لبنان
  •  تحذيرات من الإمارات والكويت وأمريكا لرعاياها وإجلاء الجالية السعودية:
  • صرخة غضب حقيقية تنطلق من بيروت ومطالبات باستقالة الحكومة واسقاط النظام.
  • تظاهرة للجالية اللبنانية في باريس تضامناً مع الحراك الشعبي:

تقرير نادية صبره

بدءت يوم الخميس الماضي ثورة الواتس آب أو انتفاضة 17 تشرين الأول (أكتوبر) التي بدءت بنزول ألف متظاهر في ساحة رياض الصلح بالعاصمة اللبنانية بيروت احتجاجاً على قرار وزير الاتصالات بفرض ضريبة قيمتها 20 بنس على مكالمات الواتس آب والتي أقرها مجلس الوزراء وكان من المفترض أن تدر 217 مليون دولار لخزينة الدولة… وبالرغم من تراجع وزير الاتصالات وإلغاء هذه الرسوم الإضافية بل وإقرار الحكومة لموازنة بدون ضرائب إضافية استمرت الاحتجاجات حتى كتابة هذه السطور ثم تحولت إلى ثورة حقيقية لشعب وصلت به الأمور حد  الانفجار، وامتدت من بيروت إلى مدن أخرى منها مدينة (صور) الجنوبية معقل حزب الله وحركة أمل ومدينة (طرابلس) أيقونة الثورة التي تحول ليلها إلى نهار واشتعلت الأجواء في ساحة النور بالغناء والرقص والهتافات حتى ساعات الفجر الأولى، بالرغم من سقوط قتيلين في هذه المدينة يوم الجمعة الماضي الذي كان يوم احتجاجات طويل تخللته عمليات تخريب وقطع طرق وحرق إطارات ومصادمات دامية مع قوى الأمن الداخلي التي استخدمت القنابل المسيلة للدموع وخراطيم المياه لتفريق المحتجين كما أقامت حواجز من الأسلاك الشائكة قرب ساحة رياض الصلح وسط بيروت التي توافد عليها آلاف المتظاهرين – وتعالت هتافات الشعب يريد إسقاط النظام وغناء الأغاني الوطنية ويطالبون باسترجاع الأموال المنهوبة ورفع السرية المصرفية عن حسابات كل المسئولين وزوجاتهم وأولادهم ورحيل الجميع والإطاحة بالحكومة واستقالة الرئيس ومجلس النواب ومحاربة الفاسدين وتسليم السلطة لقائد الجيش (جوزيف عون)… وضخ دم جديد ووجوه جديدة للحكم.

ومن الواضح أن الغضب أعمق وأكبر من الوضع السياسي وفشل الحكومة مما أدى إلى انفجار شعبي حقيقي وشهدت التظاهرات تدفق آلاف المواطنين من كافة المدن والمناطق اللبنانية مطالبين بالتغيير السياسي والانتفاض على الأحزاب كلها، الأزمة الاقتصادية كانت المحرك الرئيسي للتظاهرات التي حركتها آلام الناس وأوجاعهم الذين لا يجدون قوت يومهم والأكل والبنزين والدواء.. سلطة عاجزة عن إيجاد الحل ولا تدرك حجم مأساة المواطن اللبناني والقهر اليومي الاجتماعي الذي يعانيه ويدفع تكلفة انهيار الليرة وتدني معاشات التقاعد، لكن الغضب أيضاً كان ردة فعل طبيعية إزاء الأداء السياسي لفصيل يدير لبنان منذ سنوات وتذهب به نحو الأكثر فقراً وفرض الضرائب وعدم التصدي للمشاكل الحقيقية للشعب اللبناني لم يعد يطبق أن يرى نفس الوجوه طيلة 30 عاماً وسماع نفس الخطاب لذلك جاء التحرك العفوي بدون توجيهات حزبية بل أن الشارع اللبناني المحتقن لا يستطيع أي حزب السيطرة على ثورة الغضب فيه… المواطن يريد أن يتحرر من قبضة الزعمات الطائفية يريد الخروج من عباءة حزب الله والتبعية لإيران والانسحاب الكامل للدولة اللبنانية عن أداء دورها وأن القرار السياسي الحقيقي خارج عن أجهزة الدولة.

كلمة رئيس الوزراء:

يوم الجمعة الماضي وهو ثاني أيام الاحتجاجات ألقى رئيس الوزراء اللبناني (سعد الحريري) كلمة للشعب بعد أن ألغى اجتماع كان مقررا ً للحكومة اللبنانية:- تحدث فيها عن الأسباب التي تعيق تطبيق إصلاحاته الاقتصادية منذ توليه رئاسة الحكومة وقال… شخصياً أعطي نفسي جواب قصير وشركائي يقنعني ويقنع اللبنانيين ويقنع المجتمع الدولي.. الإصلاح ووقف الهدم ومحاربة الفساد والإصلاحات مش معناه ضرائب معناه أن كل القوانين من الخمسينات والستينات لازم تتغير… اللي شفناه من امبارح المساء وجع اللبنانيين وجع حقيقي حاسس بهم أنا مع كل تحرك سلمي لكن كيف بدننا نعالجه بحلول سلمية لأن هذه المسئولية التي كلفنا بها الشعب اللبناني وأعطى مهلة 72 ساعة لشركاؤه في الحكومة للموافقة على الاصلاحات الاقتصادية أو سيكون له تصرف آخر!

وقبل انتهاء المهلة غداً الاثنين عقد الحريري لقاء مع مجموعته الاقتصادية لإعداد ورقة اقتصادية تكون بمثابة طوق نجاة للأزمة الحالية أهم  ملامحها إعداد موازنة نهائية لا تتضمن أي ضرائب أو رسوم إضافية ورفع الضرائب على أرباح البنوك من 17% إلى 35% وخفض أجور النواب والوزراء وإلغاء الصناديق ومجالس المهجرين والجنوب والانماء والاعمار وقد وافق كل الفرقاء السياسيين المشاركين في الحكومة على الورقة الاقتصادية في محاولة لامتصاص غضب المتظاهرين.

ومن أبرز ما غاب في كلمة الحريري هي تسمية الشركاء الذين توجه إليهم بالمهلة لم يشير بشكل واضح لحزب الله ترك باب التأويل مفتوحاً وقد حاول أن يشبه نفسه بأبيه حينما استشهد بأزمات تعرض لها والده بمراحل سابقة من توليه الحكومة.

الجمهور الذي ضاق ذرعاً بنظام المحاصصة كلام الحريري لم يجد صدى لديه وتساءل هل 72 ساعة سيتم فيها الاصلاح الذي لم تستطيع الحكومة تنفيذه طيلة ثلاث أعوام. وبات واضحاً أن المتظاهرين في وادي والسياسيون في وادي آخر.

جبران باسيل.. وزير الخارجية اللبناني ورئيس التيار الوطني الحر وأحد شركاء الحريري في الحكومة تحدث من منبر رئيس الجمهورية مخاطباً الحريري بأنه لا داعي للإنتظار 72 ساعة وليبدء بالاصلاحات فوراً.

أما رئيس الجمهورية (ميشيل عون) فقد اكتفى بتغريدة قال فيها أنه يعد بحل مطمئن للأزمة الحالية في البلاد!

الجيش اللبناني في أول بيان له ينحاز للمتظاهرين وقال البيان الصادر عن مديرية التوجيه في الجيش اللبناني “جميع المواطنين المتظاهرين والمطالبين بحقوقهم المرتبطة مباشرة بمعيشتهم وكرامتهم إلى التعبير في شكل سلمي وعدم السماح بالتعدي على الأملاك العامة والخاصة.

البطريرك الراعي (مار بشارة) قطع زيارته إلى افريقيا الغربية والوسطى وعاد إلى لبنان وأعلن أنه يرفض مع المواطنين فرض ضرائب جديدة على الشعب اللبناني ودعا لإعلان حالة طوارئ اقتصادية.

سمير جعجع: رئيس حزب القوات اللبنانية وصف الاحتجاجات بأنها ثورة شعبية حقيقية يحركها وجع حقيقي موجود عند المواطن اللبناني وطالب من الحكومة أن تتقدم باستقالتها وقال إن هؤلاء الفرقاء الذين طلب منهم الحريري مهلة الـ 72 ساعة ميئوس من أمرهم في السلطة لا يلتفون إلى الدولة ولا يهمهم قيام الدولة وحمل حزب الله مسئولية ما آلت إليه الأوضاع، ثم تقدم الأربعة وزراء التابعين لحزب القوات اللبنانية بإستقالتهم من الحكومة.

أما الزعيم الدرزي وليد جنبلاط: زعيم الحزب التقدمي الاشتراكي فقد قرر العدول عن قرار استقالة وزراء الحزب المشاركين في الحكومة كما تراجع عن مطالبته لحكومة الحريري بالاستقالة رغم دعمه للاحتجاجات الشعبية.

كلمة حسن نصر الله..

صباح يوم السبت ثالث أيام التظاهرات ألقى السيد حسن نصر الله أمين عام ميليشيات حزب الله كلمة للشعب اللبناني سبقها صمت مطبق طيلة الخميس والجمعة من أعوان نصر الله إنتظاراً لتلك الكلمة كنوع من التشويق…

أبرز ما جاء في الكلمة أنه لا جدوى من تشكيل حكومة تكنوقراط أو تنظيم انتخابات مبكرة فالوقت غير ملائم وحذر من فراغ طويل في السلطة ومن تسييس الاحتجاجات كما اتهم قوى سياسية بالتنصل من مسئوليتها وإلقاء التبعات على الآخرين وقال للمتظاهرين أن ما يحصل تضيع لوقتهم ووقت البلد وأن العهد ما تقدروا تسقطوه رداً على المطالبة بإسقاط الحكومة، كما هدد بأن نزول أنصاره للشارع سيغير كل المعادلات.

نصر الله كان متوتراً رغم محاولته إظهار عكس ذلك ولعل أبرز ما يوتره هو تخوفه من اللغة الجديدة في الشارع اللبناني البعيدة عن التخاطب الطائفي.. وأن انتفاضة الشيعة في الجنوب تعطى بارقة أمل في أن هيمنة حزب الله غير مفتوحة….

فالحقيقة المؤكدة أن حزب الله فقد جزء كبير من قاعدته الشعبية الذين انضموا للتظاهرات وفصلوا بين موقفهم الموالي للحزب وبين أداء حزب الله ونوابه… وكانوا ينادون بالاسم على نصر الله ويشتكون من فساد نوابه الذين سرقوا الشعب وأوصلوه لمرحلة الجوع والعوز… ثم ما هو دور حزب الله هل هو بريء مما هو حاصل؟ منذ عام (1992) والحزب يمتلك كتلة برلمانية وهو جزء من الحكومة اللبنانية ومنذ العام 2011 أصبحت كل الحكومات  هي حكومات حزب الله بامتياز فماذا فعل؟ أقام اقتصاد موازي يضغط به على لبنان بالإضافة للتعطيل المتعمد للإصلاحات الاقتصادية فكلما اقتربت الحكومة من وضع حد لسعر البنزين ورفع ضريبة القيمة المضافة وحل أزمة الكهرباء يتراجع حزب الله مطالباً برفع العقوبات الأمريكية أولاً ويهدد بإجراءات ضد المصارف لمواجهة هذه العقوبات كما انفرد بالقرار السياسي حتى أصبحت لبنان رهينة لحزب الله وشركاءه…

والسؤال الآن من سوف يستفيد من كل ما يجري اليوم في الشارع اللبناني؟ من سيقطف ثمار هذه الغضبة الشعبية؟ إذا لم تستمع الدولة لصوت الناس وصوت الشارع واستمعت لحسن نصر الله وتهديداته بالورقة الأمنية بالطبع فإن المستفيد سيكون حزب الله لأنه الطرف الأقوى الذي يمتلك أكبر الأوراق في الساحة حتى إشعار آخر والذي حاول تخريب التظاهرات وإخراجها عن السلمية لسحب الدعم الشعبي لها وذلك عبر السماح للعناصر المسلحة التي أجبرت الناس على الخروج من الشوارع في بعض المناطق…

أتمنى ألا يمنح الشعب اللبناني ثقته لحزب الله… مطلب الجماهير من الشمال إلى الجنوب أن تكون الدولة اللبنانية هي المرجع الوحيد في اتخاذ القرارات السياسية والاقتصادية.

اترك تعليق