عاطف عبدالغنى رئيس تحرير بوابة دار المعارف الصحفية
يوم الخميس الماضى 9/1 طالعت خبرا عن ضبط كشّاف كهرباء استطاع خلال عامين، اختلاس مبلغ (مليون و131 ألف جنيه) من عهدته، هى قيمة فواتير استهلاك الكهرباء الخاصة بكبار المشتركين بالشركة محل عمله، قام بتحصيلها، ولم يوردها، وفى سبيل عدم اكتشاف أمره، كان يقوم بتسوية قيمة تلك الفواتير بموجب شيكات خاصة بفواتير عملاء آخرين.
(1)
وفى سياق قريب أعلنت وزارة الداخلية أنه خلال شهر واحد فقط من شهور عام 2019، ضبطت إدارة مباحث الأموال العامة 55 قضية، (تدخل فى دائرة اختصاصها)، بلغ حجم المعاملات المالية فيها أكثر من 300 مليون جنيه، بالإضافة إلى قرابة 3 ملايين أخرى من العملات الأجنبية ما بين (دولار ويورو)، بإجمالى 350 مليون جنيه تقريبا(!) ومن الـ 55 قضية كان هناك 27 قضية أموال عامة (اختلاس ورشوة واستغلال نفوذ وكسب غير مشروع)، وحجم المعاملات فيها 118 مليونا، وهو رقم قد لا يبدو ضخما، لكن لا تنسى أن مباحث الأموال العامة، جهة واحدة من جهات مكافحة جرائم الاعتداء على المال العام، وأن هناك جهات أخرى على رأسها الرقابة الإدارية، صاحبة الهمة والنشاط الكبير فى مكافحة الفساد وجرائم المال العام، خلال السنوات التى تلت ثورة 30 يونيو 2013.
(2)
ولست فى معرض إحصاء أرقام هذه الجريمة، خلال شهر أو سنة، بقدر ما أريد أن ألفت النظر إلى أن السنوات الثلاثة التى أعقبت 25 يناير 2011 قد شهدت مطالبات شعبية جارفة بمحاســبة مرتكبــى جــرائم الاعتــداء علــى المــال العــام، بمـــا يضـــمن تحقيـــق العدالـــة فى مواجهــة مرتكبـــى هــذه الجــرائم مـــن ناحيــة واســـترداد الدولـــة لمالهــا العــام المســلوب بطائفــة مــن صــور الفســاد المــالى والإداري، فيما شهدت السنوات الخمس التالية ثورة 30 يونيو 2013 نشاطا من أجهزة الأمن، والمؤسسات الرقابية، لمكافحة هذه الجريمة، وبسبب هذا النشاط زادت معدلات ضبط الجرائم وسقوط اللصوص فى قبضة العدالة، ومنهم مسئولون لم يكن يتصور أحد من قبل أنه يمكن مساءلتهم.
وتبقى ثقافة الاحتيال واللصوصية التى تجذرت خلال سنوات طويلة نام فيها الفساد فى حضن البيروقراطية، وعشش فى النفوس الضعيفة عائقا، ليس من السهل التخلص منه خلال الأجيال الحالية من موظفى العموم إلا من رحم ربى.
(3)
وعن الطريقة التى يتم بها ضبط مثل هذه الجرائم أريد أن ألفت النظر إلى عبارة مفتاحية تجدها دائما مذكورة فى محاضر ضبط مثل هذه الجرائم وهى: «تبلغ لإدارة مباحث الأموال.. أو تبلغ للإدارة …» فهناك دائما طرف من خارج جهة الضبط هو الذى يبلغ عن الجريمة، وهذا الطرف الثالث غالبًا ما يكون شخصًا أصابه الضرر أو حرّكه ضميره، أو خرج من حسابات الغنيمة موتورا، المهم أن معظم هذه الجرائم يسقط فيها المجرم بالإبلاغ عنه، ثم يخضع للمراقبة والتتبع حتى يسقط متلبسا بالرشوة، ثمن جريمته، يحدث هذا على الرغم من أن مئات بل وآلاف القضايا يمكن أن تسقط بأعمال تحريات بسيطة.
(4)
ولأننا بدأنا موضوعنا بجريمة محصل الكهرباء، أستطيع أن أقول أن فى كل شارع من الشوارع الجانبية، والعشوائية، ظل لجرائم توصيل الكهرباء ودخول عدادات الكهرباء بشكل رسمى لعمارات مخالفة، ليس لديها رخص بناء وتجاوزت المساحات المقررة فى القانون ولم تنشىء غرفة كهرباء (!!).. كيف دخلت لها الكهرباء بشكل رسمى؟! لم يستطع أحد أن يضبط هذا العفريت الذى يستطيع إنجاز هذه المهمة وهو غالبا موظف صغير لا يزيد دوره عن وسيط بين المقاول أو صاحب العقار والمدير الموجود فى المصلحة.. هى أمور يعرفها القاصى والدانى، والعمارات أبراج قائمة تناطح القانون فى الشارع، ولا ينقصها إلا أن نعلق أمامها لافتة مكتوب عليها: انتبه: « أمامك جريمة سرقة مال عام !»

اترك تعليق