سمير-فرج

سلاح جديد، انضم للخدمة العسكرية، منذ عدة سنوات، ليتصدر، الآن، عناوين الأخبار التي تغطي أكثر المناطق اشتعالاً في أنحاء العالم، وهو الطائرة المسيرة بدون طيار “Drone”.

وترجع قصة هذه الطائرة، إلى عدة سنوات مضت، عندما قدمتها أحد سلاسل محلات لعب الأطفال، الشهيرة، في الولايات المتحدة، كطائرة صغيرة، تطير على ارتفاعات بسيطة للغاية، يقوم الطفل بتوجيهها من على الأرض، لتستخدم في المناطق المفتوحة مثل الشواطئ، ومناطق المخيمات في الجبال. لم يتعد وزن هذه اللعبة الصغيرة، عدة كيلو جرامات، وكانت مزودة بموتور صغير يعمل بالبنزين، ولا يتخطى وقت طيرانها مدة العشر دقائق.

وفجأة تنبه الباحثون، في العلوم العسكرية، لإمكانية استغلال هذه الفكرة، في مجال عملهم، بزيادة حجم الطائرة، قليلاً، وبالتالي زيادة كمية الوقود، لتنطلق إلى مسافات أطول … في البداية، صممت لتكون أهداف متحركة، لتدريب المدفعية المضادة للطائرات، حتى ظهرت فكرة استخدامها، بعد سقوط طائرة التجسس الأمريكية، عام 1960، فوق روسيا، ومشكلة الصواريخ الكوبية، عام 1962، كطائرة استطلاع، مزودة بكاميرا، لتصوير المواقع المعادية، والعودة إلى مكان الاطلاق.

عكفت الصناعات العسكرية، حول العالم، على تطوير استخدام هذه الطائرة المسيرة بدون طيار، سواء بزيادة مدى استخدامها، أو رفع كفاءة الكاميرا المثبتة عليها، ليصبح لها القدرة على التصوير الليلي، وتطور الأمر بتمكين هذه الطائرة، أثناء تحليقها، من إرسال صور الأهداف المعادية، في الحال، أثناء تنفيذ المهمة، إلى المحطة الأرضية التي اطلقتها، ولم يقتصر التطوير على ذلك، فحسب، بل أصبح لديها القدرة على اكتشاف الحقول الرادارية المعادية، وأماكن إرسال مراكز القيادة.

كل ذلك بطائرة صغيرة الحجم، تضاهي في حجمها أحد الطيور الكبيرة، فيصعب كشفها بواسطة الرادارات، كما أن تكلفتها قليلة نسبياً، لا تتعدى بضع آلاف الدولارات، في مقابل تكلفة طائرات الاستطلاع المقاتلة، التي تتخطى تكلفتها مئات الملايين من الدولارات، لتقوم بتنفيذ نفس المهمة الاستطلاعية. ولا يتوقف الأمر على حجم الخسائر المادية الهائلة، الناتجة عن سقوط طائرة واحدة من طائرات الاستطلاع التقليدية، ولكن الخسارة البشرية المتمثلة في الطيار المقاتل كانت من أهم العناصر التي يصعب تقديرها، عند حساب حجم الخسائر، التي يتكبدها أي جيش، أو قوة عسكرية، عن سقوط طائرتها. ولكن مع استخدام الطائرات المسيرة بدون طيار، تلاشت الخسائر البشرية، ولعل أقرب مثال، ما حدث الشهر الماضي، عندما أسقط الإيرانيون الطائرة الأمريكية المسيرة بدون طيار، فوق منطقة مضيق هرمز، ورد الرئيس ترامب “أننا لم نفقد طياراً أمريكياً”.

وفي العشر سنوات الأخيرة، بدأ تطوير هذه الطائرات، لتولي مهمة جديدة، علاوة على الاستطلاع، والحصول على معلومات أرضية، أو معلومات عن الرادارات، والإرسال اللاسلكي، فتحولت إلى سلاح هجومي، من خلال تحميلها بمواد متفجرة، تقوم بإلقائها على الهدف المراد تدميره، فقد وصل مدى تلك الطائرات إلى 3300 كيلو متر، ووصلت قدرتها على الطيران المتواصل إلى 52 ساعة، وارتفعت حمولتها إلى ربع طن، فضلاً عن تزويدها بخاصية GPS، للوصول إلى أهدافها بدقة بالغة. بل وأصبح لهذه الطائرة مهام جديدة، مثل إدارة نيران المدفعية في العمق، ونشر مستودعات إعاقة إلكترونية للتشويش على الرادارات ومحطات الصواريخ، واستخدامها كمحطة أرصاد، ومحطة إنذار مبكر، وحقق هذا النوع الجديد من الطائرات ميزة جديدة، فأصبحت هذه الطائرة، قادرة على تدمير هدف، كان يستخدم ضده، من قبل، طائرة ثمنها 100 مليون دولار، يقودها طيار، أو أكثر، وكان احتمالات استهدافها، أكبر بكثير، من استهداف تلك الطائرة الجديدة، التي تشكل صعوبة كبيرة لاكتشافها بالرادارات الموجودة، حالياً. ومع التطور الحادث في طبيعة استخدام الطائرة من الاستطلاع والتجسس، إلى الهجوم، كان لابد من حدوث تطوير مقابل في مجال الرادارات الحربية، لاكتشاف هذه الأهداف الصغيرة.

ويبدو أن قدرة هذه الطائرة الصغيرة على التطور مستمرة، فبعد الانتقال من مرحلة الاستطلاع إلى الهجوم، ظهر، خلال الأسابيع الماضية، استخدام جديد لها؛ فعندما فشلت روسيا في تطوير صاروخ نووي جديد، متوسط المدى، وسقط هذا الصاروخ، خلال أحد التجارب، ظهرت الحاجة لقياس حجم الاشعاعات النووية التي تعرضت لها المنطقة، التي سقط بها الصاروخ، فتقرر، ولأول مرة، استخدام هذه الطائرات المسيرة بدون طيار، لقياس حجم الاشعاعات، بدلاً من استخدام الطائرات المقاتلة التقليدية، التي يقودها أحد الطيارين، والذي قد يتعرض هو نفسه لخطورة تلك الاشعاعات.

امتدت الاستفادة من تلك التكنولوجيا الجديدة، إلى القطاعات المدنية، فتم استخدام تلك الطائرات في مكافحة الحرائق، ومراقبة خطوط أنابيب البترول، وتصوير الاحتفالات، والمسابقات الرياضية، إلا أن الاستخدام العسكري هو الأوسع مدى. وتتفوق بعض الدول، حالياً، في هذه الصناعة، مثل الولايات المتحدة، وإسرائيل، وتركيا، وروسيا، والصين، وأخيراً، إيران، التي تقوم بتزويد الحوثيين في اليمن، بها، لمهاجمة أهداف داخل السعودية، وحزب الله في جنوب لبنان، في حين تمد بها تركيا الإرهابيين في طرابلس، لاستخدامها ضد الجيش الوطني الليبي.

ترتفع تكلفة التعامل مع هذه الطائرات، وصدها، ففي حيت يتكلف تصنيعها بضعة آلاف من الدولارات، إلا أن إسقاطها، حال رصدها، يلزمه صاروخ باترويت، يصل ثمنه إلى مليون دولار، وهو ما يضع العالم كله في تحدي، لتطوير الرادارات لاكتشاف هذه الطائرات المسيرة، ثم تطوير استخدام السلاح المناسب للتصدي لها.

ويبرز إلى السطح مشكلة غاية في الخطورة، وهي إمكانية استخدام هذا السلاح من قبل الجماعات الإرهابية، إذ يمكن تفكيكها ونقلها، ثم إعادة تركيبها بسهولة في مناطق التوتر، مما دفع الفكر العسكري لضرورة اكتشاف هذه الطائرة، قبل وصولها للهدف، ثم أسلوب تدميرها، بأقل التكاليف. هذا إلى جانب العمل على تطوير استخدام هذه الطائرة لتحقيق مزايا أكثر كانت تحققها الطائرات المقاتلة التقليدية، ولكن بتكلفة أقل ودون خسائر بشرية، ولعل أغرب التجارب هو ما تقوم به أحد الدول الأوروبية، من تدريب النسور للانقضاض على النوع صغير الحجم من هذه الطائرات.

واعتقد أن الأيام القادمة سوف تظهر لنا الكثير حول هذا السلاح الجديد، الطائرات المسيرة بدون طيار، من حيث تطوير امكانياتها وأسلوب التعامل والقضاء عليها.

اترك تعليق