انتحار - أرشيفية

تحقيق – سماح عطية

اعتاد أهالي القري الريفية استخدامها في مقاومة السوسة بمحصول القمح عقب تخزينه ،كما يحرص المزارعون علي تواجدها معهم بصفة دائمة لمقاومة سوسة النخيل حتي أصبحت جزء لايتجزأ من العملية الزراعية للحفاظ علي المحصول- شقي وتعب شهور- خاصة وأنها متاحه للبيع وبأسعار لايصدقها عقل ، الحبة منها بخمسة جنيهات فقط!! عن الحبة السوداء ،حبة القمح السامة نتحدث هذه الحبة التي وأن صغرت في حجمها فهي كبيرة في كوارثها تلك الحبة السامة التي جعلت أهالي محافظة البحيرة وغيرها يستيقظون علي عويل وصراخ ويمسون علي حزن لفقد عزيز لديهم بعد أن أصبحت ” حبة الموت” لمن يريد التخلص من الحياة تحت وطأة الظروف وأن أختلفت حالات الانتحار التي تزداد يوم بعد يوم تحولت إلي ظاهرة مخيفة تحصد أرواح أطفال ونساء ورجال ،الكارثة التي يغفل عنها السادة المسئولين – عن عمد لأن السكوت من ذهب – أن حبة القمح السامة تباع في الصيدليات وفي محال البقالة ومحال الأدوات المنزلية وأحيانا كثيرة تباع علي الرصيف لمن يرغب في الموت منتحرا في أقل من عشرة دقائق.

الفقر وتراكم الديون

(دار المعارف)  أقتربت أكثر من بعض الأسر التي فقدت أحد من أفرادها نتيجة تناول الحبة السوداء القاتلة …. حيث قال (س .ع ). مزارع من قرية دست الأشراف بمدينة كوم حمادة محافظة البحيرة …أن ظاهرة تناول الأهالى لحبة القمح السوداء بغرض الانتحار نشهدها منذ أكثر من عشر سنوات وعلي فترات و لم تكن بهذه الصورة البشعة ….فنحن كأسرة عشنا مأساة منذ عدة سنوات حينما تناولت إحدي فتيات الأسرة حبة القمح السودا عقب مشاجرة بينها وبين أشقائها بسبب سوء معاملة أمها فقررت التخلص من حياتها بالحبة السودا وفي أقل من دقائق انتهت وتتكرر المأساة مرة أخري الأسبوع الماضي ففي أثناء مشاهدتي إحدي مباريات كأس العالم فوجئت بمكالمة تليفونية من ابن شقيقي يخبرني بأن الحالة الصحية لوالده (58 سنة) سيئة للغاية فاسرعنا به إلي أحد الأطباء الذي قام بتحويله للمستشفي نظرا لحالته الخطيرة  وتم إدخاله العناية المركزة وبعد أقل من ساعتين لفظ أنفاسه وقبل وفاته اعترف للطبيب أنه تناول حبة القمح السودا بسبب الظروف المعيشية الصعبة وتراكم الديون عليه بالإضافة إلي عجزه عن توفير نفقات زواج بناته ….ويشير بقوله… لم ينتابني الدهشة لأن القرية أصبحت تعيش هذه الكارثة شبه يومي ولما لا؟ والحبة تباع بجنيهان وعلي الرصيف …فقد شهدت قرية حدين (18) حالة انتحار خلال العامين الماضين…و(9) حالات انتحار في قرية دست الأشراف في سنة واحدة تلك القرى التي تقع في محافظة البحيرة فقط فما بالك بباقي قري ونجوع الريف في المحافظات الاخري

الخوف وقسوة المعاملة

فى حين أكد  والد  الطفلة (س.م) 15 سنة طالبة الإعدادي والتي تعد  مأساة إنسانية بكل المقاييس ،ابنتي كانت في المرحلة الإعدادية وفي نفس عمرها ابنة عمها وعند ظهور النتيجة فوجئت بحصول ابنتي علي مجموع 50% فقط أما ابنة عمها فقط حصلت علي مجموع كبير يؤهلها للالتحاق بالثانوي العام ….فانتابها الخوف الشديد خاصة من والدتها التي توعدتها بالعقاب الشديد في حالة رسوبها أو نجاح بلا فائدة …وقد اشتاطت والدتها غضبا بعدما ” عايرتها” زوجة أخي بخيبة ابنتي ،فازداد الخوف بداخلها وقررت التخلص من حياتها دون أن نعلم وصعدت لسطح المنزل وابتلعت الحبة عندما شعرت بغيابها صعدت للسطح ووجدتها في حالة سيئة وفي يدها علامات استخدام الحبة القاتلة حيث أن حبة القمح لها رائحة نفاذة جدًا وكريهه ومعروفة لدينا هذه الرائحة كانت لصيقة بيد ابنتي هنا تأكدت أنها انتحرت بحبة القمح القاتلة التي كانت موجودة بالبيت لأننا نستخدمها في القضاء علي الحشرات كالفئران والصراصيروغيرها

فأسرعت بها إلي المستشفي ولكنها ماتت مني في الطريق خاصة وأن تلك الحبة  عند تناول الحبة تقوم بتفجير الأمعاء وتدمير الرئة والكلي والكبد ويتوفي الإنسان بعد أقل من عشر دقائق من تناولها

يصمت لحظات ويبكي ويقول ….لا أعلم لماذا فعلت ذلك فقد كنت حسمت الأمر بان تكتفي بهذا القدر من التعليم وتلزم المنزل لأني غير قادر علي المصروفات الدراسية والدروس الخصوصية من أين لي بنفقات التعليم وأنا أعمل باليومية من الساعة السادسة صباحا وحتي غروب الشمس… وفي أحيان كثير لاأجد ثمن عشرة أرغفة لأسرتي…

القدر انقذني

أما لاعب الكاراتيه (ح.ش ) فقد قرر الانتحار للتخلص من مشاكلة ولكن القدر انقذه ومازال علي قيد الحياة ولكن بالطبع خلفت عملية الانتحار عدة أمراض مازال يعاني منها حتي الأن فيقول…نشأت في أسرة تعاني من الفقر الشديد والحرمان الأشد من كل شئ في الحياة وفي المدرسة كنت أشعر بالتفرقة بيني وبين زملائي نظرا لفقري…وحصلت علي مجموع يؤهلني للثانوي العام ولكن لم يكن والدي يملك قوت اليوم فالتحقت بالثانوي الزراعي وحصلت علي دبلوم الزراعة وتم تعيني بوزارة الصحة وتزوجت وأنجبت بنتين وحدثت مشاكل بيني وبين زوحتي أدت إلي الانفصال كما حدثت مشاكل بيني وبين أشقائي ولأن المصائب لاتأتي فرادي فقد قررت مشاركة أحد الأصدقاء في مشروعي ومنحته كل ما أملك وفشل المشروع وضاعت تحويشة العمر …هنا الدنيا اظلمت أمام عيني بعد أن خسرت كل شئ وقررت تناول حبة القمح قمت بشراءها من أحد محال البقالة ولم يكن معي سوي أربعة جنيهات فقط وهي ثمنها خمس جنيهات وبعد الحاح وتوسل قبل صاحب المحل بيعها لي بأربعة جنيهات وتناولتها علي الفور بعد أن قمت بوضعها داخل ورقة منديل تفاديا لرائحتها التي لاتطاق….. ولكن بعد مرور عدة دقائق ونظرا لرائحتها الكريهة شعرت بغثيان وتقيئت ورأت الموت يحيط بي ولم أشعر بنفسي إلا بعد عشر ساعات بأني مازلت علي قيد الحياة….يضيف قائلا…..وما ساعد علي انقاذي بعد الله سبحانه وتعالي أنني كنت قد تناولت طعام الغداء بالإضافة إلي كميات كبيرة من المياه للتخلص من رائحتها عقب تناولها…أنا مازلت حي ولكني اعاني من صعوبة في التنفس والنطق وبعض الأمراض نتيجة تناول هذه الحبة السامة بسبب المعاناة من الفقر والحرمان

الطمع

وكان طمع الأسرة سببا في تخلص (خ.ر) ذات الثمانية عشرة ربيعا التخلص من حياتها حيث يؤكد والدها بقوله….بعد حصولها علي الدبلوم تمت خطبتها لأحد شباب القرية ولكن بعد فترة تقدم للزواج منها رجل ثري فوافقت عليه الأسرة بعد أن قمنا باخبار خطيبها بفسخ الخطبة رغما عنها ….ولكننا فوجئنا بتناولها حبة القمح السودا وقبل أن تلفظ أنفاسها قالت ” أخذت الحبة علشان أريح نفسي”….يصمت قليلا ويقول الشئ الوحيد الذي كان بارادتها هو الانتحار والتخلص نهائيا من الحياة

البطالة السبب

لم تقتصر ظاهرة الانتحار بحبة القمح السامة علي القري الريفية فقط بل أمتدت إلي محافظة الإسكندرية التي شهدت فيهاالمستشفي الرئيسي الجامعي وصول شاب يدعي(ي.م.ع) 24 سنة وحاصل علي بكالوريس سياحة وفنادق وهو في حالة اعياء شديدة وتوفي عقب وصوله وقد أكد والده أنه تناول قرص لحفظ حبوب القمح بسبب مروره بحالة نفسية سيئة في الفترة الأخيرة نظرا لفشله في إيجاد وظيفة

شديدة السمية

 وعن هذه الحبه يقول المهندس محمود الفيل رئيس مجلس ادارة شركة الإسكندرية للمطاحن الأسبق .أن حبة القمح والتي يطلق عليها الحبة السودا القاتلة تتكون من سياند الفسفور وهي مادة شديدة السمية ….وتستخدم في تطهير صوامع القمح لمقاومة السوس كما تستخدم في مقاومة سوس النخيل  وأيضا في المراكب التجارية ….وعند استخدامها يتم إتخاذ احتياطات شديدة نظرا لسمويتها القاتلة ومنها ضرورة ارتداء العمال للكمامات لحمايتهم من رائحتها النقاذة الكريهه أثناء عمليات التبخير للصوامع ولايجوز فتح الأماكن التي نستخدم فيها حبة القمح إلا بعد مرور (48) ساعة …..وهناك بعض الأهالي الذين يستخدمون الحبة السودا السامة – حبة القمح –في مقاومة السوس بالأثاث في المنازل وأيضا مقاومة الحشرات المنزلية

غياب الرقابة

ويضيف أنه  للأسف منذ فترة بدأ أهالي القري في استخدامها استخداما مخيف فكل من يريد التخلص من الحياة يسرع إلي شراء حبة القمح السامة والمتاحة أمام الجميع حيث تباع في الصيدليات والمحال العامة ومن يريد شراء علبة يكون ثمن الحبة جنيهان فقط ومن يريد شراء حبة واحدة يصبح ثمنها خمس جنيهات….ويتعجب بقوله….غياب الرقابة من المسئولين أدي بأن أصبح الموت بخمسة جنيهات ….هل يعقل ذلك؟

في حين أكد الدكتور مجدي الدسوقي باحث أول متفرغ بمعهد بحوث وقاية النباتات وآفات الحبوب المخزنة بمركز البحوث الزراعية أن هذه الحبة مصنعة من مادة فوسفيد الأيدورجين تلك المادة التي تصنع في صورتين أقراص زنه القرص ٣ جرام أو في صورة بلورات زنه البلوره ٦. ٠  وتعد من أفضل أنواع المواد التي تستخدم في علاج ووقاية الحبوب من الإصابة بالسوس وخاصة القمح والتي قد تحافظ عليه لكده ٦ شهور حيث يتم استخدمها للتخزي

ضعف الوازع الديني

وعن الأسباب الدينية لتمركز هذه الظاهرة في مناطق معينه وفئات بعينها يقول  الشيخ محمد يوسف إبراهيم أمام وخطيب بوزارة الأوقاف أن ..هذه الظاهرة المخيفة تعود إلي ضعف الوازع الديني أولا ثم الضغوط والظروف المعيشية الصعبة التي تمر بالمواطن الذي يجد الخلاص منها بالانتحار وهو أمر مرفوض دينيا لأنه قتل عن قصد.

اترك تعليق