غاندى

على سبيل التقديم:

« بمناسبة حلول الذكرى الخمسين بعد المائة على ميلاد الزعيم مهاتما غاندي يتناول مدير مركز مولانا آزاد الثقافي الهندي التابع لسفارة الهند بالقاهرة د. لياقت علي، القصيدة التي نظمها أمير الشعراء أحمد شوقي بمناسبة مرور السفينة التي تقل غاندي عبر قناة السويس وتوقفها بمدينة بورسعيد في عام 1931، وكان الزعيم الراحل  في طريقه لحضور مؤتمر المائدة المستديرة في لندن، ويتصادف كذلك أن أمير الشعراء أحمد شوقي أيضًا من مواليد نفس الشهر، أي شهر أكتوبر، الذي يعرف بشهر مولد العظماء.»

 

 د. لياقت علي يكتب:

د. لياقت علي

“أعظم عبقرية سياسية عرفتها حضارتنا.. لن تصدق الأجيال القادمة على الأرجح أن شخصية كهذه من لحم ودم عاشت على وجه الأرض”

 

 

 (آلبيرت أينشتين عن لمهاتما غاندي)

ولد المهاتما غاندي ببورباندار في ولاية جوجرات الهندية في 2 أكتوبر 1869.  وبعد دراسته في الهند، سافر إلى لندن حيث أكمل فيها دراساته في القانون.  وبعد عودته إلى الهند بدأ حياته المهنية، حيث عمل بالمحاماة.  ولم يلبث في الهند سوى فترة قصيرة، حتى جاءته فرصة للعمل في جنوب أفريقيا كمستشار قانوني لإحدى الشركات الهندية هناك. وفي تلك الفترة كانت جنوب أفريقيا تعاني من التمييز العنصري و التعصب الطبقي والاضطهاد. تعرف غاندي على جانب غاية في القتامة في حياة البشر مما كان له بالغ الأثر في تغيير مجرى حياة غاندي، حيث كرس حياته من أجل الدفاع عن حقوق الإنسان و مكافحة التمييز العنصري والظلم القائم على العنصرية. ومن هنا، كانت جنوب أفريقيا هي المحطة التي انطلق منها غاندي في مسيرة الكفاح ضد الاستعمار و مختلف أشكال الظلم.  ونظرا لما شهدته غاندي من تردى الأوضاع الإنسانية في جنوب أفريقيا ولاسيما بالنسبة للمواطنين الهنود، قرر العودة إلى أرض الوطن.

لقد تأثر العديد من قادة وزعماء العالم بشخصية غاندي وأفكاره وفلسفته القائمة على اللاعنف . ونذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر: نيلسون مانديلا و ألبيرت أينستين ومارتين لوثار كينج وياسر عرفات وتوكل كرمان وباراك أوباما. وكان أمير الشعراء  أحمد شوقي واحدًا منهم.  وكيف لا؟ وقد كان أحمد شوقي نفسه داعيا إلى العلمانية والتسامح والتعايش السلمي بين الأمم المختلفة. وقد أبدى شوقي رؤيته حول الاعتراف بتنوع الأديان والعقائد من خلال أبياته الشعرية الخالدة حين قال:

الدين للديان جل جلاله لوشاء ربّك وحّد الأقوام

كان الشعب المصري يعاني من نفس المشاكل والاضطرابات التي كان يعاني منها الشعب الهندي آنذاك وللمصادفة على يد نفس المحتل البريطاني، الذي كان يسلب خيرات البلدين ويحرم أبنائها من كافة حقوقهم.  ونظرا لتلك القواسم المشتركة، ارتبط زعماء الهند ومصر من أمثال المهاتما غاندي وسعد زغلول بعلاقات قوية خلال فترة الكفاح من أجل الاستقلال، حيث تبادل الجانبان الأفكار حول سبل الحصول على الحرية من الاستعمار.

نبذة حول مناسبة القصيدة التي نظمها شوقي عن غاندي:-

  شعر الشعب الهندي بالضيق الشديد لما تعرض له من أشكال الاضطهاد على يد الاحتلال البريطاني والقوانين الجائرة التي تغتصب حقوق أبناء الهند.  وكان وصول غاندي في الهند عام 1915 عاملًا مُحفزًا في تقوية شوكة الاحتجاجات التي قام بها الشعب الهندي ضد الاستعمار البريطاني.  وتم انتخاب غاندي رئيساً لحزب المؤتمر الوطني الهندي عام 1921. استشاط المستعمر البريطاني غضباً ، واستخدم كافة أنواع العنف والإيذاء البدني والإهانة المعنوية لوأد الحركة الوطنية. ومن تلك الحوادث الشهيرة مجزرة جاليان والاباغ (عام 1919) التي أطلق فيها ضابط الجيش البريطاني الرصاص على حشد كبير من المواطنين في ميدان “جاليان ولالباغ” بولاية بنجاب فقتلوا المئات من المواطنين وجرحوا مئات آخرين.  وازدادت مع تلك الحادثة المريرة جذوة احتجاجات الشعب الهندي ضد المستعمر ولاسيما من خلال الطرق السلمية المعتمدة على فكرة وفلسفة غاندي. وعندما فشلت قوات الاحتلال البريطاني في إخماد الاحتجاجات والاضطرابات، دعت الزعماء الهنود إلى مؤتمر المائدة المستديرة في بريطانيا للنقاش حول الحل الممكن للموقف في الهند. ولم يشارك الزعماء الهنود في الدورات الثلاثة لمؤتمر المائدة المستديرة سوى في الدورة الثانية منها في عام 1931 بلندن.  وقد شارك فيها المهاتما غاندي نيابة عن حزب المؤتمر الوطني الهندي.  وعبرت السفينة التي أقلت المهاتما غاندي المحيط الهندي حتى وصلت إلى قناة السويس للعبور إلى البحر المتوسط ومنها إلى إنجلترا. أراد غاندي أن ينزل من السفينة عند توقفه في مدينة بورسعيد لتبادل الآراء مع إخوانه في الكفاح في مصر، إلا أن الإنجليز لم يسمحوا لها بذلك وخافوا من التأثير المحتمل للقاء غاندي على حركة كفاح الشعب المصري. ولكن قام مجموعة من كبار الشخصيات من حزب الوفد آنذاك  وعلى رأسهم رئيس الحزب آنذاك مصطفى باشا النحاس علاوة على مجموعة من المفكرين والأدباء والكتاب والصحافيين بلقاء غاندي على ظهر السفينة نفسها في بورسعيد.

وفي تلك المناسبة، قال النحاس باشا: “باسم مصر التي تجاهد من أجل حريتها واستقلالها ارحب في شخصكم العظيم بزعيم الهند العظيم، الهند التي تحارب هي الأخرى لتحقيق نفس الهدف”. وكانت السيدة صفية زغلول أيضا موجودة بين أعضاء ذلك الوفد الذي التقى غاندي نظرا للعلاقة القوية التي كانت تجمع بين غاندي وسعد زغلول.

وقد قرض أمير الشعراء أحمد شوقي قصيدة خلد بها تلك اللحظة المضيئة في تاريخ العلاقات بين البلدين خلال مسيرة الكفاح ضد الاستعمار.

رسالة القصيدة:-

الشاعر أحمد شوقى

  بدأ شوقي قصيدته بدعوة وجّهها إلى الأمة العربية عامة وإلى الشعب المصري خاصة للترحيب الحار ببطل الهند بمناسبة وصوله إلى الأراضي المصرية، وحثهم على استقباله بالورد مشيرًا إلى أنه زعيم للشعب المصري أيضًا ولاسيما في ظل وجود تشابهات كثيرة بين الشعبين الهندي والمصري في أحوالهم الكئيبة وأوضاعهم الحزينة، ولأن القضايا المتعلقة بالاستعمار التي يذود عنها مهاتما غاندي هي نفس القضايا التي تعاني منها الأمة المصرية. وحول هذه النقاط تحديدا، قال شوقي:

أخوكم في المقاساة                 وعرك الموقف النكد

وفي التضحية الكبرى             وفي المطلب، والجهد

وفي الجرح، وفي الدمع           وفي النفي من المهد

وفي الرحلة للحق                وفي مرحلة الوفد

كان شوقي يعتقد بأن النسيج الذي يتكون منه كل وطن يلزم أن يضم كافة أبناء الشعب على اختلاف العرق والدين واللغة والثقافة دون أي تمييز بين أي منهم لتحقيق التماسك واللحمة الوطنية.  فقد أكد شوقي في مناسبات عديدة على قيمة التسامح والتعاون بين أبناء الوطن الواحد لتحقيق التقدم والاستقرار والسلام مثل قوله:

وإلى الله من مشى بصليب        في يديه ومن مشى بهلال

ومن الطبيعي أن يشيد شوقي أولًا بمساهمات غاندي في إقامة الوحدة الوطنية عن طريق إرساء روابط المودة والمحبة بين الهندوس والمسلمين. ومن الجدير بالذكر أن البريطانيين كانوا يستخدمون سياستهم الخسيسة والدنيئة المعروفة بالتفرقة بين أبناء الأمة الواحدة والتي تتلخص في كلمتين ” فرّق تسد” كوسيلة لضمان سيطرتهم على الأمور وكانت بريطانيا تحاول إضعاف الحركة الوطنية في الهند عن طريق التفريق بين الهندوس والمسلمين. وكان النجاح في إيجاد المودة والأخوة بينهم شيئ عظيم لا يمكن أن تتحقق إلا على يد شخصية عظيمة تكاد تصل في نبلها وأخلاقها إلى مرتبة القديسين والنبيين. ولذلك شبهه شوقي غاندي بالنبي مرة وبالمهدي المنتظر مرة أخرى فيقول:-

نبي مثل (كونفشيو س)، أو من ذلك العهد

قريب القول والفعل من المنتظر المهدي

شبيه الرسل في الذو عن الحق، وفي الزهد

لقد علم بالحق وبالصبر، وبالقصد

ونادى المشرق الأقصى فلباه من اللحد

وجاء الأنفس المرضى فداواها من الحقد

دعا الهندوس والإسلام للألفة والود

بسحر من قوى الروح حوى السيفين في غمد

وسلطان من النفس يقوي رائض الأسد

وتوفيق من الله وتيسير من السعد

وحظ ليس يعطاه سوى المخلوق للخلد

ولا يؤخذ بالحول ولا الصول، ولا الجند

ولا بالنسل والمال ولا بالكدح والكد

ولكن هبة المولى -تعلى الله-  للعبد

وحينما يقرأ السلام على غاندي يناديه الشاعر بأسمائه المحببة وصفاته المحمودة. وكان اسم غاندي الأصلي (موهانداس كارام تشاند غاندي) واشتهر بلقب “المهاتما” أي “الروح العظيمة”. وكان الهنود ينادون غاندي بلقب “بابوجي” بمعنى “الأب الموقر”.  ومن هنا اشتهر غاندي أيضا بقلب “أبو الأمة الهندية المستقلة”. ويناديه الشاعر أحمد شوقي بعدة ألقاب مثل “حالب الشاة ” و”غازل البرد” مشيرًا إلى أنه كان يحلب الشاة بنفسه حتى يشرب من لبنه ويغزل برده بمغزله حتى يلبس من صنع يديه.  يلفت الشاعر أنظارنا إلى زهد غاندي في الحياة الدنيوية وفي الملذات الزائلة. وكان غاندي يرى أن الحياة البسيطة هي السبيل الوحيد للشعور بالسعادة الحقيقة. وعن تلك الصفات في غاندي، يقول أمير الشعراء:

سلام حالب الشاة سلام غازل البرد

ومن صدّ عن الملح ولم يقبل على الشهد

ومن يركب ساقيه من الهند إلى السند

سلام كلما صليـت عرياناً، وفي اللبد

وفي زاوية السجن وفي سلسلة القيد

ويثمن الشاعر على جهود غاندي في النضال ضد الاستعمار. ويرجع الفضل إلى غاندي في تطبيق عدد من الطرق المبتكرة للإضراب والاحتجاج على أساس فلسفة “اللاعنف” أو(أهيمسا) من بينها اتباع “المقاومة السلمية” (أو ستياجراها – وهو مصطلح يعني لفظياً الإصرار على الحق) و”العصيان المدني” و”الصوم حتى الموت” و”قبول السجن طوعًا” وغيرها.  إن فلسفة اللاعنف – حد قول غاندي – “ليست سلاح الضعفاء والأذلاء” بل هي “أعظم قوة متوفرة للبشرية ، إنها أقوى من أقوى سلاح دمار صنعه الإنسان”.

ويذكر شوقي حادثة مثالية يدلّ بها على نجاح هذا السلاح الفعال، وهي “مسيرة الملح”.  كانت الحكومة البريطانية قد فرضت قوانين ضرائب هائلة ضد المواطنين الهنود حتى في استخدام الموارد الطبيعية.  وكان قانون الملح لعام 1882 خير مثال لتلك القوانين الجائرة. طبق غاندي العصيان ضد ذلك القانون كخطوة على طريق النضال من أجل الاستقلال.  وفي 12 مارس 1930 قاد مهاتما غاندي مسيرة الملح من ديره بـ “سابارماتي” إلى داندي وهي قرية صغيرة على شاطئ بحر العرب بولاية جوجرات حالياً.  وقاد غاندي المسيرة ماشيا على قدميه حوالي 400 كم وكان يخاطب المواطنين على طول الطريق ويُذكرهم بضرورة النضال من أجل الاستقلال وبدأ يجمع الملح على طول سواحل داندي دون دفع الضريبة.  وألهبت تلك المسيرة المشاعر الوطنية في كافة أنحاء البلاد وأثار معها غضب البريطانيين، الذين ضاقوا ذرعاً بغاندي مما أدى إلى اعتقاله في 5 مايو 1930.  أصبحت مسيرة الملح شعاراً جديداً في الدفاع عن حقوق المواطنين.  وتبنى حزب المؤتمر الوطني الهندي قرارًا يطالب فيه باستقلال الهند التام.  وتزايدت حدة الإضرابات والاحتجاجات في جميع أنحاء الهند، الأمر الذي أجبر البريطانيين على دعوة زعماء الهند إلى مؤتمر المائدة المستديرة.

تتميّز اجتماعات المائدة المستديرة بأنها تجسد المساواة بين كافة الأطراف المشاركة مقابل الاجتماعات الأخرى العادية التي يتم انعقادها تحت رئاسة رئيس يجلس على أحد جانبي الطاولة.  ويشير شوقي إلى ذلك الاجتماع بقوله:

ولاقي العبقريين لقاء الند للند

وكان للبريطانيين سجل وافر من الخيانة والخداع باسم الاتفاقات التي يُبرمونها مع شعوب الأراضي التي استعمروها.  وكانت تلك الاتفاقات هي الوسائل الأخرى  لمكافحة أمواج الاحتجاجات وإطفاء نيران المقاومة والدفاع المدني.  وكان للشعب المصري خبرات عديدة في هذا الأمر.  ولذلك نصح الشاعر شوقي الزعيم الهندي “بأن يأخذ حذره” وأن يلاحظ كل نقطة من نقاط الاتفاق من جانب كبار الحضور البريطانين سواء السير أو اللوردو أن يراوغهم بنفس براعة لاعبي الشطرنج أو النرد حيث يقول:

من (المائدة الخضراء) خذ حذرك يا غندي

ولاحظ ورق “السير” وما في ورق “اللورد”

وكن أبرع من يلعب بالشطرنج والنرد

وربما يرجع السبب في تشبيه شوقي لذلك الاجتماع بلعبة الشطرنج للنقاط التالية:

1- كل خطأ في لعب الشطرنج  – ولولم يكن شيئًا مذكورًا – يؤدي في آخر المطاف إلى إخفاق الطرف الذي أخطأ.

2- يُقال إن النساك البوذيين الهنود كانو روّاد لعبة الشطرنج.  وكان اللاعبون الهنود يتميزون بالتفوق في هذه اللعبة على المستوى العالمي.  وتمنى الشاعر أن يظفر الزعيم الهندي في مهمة تحرير بلاده من خلال مباحثات ذلك المؤتمر.

3-  كان الغرض الأساسي للنساك البوذيين في وضع هذا اللعب الجديد هو إبعاد ملوك الممالك الصغيرة العديدة في الهند عن الحروب الدامية بغرض توسيع ممالكهم. وكان يشترط في لعب الشطرنج أن يتخلى الملك المهزوم عن حكم مملكته أو من بعضها.

وخلاصة القول فإن شوقي يُذكّر غاندي بأن هذه فرصة ذهبية لاسترداد “ممالكه المفقودة” في حرب غير دامية مثل لعبة الشطرنج، وأن كل خطأ من جانب غاندي سيكون على حساب الشعب الهندي وقد يؤدي إلى مكاسب للمستعمرين.

ويُذكر الشاعر غاندي بالحيل والتكتيكات الدبلوماسية التي يمكن أن يواجهها خلال المؤتمر- حيث يقول:

وعد لم تحفل الذام ولم تغتر بالحمد

فلا يستطيع أن يتغلب على تلك الحيل سوى بمهارة السحرة– فالسحر فن آخر اشتهر به الهنود منذ قديم الزمان.ويشير شوقي عن هذه النقطة بقوله:

وقل: هاتوا أفاعيكم أتى الحاوي من الهند!

ويُظهر الشاعر في ختام هذه القصيدة ثقته التامة في غاندي وفي نجاح مهمته في بريطانيا، معربا عن تفاؤله بأنه سيُوفق في استرداد حرية الهند، فيقول:

فهذا النجم لا ترقى إليه همة النقد

ورد الهند للأمة من حد إلى حد

غاندى

اترك تعليق