حورية عبيدة

انقلبتْ دنيا “التواصل الاجتماعي” رأسًا على عقِب؛ ووقَف الجميع على قَدمٍ وساق؛ يصبون اللّعنات زُرافاتٍ ووحدانًا على الُأم التي ضربتْ طفلها بكل قسوة؛ وصوَّرته بـ “الفيديو”؛ مُجبرةً إياه على توصيل رسالة بائسة باكية هصرتْ قلوبنا جميعًا؛ مفادها أنها لا تود الطفل؛ وعلى والده أن يأتيه ويتولى أمره في بيت زوجته “الثانية”.. وقتها نُعِتتْ الأم بأسوأ الصفات؛ وكان أكثر تهذيبًا بـ “الشيطانة”.

عطفًا عليه.. تبرع الكثيرون للبحث عن الأب، ولم يعاتبه أحد على إهماله لابنه، ولم يلوموه كي يفرّق بين خلافاته مع الأم “زوجته الأولى”..وبين قسوة ابتعاده التي لا يحق للطفل أن يتحمل جريرتها.

لستُ في معرض الدفاع عن الزوجة أو لوم الأب.. فقد أخطأ كلاهما دون شك.. فضربها المُبرح لابنها لا نوافقها عليه مهما كانت الأسباب، وعليها أن تفرّق بين أوجاعها مع زوجها وكرهها له.. وبين طفلها الذي لا ذنب له في ذلك؛ وإن كان ثمرة زواجٍ باتتْ تبغضه.

كما أنّي لن ألوم الأب لزواجه بأخرى؛ فقطعًا له أسبابه سواء اقتنعنا أو لم نقتنع؛ فذلك شأنه وحده؛ بَيْد أنّا لم ولن نلمس له عذر إهمال ولده؛ وعدم السعي للتخفيف مِن وقْع وطأة الحياة ببيت آخر بعيدًا عنه، وكأن الطفل يخص أمه وحدها! مما جعلها تئن مِن تحمل المسؤولية بمفردها.

أثناء التحقق من الموضوع؛ سيّما وأن جمهور “السوشيال ميديا تحامل على الأم وحدها”.. أقول أثناء التحقق التقوا بالأب الذي طَفِقَ يسرد قصص وحكايات عانى منها مع زوجته مستغلا التعاطف الجماهيري مع طفله.. فصدّق كثيرون ولعنها آخرون؛ واتفقوا على موعدٍ لا يّخلفه “المسكين الشاكي الباكي” ليتسلّم ابنه.

المفاجأة… أن الوَلد رفض الذهاب مع الوالد! وقَصّ بدَوره حكايا وقصص تناقض أقاويل الأب! وصمّمَ على البقاء في حضن أُمه التي ندمتْ على عصبيتها “المؤقتة”، وإن وصفتها “السوشيال ميديا” بالشيطان الرجيم.. واعترفتْ بخطئها تحميل ابنها مكائد الأب وما سببه لها من مآسٍ وآلام.

يا سادة.. هناك نقطتان هامتان؛ أولاهما: أن البيوت أسرار؛ لا يعلمها إلا مَن أُغلقتْ عليهم أبوابها كما يقول فضيلة الشيخ الشعراوي رحمه الله.. والاستماع لطرفٍ واحدٍ دون الآخر حتمًا سيُرجح كفّة على حساب الأخرى.. فجميعنا تغلبنا عواطفنا ونتأثر أكثر باللحن الحزين، ومن هنا كانت عظمة الإسلام باستدعاء حَكم مِن أهله وحَكم مِن أهلها.. بُغية العدل والإنصاف في إبداء الحُكم.. ويتبع ذلك جلوس الزوجين معًا حتى لا يدّعي أحدهما – كذبًا وافتراءً – أثناء غياب الآخر..

ثانيهما: أبناؤنا في عصر التكنولوجيا باتوا أكثر وعيًا؛ وأفضل شاهدًا علينا وعلى مايحدث في بيوتنا.. هم أَقدرُ على تقييم ما يرونه ويعيشونه كل يوم من خلافات بين الوالدين.. وإلا لَما اختار الطفل أمّه وتوجّه بكل حُب وتِرحاب ليعيش مع والده.

اتّقوا الله في أحكامكم واجتهاداتكم.. فقديمًا قالتِ العرب: مِن أخلاق الجاهل: (الحُكم لأحدهم قبل الاستماع لكافة الأطراف بنفس النزاهة وذلك لِهَوى أو حقْدٍ في نفْسه).

فمهارة الحَكي؛ والبراعة في الكلام؛ وإتقان التشاكي والتباكي؛ وادّعاء الأكاذيب.. أدوات قد يجيدها البعض بمهارة؛ ويترفّع عنها كثيرون.. وكم خابت ظنونٌ فيمن أعرناهم مسامعنا وأسبغنا عليهم صدقًا وثقةً لا يستحقونها.

SHARE

اترك تعليق