سمير-فرج

كان هذا اليوم، العاشر من أكتوبر، 1973، واحد من أعظم أيام هذه الحرب … فلقد اقتحمنا قناة السويس، ونجحنا في العبور إلى الضفة الشرقية، وتم تدمير خط بارليف يوم السادس من أكتوبر، وجاء يوم العاشر من أكتوبر، وقد وصل حجم القوات المسلحة المصرية، على الضفة الشرقية للقناة، إلى 200 ألف مقاتل، بعتادهم، وأسلحتهم، وذخيرتهم، وتكون رأس الكوبري فوق أرض سيناء، بقوة خمس فرق مشاة، بالرغم من محاولات العدو الإسرائيلي، خلال الأيام من السادس وحتى العاشر من أكتوبر، بتكثيف الهجمات والضربات المضادة، إلا أن القوات المصرية تصدت لها جميعاً، وأحبطتها.

ويقول الجنرال الإسرائيلي، إبراهام آدان، أنه تولى قيادة النطاق الشمالي، على جبهة قناة السويس، يوم 7 أكتوبر، ويذكر في مذكراته أنه، في اليوم التالي، مباشرة، بدأ محاولاته للقيام بهجمات مضادة، باللواءات المدرعة في اتجاه الفردان وشماله، وتحددت مهمة العقيد عساف ياجوري، قائد اللواء 190 مدرع، للتقدم في اتجاه كوبري الفردان، وتدمير القوات المصرية.

وقد روى عساف ياجوري، في مذكراته هو أيضاً، أنه تقدم نحو الدفاعات المصرية، واخترق النطاق المحدود، إلا أنه لم يجد أي مقاومة من المصريين، ولم تمر سوى دقائق معدودة، قبل أن يكتشف أن المصريين أعدوا له كميناً، بأن سمحوا له باختراق الدفاعات، ليتمكنوا من الهجوم عليه، من كل الاتجاهات، وتدمير دباباته. ويضيف ياجوري أن دبابات اللواء بدأت تنفجر كلها أمام ضربات الصواريخ المصرية، وأن الجنرال آدان لم يفي بوعده بإرسال الطائرات الإسرائيلية لنجدته، وأنه عرف، فيما بعد، استحالة إرسال الطائرات، بسبب حائط الصواريخ المصري، ومداه القادر على النيل من طائرات العدو. يقول العقيد ياجوري، أنه ترك دبابته وسارع، مع طاقمها، للاختفاء، ولم يجد مفراً من الاستسلام للمصريين، عندما قاموا بتمشيط المنطقة، وهو يصيح “أنا جنرال … لا تقتلوني”. أضاف العقيد عساف ياجوري، أنه استسلم للمصريين، وكان قائدهم ضابط اسمه يسري عمارة، وأنه قادوه إلى قائد الفرقة، التي كان مكلفاً بتدميرها، وهو الجنرال أبو سعده.

حل يوم التاسع من أكتوبر، ليكون أسود الأيام في تاريخ إسرائيل، إذ وقفت جولدا مائير، رئيسة وزراء إسرائيل، ومعها وزير الدفاع، الجنرال موشيه دايان، ليعلنا هزيمة إسرائيل، في مؤتمر صحفي، أمام كل وسائل الإعلام العالمية … وتقول كواليس الإدارة الإسرائيلية، أن إسرائيل كانت تخطط، في ذلك اليوم، لتنفيذ ضربة ذرية، بعدد 2 قنبلة تكتيكية ذرية؛ واحدة يتم توجيهها نحو قوات الجيش الثاني، والثانية في اتجاه قوات الجيش الثالث، إلا أن واشنطن أوقفتها، بعدما علمت بنواياها، وأبلغت إسرائيل أنها ستقوم بإرسال جسر جوي، من الأسلحة، والمعدات، من قواتها المتمركزة في ألمانيا، لضمان سرعة وصولها إلى إسرائيل، لدرجة أن الطائرات الأمريكية نقلت هذه الأسلحة إلى مطار العريش، وكان من أهم هذه الأسلحة، صاروخ TOW الجديد، أحدث الأجيال المضادة للدبابات، في ذلك الوقت.

وعندما جاء يوم العاشر من أكتوبر، كانت الخمس فرق المشاة، والقوات المدرعة، قد نظمت دفاعاتها، شرق القناة، ونشرت الألغام المضادة للدبابات، أمام هذه الدفاعات، ولم تعد القوات الإسرائيلية قادرة على اختراق دفاعات المصريين، أو حتى زحزحة أي منهم، قيد أنمله. وفي اتجاه البحر الأحمر كانت المفاجأة القاتلة، التي أعدتها القوات المصرية، بإعلان إغلاق مضيق باب المندب، أمام الملاحة الإسرائيلية، وهي المفاجأة أذهلت القيادة الإسرائيلية، وأربكت جميع حساباتها، إذ منعت القوات البحرية المصرية، وصول أي إمدادات عسكرية، أو اقتصادية، ولم تتمكن إسرائيل من تغيير ذلك الواقع الذي فرضته مصر عليها، بعدما نسقت له، في سرية تامة، مع دولة اليمن، قبيل بدء الهجوم.

ومع حلول تلك الذكريات الغالية، أذكر، بعد الحرب، عندما شعر الشعب الإسرائيلي بالحسرة والألم والأسى، لما تجرعته من هزيمة، فشكلت الحكومة الإسرائيلية، في 21 نوفمبر 73، لجنة، عرفت باسم “لجنة أجرانات”، نسبة إلى رئيسها شيمون أجرانات، رئيس قضاة المحكمة العليا، وبعضوية اثنان من رؤساء الأركان السابقين، ولقد أطلقت عليها الصحافة الإسرائيلية اسم “لجنة التقصير”، إذ كان منوط بها التحقيق في القصور التي وقع فيه الجيش الإسرائيلي، خلال حرب 73، وانتهت اللجنة في تقريرها الابتدائي، إلى أن أسباب فشل الجيش الإسرائيلي، هو قصور “الموساد”، أو المخابرات الإسرائيلية، في كشف نية المصريين في الحرب، وتضامن الجيش السوري معهم، وأوصت اللجنة بإقالة الياهوا زيرا، مدير المخابرات، حينها، وكذلك رئيس الأركان، ديفيد العازر، إضافة إلى عدد من ضباط المخابرات. وفي 30 يونيو 1975، أصدرت اللجنة تقريرها النهائي، في 1500 صفحة، تم اعتبار 1458 صفحة، منه سري للغاية، ولم يسمح بنشر سوى 42 صفحة، فقط، هي مقدمة التقرير، وانتقد هذا التقرير الأحداث والأخطاء التي وقع فيها الجيش الإسرائيلي، خاصة على الجبهة المصرية … ولم ينشر محتوى هذا التقرير، للرأي العام الإسرائيلي، حتى يومنا هذا.

وهكذا حفرت القوات المسلحة المصرية، في صفحات التاريخ الحديث، أغلى انتصار لها، ولمصر، استحقت أن تفتخر به، بعدما رفعت به اسم مصر عالياً، وأعادت به أرض سيناء الغالية، دون تفريط في حبة رمل واحدة.

Email: [email protected]

اترك تعليق