عاطف عبدالغنى رئيس بوابة دار المعارف الصحفية

لغة القرآن، لغة ثرية، وألفاظه موحية وحية، بالدلالات والمعانى، ولعل هذا ما أغرى أئمة التكفير على أن يجتزئوا الألفاظ من سياقها العام، ويوظفوها فى سياقات أخرى مشحونة بدلالات ومعانى جديدة.

من تلك الألفاظ «الطاغوت» وأصله فى اللغة طغا يطغو، ويطغى، إذا جاوز الشىء الحد.

وفى قصة نوح عليه السلام ظلت السماء تمطر حتى طغى أى فاض وأغرق الماء الأرض فجاء فى القرآن: «إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ» (الحاقة 11)

و قال الجوهري في الصحاح: «الطَّاغُوتُ : الكاهن والشيطان وكل رأس في الضلال»، انظر: مختار الصحاح (ص/265).

وفى شرحه للفظ يقول ابن القيم: «كل ما جاوز به العبد حده من معبود، أو مطاع، أو متبع».. والمعبود الذى يقصده هو الأوثان والأصنام، والمتبوع هم السحرة والكهان، والمطاع هم الذين يحكمون بغير ما أنزل الله.

ولأن الخصومة شخصية بين التكفيريين، ونفر من الحكام المسلمين فقد أوقف التكفيريون وصف المطاع على الحكام المسلمين الذين أسقطوا عليهم وصف الطاغوت ومن ثم كفرّوهم، وكفرّوا من اتبعهم من الشعوب، فى حكم مطلق غير مقيد بقيود الشريعة.

(1)

يقول عز من قائل فى الآية (256) من سورة البقرة: « لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ.»

أقرأ الآية إن شئت من مقدمتها إلى عجزها، أو من عجزها إلى مقدمتها، واستوضح مراد الله منها فى سياقها ومقصدها وكلياتها.. الله سميع عليم، نعم، سبحانه هو الأعلم بالنوايا، والسر وما أخفى من أمور عباده.. لا إكراه فى الدين، نعم، وهو القائل سبحانه: « وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ صلى فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ» (الكهف 29)، لقد قدم الله الإيمان على الكفر كما قدم سبحانه، الرشد على الغى تقديم التفضيل للعبد.

وعندما نصل لقول الله تعالى: «فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى» نسأل: ما هى العروة الوثقى؟

.. اتفق أهل العلم على أنها «الثبات على الدين حتى الممات» ولا يكون هذا إلا بإقرار العبد بالتوحيد «لا إله إلا الله»، فهناك إذن علاقة عقيدية واضحة بين الكفر بالطاغوت، ومفهوم التوحيد كعقيدة كما جاء فى الآية، ويبقى أن نبحث عن معنى للفظ أو وصف «الطاغوت» فى سياق الآية لنفهم مقصدها دون لبس.

(2)

  .. نعم المسلم الحق يكفر بالطاغوت فلا يعبد صنمًا، ولا حجرًا، ولا شجرًا، ولا يتبع ساحرًا، ولا كاهنًا ولا يطيع طاغوتًا من طواغيت البشر يدعو إلى الكفر والإشراك.

وإذا سلمنا أن لفظ الطاغوت مصطلح شرعى، ولا يوصف به شخص «إلا أن يكون كافرا، أو مشركًا، فلابد أن نعين صفات الكافر قبل الحكم بكفره، واستحقاقه لوصف الطاغوت.

ولا يعد المسلم كافرا إلا أن يجاهر بالكفر، وأن يتبرأ من دين الإسلام جملة، وعلانية، بحيث لا يجوز الاختلاف فى حقيقة صفته، أما من يظهر الإسلام ويأتى علنا شعائره، ولكن يكون كفره من جهة تحتاج إلى علم ببعض أعماله وأقواله على حقيقتها، وعلى حقيقة أمر الله تعالى، فيها فهذا فى الأغلب مما تختلف فيه الآراء، ويخفى أمره على كثير خاصة العامة من الناس، فلا يتأتى القول بأن عامة الناس أو المتأولين فى شأنه قد خرجوا على الحكم الواجب وصفه به، وأنهم بذلك آثمون أو كافرون».

والكلام السابق بين الأقواس منقول من كتاب «دعاة لا قضاة» الذى يحمل غلافه اسم مرشد الإخوان الأسبق حسن الهضيبى فهل يحسب هذا الكلام على الهضيبى أم يحسب له؟!

والكلام يتعارض بوضوح مع ما ذهب إليه المودودى، وما جاء به سيد قطب من بعده، وقد أسقطا معنى اللفظ ومفهومه على مسلمين أقروا بالتوحيد، لكنهم أبدلوا المعانى، وخلطوا الدينى بالسياسى ليتهموا خصومهم – كما أسلفنا – من الحكام والسياسيين، ويحرضوا على قتالهم على اعتبار أن هذا نصرة لله وللدين، دون اعتبار لخطورة ما ذهبوا إليه.

(3)

وإذا كان تجديد الفقه واجبًا على أجيال المسلمين، هذا الأمر الذى نسميه تجديد الدين ليناسب العصور، والظروف، والملابسات، فهذا التجديد ليس معناه الترخيص بما ليس فى الشريعة، وليس أيضا معناه المغالاة والطغيان عن حدود الله، فهذا الشطط أيضا يوصف بأنه طاغوت.

والاجتهاد الفقهى دون التعامل المباشر مع النص القرآنى الذى تستمد منه الأحكام وتفهم المعانى وتحل المعضلات بالمقابلة والجمع بين مختلف الآيات، وكذا الصحيح الثابت من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم لمعرفة مراد الله وحكمه، لا يكون اجتهادا، ولكن افتئاتًا على الله.

(4)

وننتهى فى هذه السلسلة إلى القول بأن التكفيريين ومن سار وراءهم ممن التصق بهم اسم جماعات الإسلام السياسى، قد شحنوا مفاهيم التوحيد بحمولات أيدولوجية، ليردوا بها على خصومهم السياسيين فى الداخل، وعلى خصوماتهم مع أيدولوجيات الخارج كالشيوعية والليبرالية، فأفادوا الغرب وأضروا بالإسلام.

 والوحى لا يصح أن يتساوى، أو ندخله فى جدل، مع أفكار جان جاك روسو، أو كارل ماركس، فدستور الإسلام نزل من السماء، والمنافستو الشيوعى خرج من غرفة مظلمة عفنة بالرطوبة والأفكار البالية.

هذه الأفكار العفنة البالية هى التى اصطدم بها أمثال المودودى وقطب، فى جزء مبكر من حياتهم، فأثرت تأثيرا كبيرا على حركتهم فيما بعد، وعندما ارتدوا بعنف يبحثون عن الإسلام، وجدوا مجتمعات المسلمين فى أسوأ حالاتها، وقد سيطر عليها الاستعمار، وعاونه عملاء الداخل، وصدمهم الاستعلاء الحضارى الغربى، فراحوا يبحثون عما يردون به على هذا الاستعلاء والظلم.

 تحت وطأة هذه الظروف العامة إضافة على أزماتهم الشخصية تفجرت أسئلة الصحوة الإسلامية عند المودودى وقطب، لكنهم حولوا الإجابات إلى قنابل ورصاصات وجهوها إلى صدور أعدائهم، وفى بحثهم لاستعادة التجربة الإسلامية فى نقائها الأول، راحوا يعيدون اختراع التاريخ ويجتزئون منه ما يناسب توجهاتهم ويأوّلون النصوص ويفسرونها لتثوير الأمة على أساس دنيوى، وليس على أساس ديني، وجل همهم إنشاء إمبراطورية تحمل صفة الإسلامية، بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية التى قامت بالحرب وحد السيف تنتصر للعنصر التركى، ولم يسعوا إلى خلق الأمة الإسلامية التى وضع رسول الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم أساسها فى دستور المدينة.

اترك تعليق