها، ولكن فجأة قررت الحكومة الأمريكية إغلاق المؤسسة عام 2001، بعد اتهامها بدعم وتمويل حركة المقاومة الإسلامية “حماس” التي تصنفها الولايات المتحدة منذ عام 1995 على أنها منظمة إرهابية.

مراقبة وضبط

وكما تكشف لاحقا، فإن السلطات الأمريكية كانت تراقب أنشطة المؤسسة منذ عام 1996 وحتى سبتمبر2001، حين داهمت الشرطة مقر شركة إنفوكوم التى تدير الموقع الرسمي للمؤسسة، بزعم أنه كان يجمع الأموال ويجند أنصارا لحركة حماس.

وفي يوليو 2004، ألقت السلطات الاتحادية القبض على مؤسسى “الأرض المقدسة”، وبدأت محاكمة المتهمين يوم 23 يوليو2007، وفي 2008 وجهت هيئة المحلفين الاتهام لـ5 من مسؤولي المؤسسة السابقين، وهم أبوبكر والعشي والمزين ومفيد عبدالقادر وعبدالرحمن عودة، وتتركز جميعها حول التآمر بتمويل ودعم منظمة إرهابية، وفي 27 مايو2009 أصدرت محكمة أمريكية في ولاية تكساس حكمها بسجن المتهمين الخمسة بمدد تتراوح بين 15 و65 عاماً.

 

اترك تعليق