كتاب أنيس منصور

كتب: أيمن القاضى

فى 600 صفحة صدر كتاب بعنوان «مائة – قائمة لأعظم الناس أثرا فى التاريخ »والمؤلف هو عالم فلكى رياضى ، أما متعته الأولى فهى دراسة التاريخ .

وقد لاحظ أن من بين عشرات الألوف من ملايين الناس لم تذكر دوائر المعارف كلها سوى عشرين ألف شخص ، كان لهم أثر فى بلادهم.. وفى البلاد الأخرى.. وفى التاريخ الإنسانى للمؤلف مايكل هارت .

وبعد أن فرغ من إصدار هذا الكتاب تلقى اقتراحات من العلماء والأدباء ورجال الدين بإضافة أسماء أخرى . ولكن المؤلف عنده مقاييس ثابتة لاختيار الشخصيات المائة واستبعاد مئات غيرها ..

يقول: إنه حدث عندما كان الفيلسوف الفرنسى فولتير فى بريطانيا أن اشترك فى مناقشة موضوعها : من هو الأعظم : الإمبراطور الرومانى يوليوس قيصر أو القائد الإغريقى الإسكندر الأكبر أو القائد المغولى تيمورلنك أو الزعيم البريطانى كرومويل ؟..

وكان الرد على هذا السؤال أن قال أحد المتناقشين ، بل أعظم الجميع : العالم الرياضى البريطانى إسحاق نيوتن ! وكان رد فولتير : فعلاً نيوتن أعظم .. لأنه يحكم عقولنا بالمنطق والصدق ، وهؤلاء يستبعدون عقولنا بالعنف ،ولذلك فهو يستحق عظيم الاحترام ..

وقد استبعد المؤلف أناسا كثيرين ، وكان لهم أثر عميق مثل ستالين .. فقد كان شريراً عظيماً !

ولكن المؤلف أقام اختياره لشخصياته الخالدة على عدة أسس . من بينها أن الشخصية يجب أن تكون حقيقية . فهناك شخصيات شهيرة وبعيدة الأثر ، ولا أحد يعرف إن كانت قد عاشت أولم تعش ..مثل الحكيم الصينى لاوتسو .. لا أحد يعرف هل هو إنسان أم أسطورة .. والشاعر الإغريقى هوميروس .. لا أحد يعرف إن كان حقيقة .. والشاعر الإغريقى إيسوب صاحب الأمثال والحكم .. هو أيضاً لا نعرف إن كان قد عاش حقاً .. ولذلك استبعد مثل هذه الأسماء ..

واستبعد أيضاً عدداً كبيراً من «المجهولين» .. مثل : أول من اخترع النار .. وأول من اخترع العجلات .. وأول من اخترع الكتابة .. لا بد أن يكون شخصاً عبقرياً ، ولكننا لا نعرفه .. ولا نعرف أيضاً إن كان واحداً أو كثيرين ..

كما أنه أقام أساس الاختيار على أن يكون الشخص عميق الأثر ، سواء كان هذا الأثر طيباً أم خبيثاً .. ولذلك كان لابد أن يختار هتلر .. لأنه كان عبقرية شريرة ..

ولابد أن يكون للشخص أثر عالمى ، إذ لا يكفى أن يكون له أثر إقليمى .. ولذلك استبعد كل الزعامات السياسية والدينية ، والمواهب العلمية التى لها أثر «محلى » فقط ..

واستبعد المؤلف كل الأشخاص الأحياء ، أيا كانت آثارهم البالغة .. فإن أحداً لا يعرف بعد كم تعيش آثارهم على بلادهم أو على الإنسانية . فالمستقبل غيب .

وفى نفس الوقت من الممكن أن يختار أناسا لا يزال لهم مستقبل عظيم .فمن المؤكد أن البشرية سوف تعتمد على الكهرباء خمسة قرون أخرى على الأقل ، ولذلك كان لابد أن يضع فى هذه القائمة اثنين من العلماء هما فراداى وماكسويل ..

ومن الممكن أن يتلازم اثنان من العلماء .. أو من الفلاسفة دون تفريق بينهما .. مثل كارل ماركس وصديقه فريدريش أنجلز .. فكلاهما له أثر عظيم على التاريخ الإنسانى .

وكذلك الأخوان رايت اللذان اخترعا الطائرة . المهم هو أن يكون للشخصية أثر عميق متجدد على شعبها وعلى تاريخ الإنسانية .. ولذلك فقد اختار محمداً صلى الله عليه وسلم أول هذه القائمة . وعنده لذلك أسباب مقنعة .

محمد رسول الله (570 – 632م)

لقد اخترت محمداً صلى الله عليه وسلم فى أول هذه القائمة .. ولا بد أن يندهش كثيرون لهذا الاختيار .. ومعهم حق فى ذلك ، ولكن محمداً عليه السلام هو الإنسان الوحيد فى التاريخ الذى نجح نجاحاً مطلقا على المستوى الدينى والدنيوى .

وهو قد دعا إلى الإسلام ونشره كواحد من أعظم الديانات ، وأصبح قائداً سياسياً وعسكرياً ودينياً .. وبعد 13 قرناً من وفاته ، فإن أثر محمد عليه السلام لايزال قوياً متجدداً ..

وأكثر هؤلاء الذين اخترتهم قد ولدوا ونشأوا فى مراكز حضارية ومن شعوب متحضرة سياسياً وفكرياً .. إلا محمداً صلى الله عليه وسلم فهو قد ولد سنة 570 ميلادية فى مدينة مكة جنوب شبه الجزيرة العربية ،فى منطقة متخلفة من العالم القديم ، بعيدة عن مراكز التجارة والحضارة والثقافة والفن .

(وقد مات أبوه وهو لم يخرج بعد إلى الوجود ) وأمه وهو فى السادسة من عمره ، وكانت نشأته فى ظروف متواضعة ، وكان لا يقرأ ولا يكتب .

ولم يتحسن وضعه المادى إلا فى الخامسة والعشرين من عمره عندما تزوج أرملة غنية .

ولما قارب الأربعين من عمره ، كانت هناك أدلة كثيرة على أنه ذو شخصية فذة بين الناس .

وكان أكثر العرب فى ذلك الوقت وثنيين ، يعبدون الأصنام . وكان يسكن مكة عدد قليل من اليهود والنصارى .. وكان محمد صلى الله عليه وسلم على علم بهاتين الديانتين ..

وفى الأربعين من عمره امتلأ قلبه إيماناً بأن الله واحد أحد وأن وحياً ينزل عليه من السماء ، وأن الله قد اصطفاه ليحمل رسالة سامية إلى الناس .

وأمضى محمد صلى الله عليه وسلم ثلاث سنوات يدعو لدينه الجديد بين أهله وعدد قليل من الناس .

وفى 613 ميلادية أذن الله لمحمد صلى الله عليه وسلم بأن يجهر بالدعوة إلى الدين الجديد ، فتحول قليلون إلى الإسلام .

وفى 622 ميلادية هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة ، وهى تقع على مدى 200 كيلو متر من مكة المكرمة ، وفى المدينة المنورة اكتسب الإسلام مزيداً من القوة ، واكتسب رسوله عدداً كبيراً من الأنصار ..

وكانت الهجرة إلى المدينة نقطة تحول فى حياة الرسول صلى الله عليه وسلم . وإذا كان الذين تبعوه فى مكة قليلين ، فإن الذين ناصروه فى المدينة كانوا كثيرين .

وانتهت كل هذه المعارك فى سنة 630 بدخول الرسول منتصراً إلى مكة .

وقبل وفاته بسنتين ونصف السنة شهد محمد صلى الله عليه وسلم الناس يدخلون فى دين الله أفواجا .. ولما توفى الرسول صلى الله عليه وسلم كان قد عمق موقف المسلمين من المدينة، وكان الإسلام قد انتشر فى جنوب شبه الجزيرة العربية وكان البدو من سكان شبه الجزيرة العربية مشهورين بشراستهم فى القتال . وكانوا ممزقين أيضاً . رغم أنهم قليلو العدد .

ولم تكن لهم قوة أو سطوة العرب فى الشمال الذين عاشوا على الأرض المزروعة .

ولكن الرسول استطاع لأول مرة فى التاريخ . أن يوحد بينهم وأن يملأهم بالإيمان وأن يهديهم جميعاً بالدعوة إلى الإله الواحد . ولذلك استطاعت جيوش المسلمين الصغيرة المؤمنة أن تقوم بأعظم غزوات عرفتها البشرية . فاتسعت الأرض تحت أقدام المسلمين من شمالى شبه الجزيرة العربية وشملت الإمبراطورية الفارسية على عهد الساسانيين وإلى الشمال الغربى واكتسحت بيزنطة والإمبراطورية الرومانية الشرقية ..

وكان العرب أقل بكثير جداً من كل هذه الدول التى غزوها وانتصروا عليها .

وفى 642 انتزع العرب مصر من الإمبراطورية البيزنطية ، كما أن العرب سحقوا القوات الفارسية فى موقعة القادسية فى 637 وفى موقعة نينوى فى 642 ..

ففى 711 اكتسحت القوات الإسلامية شمال أفريقيا حتى المحيط الأطلسى . ثم اتجهت القوات الإسلامية بعد ذلك إلى مضيق جبل طارق وعبروا إلى أسبانيا . وساد أوروبا كلها شعور فى ذلك الوقت ، بأن القوات الإسلامية تستطيع أن تستولى على العالم المسيحى كله …

ولكن فى 732 وفى موقعة تور بفرنسا ، انهزمت الجيوش الإسلامية التى تقدمت إلى قلب فرنسا .

ورغم ذلك فقد استطاع هؤلاء البدو المؤمنون بالله وكتابه ورسوله ، أن يقيموا إمبراطورية واسعة ممتدة من حدود الهند حتى المحيط الأطلسى وهى أعظم إمبراطورية أقيمت فى التاريخ حتى اليوم وفى كل مرة تكتسح القوات الإسلامية بلدا فإنها تنشر الإسلام بين الناس .

ولم يستقر العرب على هذه الأرض التى غزوها ، إذ سرعان ما انفصلت عنها بلاد فارس . وإن كانت قد ظلت على إسلامها .. وبعد سبعة قرون من الحكم العربى لأسبانيا والمعارك المستمرة تقدمت نحوها الجيوش المسيحية فاستولت عليها . وانهزم المسلمون ..

أما مصر والعراق مهدا أقدم الحضارات الإنسانية . فقد انفصلتا .. ولكن بقيتا على دين الإسلام .. وكذلك كل شمال أفريقيا ..

وظلت الديانة الجديدة تتسع على مدى القرون التالية فهناك مئات الملايين فى وسط أفريقيا وباكستان وأندونسيا بل إن الإسلام قد وحد بين أندونسيا المتفرقة الجزر والديانات واللهجات وفى شبه القارة الهندية انتشر الإسلام وظل على خلافات مع الديانات الأخرى .

والإسلام مثل كل الديانات الكبرى كان له أثر عميق فى حياة المؤمنين به ولذلك مؤسسو الديانات الكبرى ودعاتها موجودون فى قائمة المائة الخالدين .

وربما بدأ شيئاً غريباً حقاً .. أن يكون الرسول محمد صلى الله عليه وسلم فى رأس هذه القائمة .رغم أن عدد المسيحيين ضعف عدد المسلمين وربما بدأ غريباً أن يكون الرسول عليه السلام هو رقم واحد فى هذه القائمة ،بينما عيسى عليه السلام هو رقم 3 وموسى عليه السلام رقم 16

ولكن لذلك أسباب : من بينها أن الرسول محمداً صلى الله عليه وسلم قد كان دوره أخطر وأعظم فى نشر الإسلام وتدعيمه وإرساء قواعد شريعته أكثر مما كان لعيسى عليه السلام فى الديانة المسيحية . وعلى الرغم من أن عيسى عليه السلام هو المسؤول عن مبادىء الأخلاق فى المسيحية غير أن القديس بولس هو الذى أرسى أصول الشريعة المسيحية وهو أيضاً المسئول عن كتابة الكثير مما جاء فى كتب «العهد الجديد » أما الرسول فهو المسئول الأول والأوحد عن إرساء قواعد الإسلام وأصول الشريعة والسلوك الاجتماعى والأخلاقى وأصول المعاملات بين الناس فى حياتهم الدينية والدنيوية كما أن القرآن الكريم قد نزل عليه وحده وفى القرآن الكريم وجد المسلمون كل ما يحتاجون إليه فى دنياهم وآخرتهم .

والقرآن الكريم نزل على الرسول صلى الله عليه وسلم وسجلت آياته وهو مايزال حياً وكان تسجيلاً فى منتهى الدقة فلم يتغير منه حلرف واحد وليس فى المسيحية شىء مثل ذلك فلا يوجد كتاب واحد محكم دقيق لتعاليم المسيحية يشبه القرآن الكريم وكان أثر القرآن الكريم على الناس بالغ العمق ولذلك كان أثر محمد على الإسلام أكثر وأعمق من الأثر الذى تركه عيسى عليه السلام على الديانة المسيحية فعلى المستوى الدينى كان أثر محمد قوياً فى تاريخ البشرية وكذلك كان عيسى عليه السلام وكان الرسول عليه السلام على خلاف عيسى عليه السلام رجلا دنيويا ً فكان زوجاً وأباً وكان يعمل فى التجارة ويرعى الغنم وكان يحارب ويصاب فى الحروب ويمرض … ثممات

ولما كان الرسول قوة جبارة في مكن أن يقال أيضاً إنه أعظم زعيم سياسى عرفه التاريخ

وإذا استعرضنا التاريخ .. فإننا نجد أحداثاً كثيرة من الممكن أن تقع دون أبطالها المعروفين .. مثلا كان من الممكن أن تستقل مستعمرات أمريكا الجنوبية عن أسبانيا دون أن يتزعم حركتها الاستقلالية رجل مثل سيمون بوليفار هذا ممكن جدا على أن يجىء بعد ذلك أى إنسان ويقوم بنفس العمل.

ولكن من المستحيل أن يقال ذلك عن البدو وعن العرب عموما وعن امبراطوريتهم الواسعة دون أن يكون هناك محمد فلم يعرف العالم كله رجلاً بهذه العظمة قبل ذلك وما كان من الممكن أن تتحقق كل هذه الانتصارات الباهرة بغير زعامته وهدايته وإيمان الجميع به

ربما ارتضى بعض المؤرخين أمثلة أخرى من الغزوات الساحقة كالتى قام بها المغول فى القرن الثالث عشر والفضل فى ذلك يرجع إلى جنكيز خان ورغم أن غزوات جنكيز خان كانت أوسع من غزوات المسلمين فإنها لم تدم طويلا ولذلك كان أثرها أقل خطراً وعمقاً

فقد انكمش المغول وعادوا إلى إحتلال نفس الرقعة التى كانوا يحتلونها قبل ظهور جنكيز خان ،وليست كذلك غزوات المسلمين فالعرب يمتدون من العراق إلى المغرب وهذا الامتداد يحتوى دولاً عربية لم يوحد بينها الإسلام فقط ولكن وحدت بينها اللغة والتاريخ والحضارة ومن المؤكد أن إيمان العرب بالقرآن هذا الإيمان العميق هو الذى حفظ لهم لغتهم العربية وأنقذها من عشرات اللهجات الغامضة صحيح أن هناك خلافات بين الدول العربية وهذا طبيعى ولكن هذه الخلافات يجب ألا تنسينا الوحدة المتينة بينها .

مثلاً : لم تشترك إيران المسلمة وأندونسيا المسلمة فى فرض حظر البترول على العالم الغربى فيما بين 1973 و 1974 بينما نجد أن الدول العربية البترولية قد شاركت جميعا فى هذا الحظر !

وهذا الموقف العربى الموحد يؤكد لنا أن الغزوات العربية التى سادت القرن السابع مايزال دورها عميقاً وأثرها بليغا فى تاريخ الإنسانية حتى يومنا هذا

فهذا الامتزاج بين الدين والدنيا هو الذى جعلنى أؤمن بأن محمداً هو أعظم الشخصيات أثراً فى تاريخ الإنسانية كلها!

 

SHARE

اترك تعليق