عاطف عبد الغنى
أحد التعريفات السديدة لكلمة «سياسة» وممارستها فى جانبها العملى أنها: «فن تدبير الشأن العام، والسعى وراء مصلحة الأفراد والشعب».
.. والشعب ضلع فى مثلث الدولة الذى يكمله (المثلث) السلطة (الحكومة ومؤسسات الدولة) والأقليم أو الأرض، والضلع الأخير لا يتغير فى طبيعته، الذى يتغير الشعب والحكومة.. يتغيران فى ذاتهما، ويتغيران فى العلاقة بينهما.
والذى لا شك فيه أن السنوات الفائتة من العقدين الأخيرين على الأقل، تغير فيها لأسباب كثيرة المصريون (الشعب) فى ذاتهم وفى علاقاتهم بالسلطة.
(1)
ويمكننا العودة فى التاريخ لما قبل 25 يناير 2011، ورصد أسباب عديدة وخطيرة أدت إلى فقدان المصريين للثقة فى النظام الحاكم، لكننا سوف نتجاوز الإنصاف إذا لم نؤكد أنه كان هناك ثمة تدخلات خارجية ساهمت عمدًا فى التحريض ليس فقط ضد النظام الحاكم فى هذا الوقت، وتضخيم عيوبه وأخطائه، ولكن أيضا ضد الدولة/ الوطن، كفكرة وكيان وسلطة عليا حاكمة، وعمدت أيضا قوى الشر هذه إلى إفساد مفهوم المواطنة لدى المصريين، هذه الصفة التى تُمنح للمواطن ويتحدد بموجبها علاقته بالدولة فى حقوقه وواجباته.
وعند النقطة الأخيرة لابد أن نعترف بشجاعة أنه حدث – أيضا – خلال السنوات الفائتة اختلال كبير لدى جموع المصريين فى مسألة الحقوق والواجبات.
ومثال واحد كفيل بأن يوضح الاختلال الكبير فى حقوق وواجبات فئة من المواطنين بالحكومة، وبالفئات الأخرى فى المجتمع.
(2)
ودعونى أسألكم مقدمًا، هل الفئة التى تمتهن التدريس (أحرى بنا أن نقول التعليم) وبشكل عام، وحكم متجرد من الهوى، تؤدى واجباتها وتحصل على حقوقها، فى إطار الحقوق والواجبات العامة ؟!
وبصيغة المشاعر هل هذه الفئة ظالمة أم مظلومة؟!.. ألا ترى أن الإجابة صعبة؟! وإذا أردنا أن نسهلها على أنفسنا سوف نقول مثلاً إن المدرس ظالم ومظلوم فى نفس الوقت، ولفض هذا الاشتباك يمكننا أن نوضح الأسباب.
بداية المشكلة جاءت مع عدم قدرة الدولة، قبل سنوات، على توفير بيئة تعليمية جيدة، فصول مكدسة بالتلاميذ، ومناهج عقيمة لا تشجع الطالب على التفكير، وتحصيل العلم بالبحث الذاتى، ولكن بالحفظ والتلقين، وفى مقابل هذا عجزت الدولة عن دفع المقابل المادى المعقول للمدرس ليعيش به، وانخفضت به إلى درجة – للأسف – مذرية.
 هذه الظروف المتشابكة دفعت أطراف العملية كلها للبحث عن حلول لمشاكلهم، فذهب أولى الأمر للمدرس يطلبون منه أن يعوض أبناءهم عما لم يستطيعوا أن يتحصلوا عليه من تعليم فى المدرسة، وكانوا لابد أن يدفعوا للمدرس المقابل المادى، ووجد الأخير فى هذا المقابل شيئًا من التعويض عن الأجر الذى لم يحصل عليه من الدولة مقابل أداء وظيفته، وهكذا خرجت السلطة من العلاقة التعاقدية فى عملية التدريس وصارت مباشرة بين التلميذ أو الطالب والمدرس، وانتقل معها التدريس من الفصول والمدارس إلى البيوت ثم مراكز الدروس الخصوصية، وطبقا لسياسة العرض والطلب تغول المدرسون وأضلعوا الأهالى الذين جأروا بالشكوى، واحتارت الحكومة ماذا تفعل؟! وكيف تعيد العملية التعليمية إلى الفصول والمدارس؟! والغريب أنها عندما حاولت أن تفعل ذلك بقوة القانون، رفض الأهالى التخلى عن الدروس الخصوصية، قبل المدرسين لأن الخطأ ترسخ فى المجتمع، والحصول على الشهادة أصبح غاية فى حد ذاته، وليس التعلم، أو التعليم، وفسدت العملية التعليمة من القاعدة إلى القمة.
(3)
والطب مهنة أخرى، ومثال آخر يشبه الأول إلى حد كبير.. ويشتبك فيه الطبيب مع المدرس الذى يشتكى أنه يدفع 500 جنيه قيمة «الكشف» عند الطبيب، وهو نفس المدرس الذى يحصل مقابل حصة فى «الدرس الخصوصى» على عشرات الجنيهات، ويجمع فى الحصة «شلة» من الطلبة، وهو نفس المدرس الذى يذهب إلى الميكانيكى ليصلح له سيارته، فيسرقه الأخير إن لم يكن فى الصنعة ففى الأجر.. وهذا الميكانيكى يدفع للجزار زيادة فى سعر كيلو لحم يزيد على 30 جنيها.. وتدور كل فئات المجتمع فى هذه الدائرة التى لا تنتهى عند أحد أو حد، كل الفئات تظلم نفسها، قبل أن تظلم غيرها.
والنتيجة أن العلاقات الاجتماعية فسدت، على أثر فساد العلاقة أولا بين المواطن والدولة التى تقاعست عن أداء دورها تجاه ضبط هذه العلاقات، واكتفت بالتظاهر أنها تؤدى مهامها تجاه المواطن، وحقوقه، فتوفر له خدمات التعليم والصحة مجانًا، لكن منقوصة بدرجة كبيرة، فيفسد التعليم وتفسد الصحة، ويدفع المواطن أثمانًا باهظة فى الحصول على تعليم وتطبيب خارج مؤسسات الدولة، وتذهب الأموال إلى جيوب لصوص المجتمع الذين اتفقوا ضمنيًا على أن تنتقل الأموال الحرام بين جيوبهم فى آلية تراضوا عنها، ثم راحوا جميعهم يشتكون أنهم لا يحصلون على حقوقهم من الدولة.
(4)
.. صحيح لم تكن الدولة بريئة فيما مضى، لا هى ولا المواطن، لكن كلاهما الآن (الدولة والمواطن) يطمحان بجد فى إصلاح العلاقة، لذلك ترى فى وحدات المرور التابعة لوزارة الداخلية مثلا يافطة كبيرة معلقة على الجدران تحذر المواطن من دفع الرشوة، لكن مع الزحام الكبير وعدم التنظيم، وقرف الموظف مقدم الخدمة للمواطن، وزهقه لأنه مضطر لأن يشرح لكل من يقف أمامه فى الشباك ما يجب عليه أن يفعله لتجديد الرخصة، أو نقل الملكية، أو الحصول على لوحة معدنية لسيارته.. أو غير ذلك من خدمات بسيطة تتعقد مع الروتين والزحام.. نعم لم يعد المواطن يدفع رشوة فى وحدة المرور لكن البعض لديه استعداد أن يفعل لو وجد من يسهل له إنجاز الخدمة ويوفر عليه الوقت، سوف يمنحه «إكرامية» وتعود مع الوقت رشوة.. ونعود نسأل ما الحل؟!
الحل أن يتم التنظيم بشكل جيد، وتعود الميكنة وإصلاح «السيستم» الذى سقط فى وحدات المرور التى بدأت نموذجية.
الحل أن يعرف المواطن لماذا يدفع 55 جنيها فى حافظة بلاستيك لـ «دوسية السيارة» وهو لا يزيد سعره فى الحقيقة بالمكسب عن 5 جنيهات.. ويعرف المواطن لماذا يدفع لشركات التأمين على السيارة ما يدفعه، وما هى حقوقه فى المقابل لدى هذه الشركات التى تكسب الملايين كل عام، وتغدق على موظفيها مرتبات تبلغ أحيانًا أضعاف ما يحصل عليها موظف إدارة المرور الذى يعمل فى الشباك المجاور.. وهذا التفاوت فى الأجور هو أيضا مثال آخر على خلل فى العدالة الاجتماعية.
لقد تحدث الرئيس عبد الفتاح السيسى عن حاجتنا لإعادة النظر فى مسألة العدالة الاجتماعية.. رأيته بعينى وسمعته بأذنى فى المؤتمر الأخير للشباب وسعدت جدًا بما قاله، وأحسب أن الرئيس يداوى أمورًا صعبة وعصية للغاية، بحكمة بالغة، يعالج ويتحاشى الانهيار، وسياسته للأمور تستحضر فى ذهنى حكمة شعبية تقول: «آخر الدواء الكى».

اترك تعليق