كتب: على طه

السفير الأسبق محمد حجازى

تستضيف مصر اليوم الثلاثاء الثامن من أكتوبر الجارى، القمة السابعة المصرية القبرصية اليونانية، التى يترأسها الرئيس عبد الفتاح السيسى، ويشارك فيها الرئيس القبرصى، نيكوس اناستاسيادس، ورئيس الوزراء اليونانى، كيرياكوس ميتسوتاكيس.
وكان الرئيس القبرصى قد استقبل الفريق أول محمد أحمد زكى وزير الدفاع المصرى، فى شهر سبتمبر الماضى، وأجرى مباحثات لتوطيد العلاقة بين البلدين فى مجال الدفاع والأمن وتم تحديد موعد القمة فى هذه الجلسة.
وهذه القمة السابعة بين رؤساء الدول الثلاث وكانت القمة الأولى فى القاهرة فى نوفمبر 2014، بينما عقدت القمة السادسة والأخيرة فى جزيرة كريت اليونانية فى أكتوبر 2018.
وتدرس هذه القمة التعاون الثنائى والثلاثى والذى يسعى لتعزيز علاقات التعاون التنموى والتعاون فى مجال الطاقة كذلك التعاون الدفاعى والأمنى والمناورات المشتركة والعلاقات الحقيقة بين مصر وقبرص واليونان، بفضل دعوة مصر لإنشاء منتدى غاز المتوسط.
وقد اكتسبت هذه الآلية بعدًا وعمقًا استراتيجيًا فباتت المعبرة عن الروابط التاريخية والثقافية والتعايش الحضارى والتراثى والشعبى بين مصر وقبرص واليونان، كما أتاحت هذه الآلية الثلاثية الفرصة لدراسة سبل التوسع والتطور التدريجي، ومع إطلاق منتدى غاز المتوسط صار أول منتدى للطاقة فى البحر المتوسط بأكمله وليس فى الجزء الشرقى فحسب، وبالتالى خلق أُفقا جديدا وسوق متكاملة للغاز فى الشرق المتوسط كانت أحد أهداف مصر لدعوتها لإنشاء هذا المنتدى، وهى عملية تسعى لإنشاء سوق متكامل للغاز فى البحر المتوسط، وبكل تأكيد هي عملية ممتدة ودقيقة ومركبة كما وصفها وزير الطاقة اليونانى، الذى أكد أن هذا المنتدى، وأن هذا السوق المتكامل للغاز يعد إنجازًا يستحق الكفاح من أجله، حيث يحدد المنتدى عملية التوفيق بين المصالح المختلفة لدول الإقليم، بشكل تتحقق فيه المصالح العامة والخاصة لكل دولة، ودون السعى لفرض إرادات وإستغلال ثروات بل تحقيق المصالح والفوائد المشتركة لكل الأطراف.
ومن الخيارات المتاحة لإستغلال ثروات المنطقة، بحث المنتدى حتى الآن لفكرة ربط خط أنابيب الغاز من قبرص، إلى محطات الإسالة فى مصر بإدفو، وبالتالى نقل الغاز المسال لليونان، ومن اليونان إلى أوروبا عبر منظومة الغاز اليونانية.
ومن الخيارات الأخرى إنشاء خط أنابيب شرق المتوسط لربط إحتياطيات الغاز عبر اليونان للسوق الإيطالية.
وحقيقة أن التعاون المصرى اليونانى فى مجال النفط وكذلك قبرص، معروف حيث تعمل العديد من شركات تلك الدول فى تجارة النفط الخام المصرى وتشارك بفاعلية فى قطاع النفط والغاز المزدهر وبات اليونان وقبرص مركزًا هامًا لنقل وتداول الطاقة يعمل بين دول الاتحاد الأوروبى ودول الانتاج والإسالة في الشرق المتوسط.
وبالتالى يمكن رصد العديد من الأهداف التى تتواخها مصر والدول الثلاث من خلال آلية التعاون الثلاثي التى تعقد اجتماعتها للدورة السابعة على التوالى بتناوب بين الدول الثلاث، ومعنى استمرار إنعقاد هذه القمة الثلاثية للعام السابع على التوالى، هو أنها حققت أهدافها، وأنها ذات طابع عام استراتيجي، وأن الأطراف الثلاثة حريصون كل الحرص على استمرار هذه الآلية من أجل تحقيق العديد من الأهداف التى أرى أن من أهمها أنها آلية تستهدف تحقيق أمن واستقرار البحر المتوسط.
كما أنها دافع إلى تعزيز التعاون الثلاثى خاصة فى المجال التنموى والإقتصادى وفى مجالات الطاقة بالإضافة إلى أنها إطار هام جدًا كما ذكرت لا يحقق الأمن والاستقرار فقط، ولكن يتيح للدول الثلاث تبادل الرأى بشأن القضايا المطروحة على الساحة سواء كانت قضايا تتعلق بالمنطقة العربية مثل سوريا وليبيا واليمن أو القضية الأم وهى القضية الفلسطينية أو ما يتعلق بقضايا منطقة المتوسط والهجرة غير الشرعية ومكافحة الإرهاب إضافة إلى القضية القبرصية ، والأوضاع التى تشهدها منطقة شرق المتوسط ، فى وقت تشهد فيه المنطقة تهديدات متعددة بسبب استمرار الهجرة غير الشرعية واستمرار النزاع فى سوريا وفى شمال إفريقيا بليبيا.
وتعد مكافحة الإرهاب أحد أسس هذا التعاون، وهناك أيضًا بعد هام وهو أنه حين نعزز آليات الحوار مع قبرص واليونان، فنحن نعزز آليات الحوار أيضًا مع الاتحاد الأوروبى من خلال التوصل مع أحد الأطر الهامة والمؤثرة وهو الإطار المتوسطى، وفى منظومة الاتحاد الأوروبى كما هو الحال بشأن الدبلوماسية المصرية تجاه دول وسط أوروبا أو تجاه دول البلطيق، ودول الإسكندفانية، وكلها أطر هامة جدًا تتفاعل مع مصر لتؤثر على قرار داخل الاتحاد الأوروبى.
ومن هنا نتفهم الأبعاد المتعددة لآلية الحوار الثلاثى المصرى القبرصى اليونانى، وكذلك كما ذكرنا هي فرصة للتشاور بشأن القضايا الإقليمية والدولية وأيضًا آدة من أدوات الاتفاق على المشروعات التنموية وإزالة المعوقات.
فالقادة منذ القمة الأولى وحتى القمة السادسة فى اليونان اتفقوا على العديد من المشروعات، وعلى العمل معًا لإزالة معوقات تنفيذ هذه المشروعات.
ومنتدى شرق المتوسط للغاز، يلبى إحتياج استراتيجي وهام لأوروبا من الطاقة.
وهذه الآلية الثلاثية أيضًا فى حاجة لأن تستمر المناورات العسكرية فيما بينها لحماية مصادر الطاقة تلك، وفى نفس الوقت تعزيز آليات التعاون الأمنى والدفاعى وكذلك مواجهة المخاطر المحدقة بالإقليم على رأسها خطر الإرهاب.
والتعاون المشترك يؤسس لتعاون فى مجال السياحة والنقل.
ومن الهام والضرورى أن أؤكد على أهمية انعقاد اللجنة الثلاثية للسياحة والنقل على نحو منتظم، وعلى نحو ما تم الاتفاق عليه فى القمم الست الماضية بشأن المشروعات المشتركة والتى شملت مجالات عديدة مثل الزراعة، والاستزراع السمكي، والسياحة، والطاقة، والنقل البحرى.
إذًا نحن أمام مشهد أو آليه للتنسيق الدبلوماسى والإقليمي وشراكة تتعاون فيها البلدان الثلاث تنمويًا وإقتصاديًا فى مجالات الطاقة كما أنها أدى لمواجهة الإرهاب والهجرة غير الشرعية وتنسيق فى مجال تحقيق أمن البحر المتوسط وتبدل الرأى لتقديم الإسناد للحل السياسى بشأن قضايا المنطقة وعلى رأسها أمن فلسطين وسوريا وليبيا وقبرص بالإضافة لملف التعاون الاتحاد الأوروبى.
ولا شك أن ما تم الاتفاق عليه فى القمة السابقة عام 2018، التى أنعقدت فى شهر أكتوبر بجزيرة كريت باليونان، نحو إنشاء سكرتارية تنفيذية لهذه الآلية، ومقرها قبرص أصبح أمرًا ضروريًا وعاجلًا حتى تتم متابعة وتنفيذ ما يتم الإتفاق عليه وأظن كى نلخص أهمية هذه الآلية الثلاثية، أن نعيد تأكيد ما قاله الرئيس عبد الفتاح السيسى بشأنها، حيث وصفها آلية وكيان دائم منفتح وليس منغلق بين البلدان الثلاث.
فالتعاون كما يشير الرئيس فى القمم السابقة هو تعبير عن الرغبة فى إنشاء نواة لتعاون دولى أكبر فى دول حوض البحر المتوسط وبين المنطقة وشركائها الأوروبين، وأن هذا المنتدى للتعاون سواء كانت الآلية أو ثلاثية أو منتدى المتوسط يمكنه أيضًا أن يستقطب دولًا أخرى وإطر للتعاون ومنتدى للتعاون ليس موجهًا ضد أحد على العكس هو أداة من أدوات الإستقرار الإقليمي المفتوح على كل البلدان الراغبة فى تحقيق أمن واستقرار البحر المتوسط.
ولا يفوتنى ونحن نتحدث عن هذه الآلية الهامة ومنتدى غاز المتوسط أن نشير بالإضافة إلى الأبعاد الإقتصادية والتنموية والعسكرية، إلى الأبعاد الثقافية والحضارية والتراثية التى جمعت مصر دومًا بأبنائها من الجاليات القبرصية واليونانية التى عاشت لعشرات السنين على أرض الأسكندرية، وداخل المدن المصرية ليصبحوا جزءا لا يتجزء من نسيج المجتمع الذى أسهموا فى إثراءه بثقافتهم وتنوعهم الحضارى.
وكانت مبادرة الرئيس السيسي فى العودة إلى الجذور هي الرد المباشر على إحياء الأبعاد الثقافية شأن الأبعاد السياسية والأمنية والإقتصادية، فإحياء البعد الثقافى لمبادرة الرئيس التى تسمى: “العودة إلى الجذور” تهدف فى المقام الأول إلى تكريم تلك الثقافات الأجنبية والمجتمعات التى عاشت على أرض مصر خاصة فى الأسكندرية والمدن الساحلية، وباتوا الآن يعودون إليها وتملأهم مشاعر الحنين للوطن الثانى الذي احتضنهم وأتاح لهم الفرصة لحياة كريمة، يستذكرونها كلما تمت دعوتهم لزيارة هذه المدن الجميلة التى إزدانت بثقافتهم وبعلمهم وبحضارتهم، وتأثروا بسماحة أهلها وثقافتهم وتاريخهم، وحضارتهم العظيمة، التى تجمعهم أيضًا بأمم أخرى تتمتع بقدر كبير من الوعى والمعرفة.
ومن خلال هذا التواصل الثقافى والتعاون الإقتصادى والسياسي والأمنى والإستفادة من الموارد والخيرات المشتركة يقدم من جديد نموذج للمتوسط، الذى كان دائمًا منبع للحضارة وأساسًا للعلم والمعرفة، تشاركت فيه الثقافات المصرية واليونانية والقبرصية معًا لصياغة جزءًا هام من تاريخ البشرية، وأسمهوا إسمهامات كبرى فى مسار الحضارة الإنسانية.
ويسعى القادة الثلاث فى قمتهم بالقاهرة اليوم 8 أكتوبر الجاري لتجديده وإرسال رسالة خيرًا ونماء ودعوة للإستقرار، وبعد عن التطرف والعنف، ودعم ومساندة مكافحة الإرهاب، والإستفادة من هذا التواصل فى تحقيق أمن وإستقرار المنطقة، والإستفادة من ثرواتها لمصالح شعوب الدول الثلاثة.
……………………………………………………………….
*المساعد السابق لوزير الخارجية

اترك تعليق