إسماعيل منتصر

فى السفر سبع فوائد كما يقولون.. وقد جاء فى كتب التراث أن هذه الفوائد السبع هى الترويح عن النفس وطلب الرزق وطلب العلم النافع وتحصيل الآداب وصحبة كرام الناس واستجابة الدعاء والخبرة فى الناس..
لكن بالطبع ليست هذه الفوائد السبع هى نهاية المطاف.. فمن المؤكد أن هناك فوائد أخرى يكتشفها المسافر حسب تجربته.. أنا شخصيا أعتبر أن الفائدة الثامنة للسفر هى الطعام أو بالتحديد تذوق الأطعمة الجديدة عليك والغريبة عنك!
ولا يجب أن يستهين أحد بهذه الفائدة الثامنة.. فمن الممتع أن يضيف الإنسان لذاكرة التذوق مذاقا جديدا خاصة إذا كان لذيذا!
يقول الفيلسوف الساخر جورج برنارد شو: لا يوجد حب مخلص كحب الطعام!.. والمعنى أن الحب الحقيقى المخلص هو حب الإنسان للطعام.. الرجل يمكن أن يحب امرأة ثم يمل منها، والزوجة يمكن أن تحب زوجها ثم تخونه.. حتى الأبناء يمكن أن يحبهم الإنسان ثم يكرههم لتصرفاتهم، حتى الوطن يمكن أن يخونه البعض ويتجسس عليه، لكن هل سمعت يوما عن إنسان يخون طعامه أو يمل منه؟!.. هل سمعت عن إنسان “يطلق” طعامه؟!.. هل سمعت عن إنسان يتجسس على طعامه؟!.
وربما لهذه الأسباب أحرص دائمًا عند السفر إلى الخارج على تناول الأطعمة التى لم يسبق لى تناولها.. وهكذا تذوقت طعم شرائح سمك القرش ولحم الكانجرو ولحم الغزال وتناولت أطباقا لا نعرفها مثل طبق البايا أو البهية الأسبانى.. وهو طبق كان مشهورًا أيام وجود العرب فى الأندلس وكان يطلقون عليه اسم “البقية” لكنه صرف بعد ذلك إلى البايا أو البهية.. ويتكون هذا الطبق من الأرز مضافا إليه قطع صغيرة من اللحوم والدواجن والأسماك، بالإضافة لنوع أو اثنين من الخضراوات ولأن مكونات هذا الطبق يتم الحصول عليها من بقايا الطعام أطلق عليه العرب هذا الاسم.. البقية والذى صرف بعد ذلك إلى البايا أو البهية!
وليس فى استطاعتى بالطبع أن أتذكر كل أطباق الطعام الغريبة التى تناولتها خلال رحلاتى للخارج.. لكننى أتذكر أن هذه العادة، عادة تناول الأطعمة الغربية.. كانت تسبب لى أحيانا بعض الحرج وأحيانا بعض القرف (!!!)
فى العاصمة العمانية مسقط تناولت عشائى يوما فى واحد من أرقى مطاعم فندق قصر البستان وهو الفندق الذى أقيم خصيصا لاستضافة القمم الخليجية..
قرأت قائمة الطعام بعناية فوقع اختيارى على طبق لم يسبق لى تجربته.. سلة فواكه البحر..
جاء الجرسون يسألنى فأخبرته بما أريد لكننى لم أفهم لماذا أعاد علي السؤال وهو ينظر إلى بطريقة غريبة لكنه فى النهاية انصرف ليأتى لى بعشائى.
فوجئت به يحضر أنبوبة بوتاجاز صغيرة يمتد منها خرطوم طويل فى نهايته موقد صغير..
تصورت أنها طريقة لتسخين الطعام لكننى فوجئت به يحضر إناء كبيرا مملوءا لنصفه بالماء ويضعه على الموقد.. ثم قام بإحضار صينية كبيرة مقسمة إلى مربعات كل مربع بداخله نوع من المأكولات البحرية، أسماك.. جمبرى.. كابوريا.. سبيط.. استاكوزا، وغيرها من المأكولات البحرية، لكننى لاحظت أنها نيئة وغير ناضجة.. ثم جاء بصينية صغيرة مقسمة إلى دوائر صغيرة، كل دائرة منها عبارة عن طبق صغير جدًا به نوع من “الصوص” يختلف لونه عن الآخر.. أزرق.. أحمر.. بنى.. أسود.. أصفر..
كانت الصينية تبدو وكأنها عليه ألوان مائية كبيرة.. ثم عاد الجرسون فأحضر إناء به أرز بالبازلاء والجزر.. وأخيرًا أحضر مصفاه لها يد طويلة..إيه ده كله.. إيه ده كله.. على رأى نجيب الريحانى.
نظرت إلى الجرسون كأنى أستنجد به فجاء مسرعا وكأنه كان يعرف مسبقا أننى أحتاج مساعدته!.. ثم راح يشرح لى كيفية التعامل مع هذا العشاء!..
اختر ما تريد من المأكولات البحرية ثم قم بإسقاطها فى المياه حتى تنضج واستخرجها بالمصفاه وضعها فى طبقك.. ثم أضف إليها ما تفضل من الصوص.. جربها فكلها لذيذة.. ثم ضع فى طبقك ما يناسبك من الأرز.. وبالهنا.. “بونا ابيتيه”!..
قلت له لكن ذلك كثير على شخص واحد فقال وهو يبتسم: هذا النوع من الأطباق يكفى أربعة أشخاص وهو يتيح لهم أن يقضوا وقتا طويلا وهم يتناولون عشاءهم ويتحدثون.
قلت له مندهشا.. ولماذا لم تخبرنى فقال وهو يتصنع الأدب الزائد.. حسبتك فى انتظار أصدقائك لتناول العشاء معك.. “بونا ابيتيه”!.. ولم أجرؤ على الكلام حتى انتهيت من العشاء (!!!)
وفى الصين كانت لى تجربة أخرى..
حاولت البحث عن مطعم أتناول فيه العشاء فاكتشفت أن كل المطاعم بلا استثناء لا توجد بها قوائم للطعام باللغة الإنجليزية.. كلها مكتوبة باللغة الصينية!..
امتزج اليأس بالجوع وأنا أبحث عن مطعم يمكننى أن أتناول فيه عشائى، وأخيرًا لمحت مطعم “كينتاكى”.. يا فرج الله!..
دخلت المطعم وفى نيتى أن أكتفى بطلب بطاطس مقلية وسلاطة خوفا من تناول اللحوم والدواجن.. لكننى وجدت أننى أستطيع تناول ساندوتشات السمك المقلى فلم أتردد.. وبينما كنت أتفحص قائمة الطعام اكتشفت أننى أستطيع الحصول أيضا على شوربة “السى فود” التى أعشقها فلم أتردد فى طلبها..
حملت صينية عليها ساندوتشات السمك وعلبة بلاستيك ضخمة بداخلها شوربة السى فود واخترت مائدة مناسبة أجلس عليها..
قلت لنفسى أبدأ بتناول الشوربة وهى ساخنة.. وما أن فتحت علبة الشوربة وقبل أن أفتحها بالكامل وجدت نفسى أحمل العلبة وألقى بها فى صندوق القمامة (!!!)
كانت رائحة الشوربة لا تطاق!..
المهم أننى اكتشفت بعد خمسة أيام قضيتها فى العاصمة الصينية بكين أن الأكل الصينى لذيذ فى كل دول العالم إلا فى الصين (!!!)
ولا تقتصر ذكريات الطعام عندى على نوع الأطعمة وإنما هى تشمل أيضا المناسبات التى تناولت فيها هذه الأطعمة.. وبالطبع فإن أهم هذه المناسبات هى المناسبات التى تناولت فيها الطعام مع الملوك والرؤساء!..
أتاحت لى مهنتى أن أتناول الطعام مع عدد من الرؤساء والملوك.. وأول رئيس تناولت معه الطعام كان الرئيس السادات رحمه الله!
استطاع الأستاذ أنيس منصور رئيس تحرير مجلة أكتوبر أيام السادات إقناعه بلقاء أسرة تحرير المجلة.. قال له إن مجلة أكتوبر من “بنات أفكارك” لكنك حتى الآن لم تقابل أحفادك.. أبناء مجلة أكتوبر.. ابنتك!..
وافق الرئيس السادات فذهبنا للقائه فى منزله الريفى بقرية ميت أبو الكوم.. وعندما حان وقت الغذاء منينا أنفسنا بوجبة محترمة تليق بمقام السادات..
وحان وقت الغذاء فأصابتنا جميعا صدمة.. كان الغذاء عبارة عن رغيف بلدى بداخله أربع قطع لحم متوسطة وزجاجة مياه غازية(!!!)
وعندما توليت منصب رئيس تحرير مجلة أكتوبر أتيح لى تناول الطعام كثيرا مع الرئيس الأسبق حسنى مبارك..
كانت الدعوة لتناول الغذاء والعشاء مع الرئيس مبارك توجه لرؤساء التحرير فى مناسبات مختلفة.. أذكر معظمها بالطبع لكن المناسبة التى أذكرها جيدًا هى وجبة الغذاء التى حرمت منها بسبب الرئيس مبارك!..
كنا فى الطائرة الرئاسية وعندما حان وقت تناول الغذاء وزعت علينا المضيفة صوانى الطعام لكننى انشغلت عن الطعام بتدوين بعض الملاحظات التى سمعتها من السفير سليمان عواد المتحدث الرسمى باسم الرئاسة.. وعندما انتهيت وبدأت تناول غذائى وبعد لقمتين أو ثلاثة دخل الرئيس مبارك الكابينة التى نجلس فيها..
وقفنا جميعا لتحيته وأشرت أنا للمضيفة لتحمل صينية الطعام.. لكن الرئيس مبارك أشار لى مبتسما وطلب منى أن أكمل غذائى.. وبالطبع لم أفعل وتمسكت بمخالفة القرار الجمهورى (!!!)
وفى غزة تناولت الغذاء مع الرئيس الراحل ياسر عرفات.. قطعة سمك كبيرة مقلية فى زيت الزيتون مع أرز أحمر..
لم أستسيغ طعم السمك لكن الجوع كافر كما يقولون.. وبعد الغذاء أصابنى ما أصابنى ولم أستطع أن أضع لقمة فى فمى حتى عدنا للقاهرة مساء اليوم التالى!..
وفى الرياض وفى أحد القصور الملكية تناولت طعام الغذاء فى حضرة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز الذى أقام مأدبة غذاء على شرف الرئيس مبارك..
امتلأت الموائد بأصناف وألوان من الطعام لكن أحد زملائنا نصحنا بعدم الاقتراب من كل هذه الأصناف والتركيز على لحم البعرور (الجمل الصغير).. ولم يندم أحد على العمل بهذه النصيحة!..
وفى ليبيا وفى قلب الصحراء استقبلنا الرئيس الراحل معمر القذافى فى خيمته الشهيرة وتناولنا معه طعام الغذاء.. كوسة وأرز ولحم مسلوق والحلو موز!..
وضع القائمون على الخدمة أنية كبيرة مملوءة بالطعام ومعها (مغارف) طويلة.. وقام كل واحد منا بوضع الكميات التى يحتاجها.. كأننا نجلس على السفرة فى المنزل!..
أما أفخم مناسبة تناولت فيها الطعام فكانت فى قصر الكرملين بالعاصمة الروسية موسكو.
وقف الرئيس بوتين وإلى جانبه الرئيس مبارك لمصافحتنا عند دخولنا إلى قاعة الطعام..
كان الرئيس بوتين يبدو ممشوق القوام وهو واقف لاستقبالنا كأنه وصل لتوه من عصر القياصرة (!!!)
جلسنا فى الأماكن المخصصة لنا.. كل ثمانية يجلسون على مائدة.. وكل مائدة يخدمها أربعة.. يضعون الأطباق على المائدة ويرفعوها فى توقيت واحد.. كأنهم جنود فى كتيبة عسكرية يؤدون مهمة قتالية!..
ولا أزال حتى اليوم أحتفظ بقائمة الطعام التى كانت موجودة على كل مائدة.. جمبرى مع خضرة.. صدر بطة مدخن بصلصة العنب البرى.. شوربة “تشيخرتما” بالديك الرومى.. لحم خروف صغير.. والحلو آيس كريم!..
كان عشاء أسطورى بكل المقاييس.. ومن وجبة غذاء لا تزيد عن رغيف بلدى وأربع قطع لحم فى قرية مصرية إلى عشاء أسطورى فى بيت القياصرة.. كانت ذكرياتى لها طعم!..

اترك تعليق