نادية صبره
يوم الثالث من أكتوبر الجاري أعلنت الاستخبارات الإيرانية إحباط محاولة لاغتيال اللواء “قاسم سليماني” قائد قوة القدس التابعة للحرس الثوري الإيراني.. وقال رئيس منظمة استخبارات الحرس الثوري (حسين طائب):- إن أجهزة عبرية عربية كانت قد خططت لإغتيال قائد فيلق القدس لكن تم إفشال هذا المخطط واعتقال خلية الاغتيال من قبل منظمة استخبارات الحرس!!
ولا أعرف لماذا وصفها بأنها أجهزة عبرية عربية ولم يقل أنها مؤامرة كونية لإغتيال القائد المغوار؟
ولماذا لم يتم الإفصاح عن أسماء الخلية التي تم ضبطها أو عددهم أو كيف كانت ستقوم بتصفية اللواء سليماني؟
اللافت والمثير أنه قبل هذا الإعلان بيومين فقط تم بث أول مقابلة تليفزيونية مع اللواء “قاسم سليماني” أجراها مع مكتب حفظ ونشر مؤلفات المرشد الأعلى (علي خامنئي) ونشرتها الوكالة الإيرانية الرسمية وقناة المنار التابعة لحزب الله طبعاً.
تحدث فيها عن أسرار حرب تموز (يوليو 2006) وأشار إلى مدى قوة حزب الله وأنه السند الوحيد للبنان وأنه يواجه عدو لا يمكن التصالح معه لذلك فهو جاهز دائماً من الناحية الدفاعية.. وأن اجتثاث حزب الله والطائفة الشيعية من جنوب لبنان كان من أهم أهداف الحرب، كما اتهم دول الخليج ومصر بدعم إسرائيل في هذه الحرب!
سليماني خلال المقابلة كان يتحدث بلغة هادئة ونظرات حادة ويتمتم بآيات قرآنية ويمسك بمسبحة في يده… وكلها إيحاءات لإضفاء هالة البطولة عليه وبالرغم من ذلك لا تستطيع أن تشعر أنك أمام قائد عسكري مُحنك كما يحاولون أن يصدّره، وإنما تشعر أنك أمام رجل ميلشيا قوي وعقلية شيطانية لا يُستهان بها.
الإعلان عن محاولة الاغتيال المزعومة ومحاولات تلميع اسم “قاسم سليماني” وإخراجه من السرية إلى الحوارات التليفزيونية رغم حرصه على تجنب الأضواء على مدى عشرين عاماً وتصويره بشخصية البطل يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن إيران بدءت تهيئته لتولي دوراً قيادياً أكبر في الفترة القادمة ووضعه في صدارة المشهد فربما يكون خليفة للرئيس حسن روحاني أو نائباً للمرشد.
وخدمات سليماني وتفانيه في دعم مخططات إيران التوسعية في المنطقة آن لها أن تُتوج في الحصول على موقع قيادي بارز، فحتى فترة زمنية قريبة لم تكن هناك أصلاً صوراً متداولة للجنرال العجوز أو الشهيد الحي كما يلقبه المرشد خامنئي ولا أعرف من أين يأتوا بهذه المسميات الغريبة؟!
لاشك أن الحرس الثوري هو الذي يقود استراتيجية إيران والعمق الاستراتيجي من أوجب الواجبات كما يقولون والعمق الاستراتيجي يعني التواجد الإيراني في الدول الأربعة التي يريد النظام الإيراني الاستمرار بها وهي العراق وسوريا ولبنان واليمن، و”قاسم سليماني” هو مهندس هذا العمق الاستراتيجي وصاحب أكبر شعبية بين الموالين للنظام داخل إيران، والحديث عن توسيع مهامه يتوائم مع ما تمر به الساحة السياسية الآن من ضغوط وعقوبات على إيران للحد من أنشطتها الإرهابية.
 ولذلك فإن المرشد علي خامنئي بات واضحاً أنه ينظر إلى الساحة على أنها ساحة صراع وأنه من المتوقع في أي لحظة أن يعلن عن تخلي إيران عن كل التزاماتها النووية وأن يضرب بالاتفاق النووي عرض الحائط وفي هذه الحالة هو لا يضمن عواقب هذا القرار، فربما يؤدي إلى تلقي ضربات عسكرية يريد أن يكون مستعداً لها وهو يتكأ في هذه الحالة على رجل إيران القوي، الجنرال سليماني الذي عمل طيلة خمسة عشر عاماً لإعادة تشكيل الشرق الأوسط بما يخدم المصالح الإيرانية.
ولديه ارتباطات وثيقة بكل الميلشيا الموالية لإيران في المنطقة وتؤتمر بأوامره… فهو الذي تولى تدريب عناصر حزب الله في لبنان وميلشيا الحشد الشعبي في العراق والحوثيين في اليمن وأشرف على المليشيات المقاتلة في سوريا.
وقام بتصفية الخصوم والمنتقدين لإيران في أي مكان ويردد البعض بأنه هو الحاكم الفعلي للعراق! وأن الطائرات المسيرة التي يتم بها استهداف مناطق في العمق السعودي هي مسيرات سليماني وليست مسيرات الحوثيين…
الحقيقة أن الحديث عن “قاسم سليماني” وميليشياته وجرائمه يطول ولكني فقط أود أن أقول له إن ميليشيا حزب الله التي يتباهى بقوتها وجاهزيتها يوماً ما ستنقضي هي وكل الميليشيات الأخرى لأنه لا يمكن لهذه العصابات المسلحة أن تستمر وتعربد مهما ظنت أنها مسيطرة وأنها تمتلك من الأدوات ما يبقيها للأبد.
ولست مستغربة ما قامت به حركة حماس التي بات ارتباطها بإيران وثيق ومعلن وبالتالي ارتضت لنفسها أن تقوم بدور “الكومبارس” في مسرحية البطل سليماني وسارعت بإصدار بيان أدانت فيه محاولة اغتيال قائد فيلق القدس وأن محاولات اغتياله لا تخدم إلا المشروع الصهيوني وتهدف إلى إثارة الخلافات والقلاقل التي تضعف قدرة الأمة على مواجهة التحديات.
ومن الواضح أن قادة حماس يجيدون التلاعب بالألفاظ والشعارات التي يحاولون بها خداع أنفسهم قبل خداع الآخرين وأن يبالغوا في الزيف والتملق والمزايدة.
إيران تحدثت عن محاولة اغتيال وهم يتحدثون عن محاولات، وأن هذه المحاولات هدفها أضعاف الأمة العربية وهم يعلمون جيداً أن “سليماني” وميليشياته التي تحاول أن تنتشر في الجسد العربي كالخلايا السرطانية هي أكبر تحدي يواجه الأمة ويضعف مقاومتها…
وكنت أتمنى أن تختار الاستخبارات الإيرانية طريقة أخرى يقتنع بها العقل والمنطق بدلاً من هذه المسرحية الساذجة التي ذكرتني بحادثة الإرهاب الوحيدة المزيفة أيضاً التي وقعت في إيران منذ عدة سنوات عندما لاحظ العالم بأكمله أن إيران هي الدولة الوحيدة التي لا تطولها يد الإرهاب!
بالطبع إسرائيل كانت ومازالت وستظل هي العدو الأول للأمة العربية ولكن ما يجب أن نعيه جيداً هو أن إيران وميليشياتها لا تقل خطورة أبداً عن إسرائيل وأطماعها في المنطقة  العربية.

اترك تعليق