أحمد عاطف آدم

ألقت جريمة قتل صيدلانية بالنزهة منذ عدة أيام لطفلتها البالغة من العمر ٦ سنوات بظلالها القاتمة علي الرأي العام لبشاعة تلك الحادثة وعدم منطقية أبعادها، فالأم حاصلة علي بكالوريوس في علوم الصيدلة ومن المفترض أنها علي دراية كاملة بمخاطر الدواء ومنافعه، ومع ذلك أقرت في اعترافاتها أمام نيابة النزهة بأنها اعتادت علي تناول أقراص “الفيل الأزرق” المخدرة للهروب من مشاكلها مع طليقها، وأنها قررت إنهاء حياة طفلتها بوضعها الأقراص المخدرة لها في العصير، وبعدما فاقت الأم من غيبوبتها المتأثرة بمفعول تلك الحبوب – وجدت طفلتها قد فارقت الحياة !!

ومن المعروف علمياً أن هذا العقار اسمه العلمي ” DMT” أو “ثنائي ميثيل تريبتامين”، وهو من الأدوية المهلوسة وينتج عنه تأثيرات مشابهة لتلك المرتبطة بالمخدرات، أما بالنسبة لآثاره النفسية – فقد وصف الخبراء شعور بعض المتعاطين كأنهم يسافرون بسرعة الإعوجاج عبر نفق من الأضواء والأشكال الساطعة، بينما يصف البعض الآخر خوضهم تجربة خارج الجسم وأنهم قد تحولوا إلى شيء آخر، وهناك أيضاً من يتوهمون زيارتهم لعوالم غريبة والتواصل مع كائنات شبيهة بالإنسان.

وبربط الحقائق العلمية سالفة الذكر بفكر مؤلف فيلم الفيل الأزرق أحمد مراد، سنجد أنه ارتكز علي تلك الهلاوس المرضية المرتبطة علمياً بالمادة الفعالة ( دي إم تي ) والتي أَطْلَق عليها نفس أسم الفيلم، وأن تعاطي بطل العمل الفنان كريم عبدالعزيز لحباية الفيل الأزرق كان هو التحول الإيجابي نحو فك طلاسم هذا المس وتحرير البطلة المريضة هند صبري من أسر الشياطين، وبالتبعية ذهب تجار الموت من مروجي العقاقير الفتاكة والمتداولة بشكل غير شرعي، في نفس اتجاه مؤلف العمل السينمائى بإطلاق اسم (( الفيل الأزرق )) علي هذا العقار الشيطاني الذي شابهُ نهج خبيث في التحضير كيميائياً بغرض تحقيق هدفه التجاري الخسيس وليس الطبي الموجه.

وما بين الإقبال علي المادة الهلامية للفيلم والمادة المهلوسة والمدمرة بحباية (( الفيل الأزرق ))، نكتشف هنا مدي وصول شبابنا إلي طريق اللاعودة باقتناعة بخزعبلات لا تمت للواقع بصلة تذكر، لدرجة أن الصيدلانية المثقفة اعتبرت تناول العقار هو تحولاً إيجابياً وحلاً أمثل للهروب من مشاكلها فقامت بتسميم ابنتها وقتلتها باللاوعي.

وعندما يصل بنا الحال إلي خلط الباطل بالحق والواقع بالخيال – ليس في الفئة الدنيا أو متوسطة الثقافة فحسب – بل أيضاً من هم في قمة هرم العلم كنوع من الهروب غير الآمن من مشاكل وأزمات الحياة، لذا وجب دَق ناقوس الخطر بقوة.

وأري أن الإهتمام بدراسة تلك الظواهر المارقة أصبحت ضرورة حتمية، وهذا لن يحدث علي أرض الواقع إلا بتعظيم دور المنظمات البحثية المختلفة، مثل المركز القومي للبحوث الإجتماعية والجنائية – الذي يستهدف بدوره النهوض بالبحوث العلمية وتناول المسائل الاجتماعية الجديرة بالبحث، وطرح الحلول العلمية المناسبة للظواهر السلبية التى يعانى منها المجتمع المصرى، هذا بجانب الإهتمام بإلقاء الضوء علي بحوث الرأي العام التابعة لكلية الإعلام جامعة القاهرة ودورها المحوري في ربط نتائج قياسات الرأي المجتمعي بالحلول المناسبة، بالإضافة لعودة تركيز التليفزيون المصري وقنواته سواء التابعة للدولة أو الفضائية الخاصة بالبرامج ذات الطابع التوعوي، الموجه بصفة خاصة لفئة الشباب والتأكيد علي القيم الدينية والأخلاقية وكذلك الوطنية داخل مجتمعنا.

اترك تعليق