السفير محمد حجازي

تمهيد:

تفصلنا أيام قليلة على عقد واحدة من أهم الاجتماعات المصيرية والتاريخية المرتبطة بملف سد النهضة، حيث سيجتمع فى العاصمة الأمريكية واشنطن وزراء الخارجية والموارد المائية والري لكلاً من مصر والسودان وأثيوبيا للتوقيع على اتفاق حول ما تم التوصل إليه عبر جلسات التفاوض السابقة بحضور الوسيط الأمريكي والبنك الدولي، لتحديد قواعد ملئ وتشغيل سد النهضة، وعلي أساس العناصر الست التي أقرها المجتمعون فى اجتماعهم الأخير بواشنطن فى 15 يناير2020 وتنص تلك المبادئ علي الآتي:

1. سيتم تنفيذ عملية الملئ على مراحل، وسيتم تنفيذها بطريقة تكيفية وتعاونية تأخذ في الاعتبار الظروف الهيدرولوجية للنيل الأزرق والتأثير المحتمل للملئ على خزانات دول المصب. ولم يتم توضيح آلية التنفيذ في الملء سوى وضع مبادئ عامة غير محددة قابلة للخلاف في المستقبل.

2. سيتم الملئ خلال موسم الأمطارعامة من يوليو إلى أغسطس، وسوف يمتد إلى سبتمبر وفقا لظروف معينة. وهذا البند لم يقدم جديدا حيث أن الملئ سوف يتم في شهور المطر وهذا أمر طبيعي ولم يحدد ماهية وظروف الملئ، أو حالة التخزين في السد العالي والسدود السودانية.

3. مرحلة الملئ الأولي للسد حتى منسوب 595 متر فوق سطح البحر لضمان التوليد السريع للكهرباء، مع توفير تدابير تخفيف مناسبة لمصر والسودان في حالة الجفاف الشديد خلال هذه المرحلة. وهذا يعني أن مرحلة التشغيل الأولى يتم الملء فيها حتى منسوب 595 متراً، أن ما مجموعة 14 مليار متر مكعب سوف يتم حجزها دون النظر لحالة الأمطار لأنها سوف تحجز في الأسابيع الأولى التي لا يمكن من خلالها معرفة حالة الأمطار للموسم كاملا، ولم يحدد فيها كمية ما سوف يتم حجزه كمخزون ميت، وما يتم صرفه لتوليد الكهرباء.

4. سيتم تنفيذ المراحل اللاحقة للملئ وفقا لآلية يتم الاتفاق عليها تحدد تدفق المياه بناء على الظروف الهيدرولوجية للنيل الأزرق ومستوى التخزين فى سد النهضة بما يحقق أهداف الملء لإثيوبيا في توليد الكهرباء مع أخذ تدابير تخفيف مناسبة لمصر والسودان خلال سنوات قلة الأمطار الممتدة والجافة والجفاف الممتد.

لكن المراحل التالية للملء تعتمد على الظروف الهيدرولوجية للنيل الأزرق ومستوى التخزين في سد النهضة لضمان توليد الكهرباء كما استهدفت إثيوبيا دون النظر إلى مستوى التخزين في السدود السودانية والسد العالي، معنى ذلك أن توليد الكهرباء فى سد النهضة لن يتأثر بالجفاف، وتأثير الجفاف سيكون على مصر والسودان مع الأخذ في الاعتبار تخفيف الأثر عليهما في حالة الجفاف الممتد.

5. خلال التشغيل على المدى البعيد، سيعمل السد وفقاً لآلية تحدد تتدفق المياه وفقاً للظروف الهيدرولوجية للنيل الأزرق ومستوى المياه في سد النهضة الذي يوفر توليد الكهرباء، وأخذ تدابير تخفيف مناسبة لمصر والسودان خلال سنوات قلة الأمطار الممتدة والجافة والجفاف الممتد. أي أن الملء على المدى البعيد يعتمد على نفس قواعد الملئ اللاحق ولا فرق بينهما، ضمان توليد الكهرباء مع الأخذ في الاعتبار تخفيف الأثر على مصر والسودان في حالة الجفاف الممتد.

6. سيتم إنشاء آلية تنسيق فعالة وأحكام لتسوية النزاعات” لكن دون أن تحدد طريقة تسوية النزاعات بعد.

ومن الهام النظر فيما سيمكن تقديمه خلال أجتماع واشنطن وما ينتظرالخروج به، وتحديد استرايجية التحرك المصري فى المرحلة المقبلة، والثابت ان اهم ما يجب الخروج به هو اتفاقية شاملة سياسية وقانونية وفنية ملزمة للاطراف خاصة الطرف الاثيوبي الذي يجب محاصرة موقفه بمخرجات واضحة وصريحة يتضمنها اتفاق قانوني ملزم يتم أيداعه فى المنظمات الاقليمية والدولية يكون له حجية تضبط من أسلوب وشكل التعاون المستقبلي فى ادارة المورد المائي المشترك، وتفتح الافاق لتعاون اقليمي يعزز ويرسخ من مفهوم الامن الاقليمي بديلاً لمفاهيم الامن الوطنية المتنافسة، وهو ما سيحقق الأمن والاستقرار لأمن مصر المائي بعد تسوية العلاقة و تأمين 86 % من أيراد و مصادر النهر ترد من النيل الازرق، رغم ما قد يتعرض له هذا الايراد من أنخفاض بسبب  تأثيرات سد النهضة، حيث انه سيبقي سقفاً ملزماً للاطراف، حتي وان قل عن التوقعات فيمكن دوماً تعويض الفارق اما بالتعاون مع السودان التزاماً باتفاقية 1959 أو من خلال مشروعات الاستفادة من فواقد النهر أو من خلال ترشيد الاستهلاك ونظم ومحاصيل الزراعة المستهلكة أو من خلال استخدام تكنولوجيات حديثة فى طرق الري الزراعي، وفى إعادة استخدامات الصرف الصحي وما شابه.

والمؤكد أن الاتفاقية المنشودة والتي يجب العمل على صياغتها بروح توافقية ستكون محركاً لأفاق تعاون شامل تكون المياه فيه جزء وليس كل أطر التعاون، والاهم ان الاتفاقية المنشودة ستضع حد لغموض الموقف الاثيوبي واستراتجيته الغير معلنة والتي حالت حتي الآن دون التوصل الي اتفاق، ورغم ما قد يشكله سد النهضة من تهديد وما حمله من مخاوف إلا أن صياغة مستقبل التعاون فى إطار فتحت مجالاً جديداً لأفق العلاقات الاقيليمية التشاركية لأول مرة ، ووضعت سؤالاً ملزماً كان على الجانب الإثيوبي أن يجيب عليه ويحدد سقف طموحاته وتحديد اسلوب مستقر للعلاقة المائية مع مصر والسودان، كشرط للاستفادة من مشروعه الأكبر وهو سد النهضة بعد كل ما استثمره فيه من موارد وحشد له داخليا وخارجياً من دعم ومساندة، ووضع عليه من أمال سياسية واقتصادية واجتماعية، فكان الامساك بتلابيب الموقف الإثيوبي ومحاصرته بالتعاون، هو المكسب الاستراتيجي الاهم لمصر متمثلة فى الاتفاق المامول فى مباحثات واشنطن، لاسيما وأن الراعي والشاهد وهي الولايات المتحدة والبنك الدولي يمكن ان يوفروا ضماناً ومرجعية يمكن الاستناد إليها إذا ما دعت الحاجة ونشبت أي خلافات مستقبلية، ولكي تضمن مصر تحقيق الاستقرار للاتفاقية التي يجب صياغتها فى صورة قانونية لا لبس فيها على غرار اتفاقية 1959 بين مصر والسودان.

ولعله من الهام الدعوة الان لعقد أجتماع طارئ للجنة العليا المشتركة المصرية السودانية للتباحث المشترك حول اسلوب التعامل مع مستجدات الوضع في ظل اتفاق واشنطن، وأسلوب إدارة الملف المائي المشترك فى ظل النقص المتوقع مع بدء عملية ملئ سد النهضة، وذلك أعمالاً للمادة الخامسة من أتفاقية 1959 والمتعلقة بالتناصف فى تحمل أي نقص مائي ناجم عن استخدام اي من دول المنابع لحصصها المائية .

الإطار المؤسسي المقترح للتعاون بين دول النيل الأزرق

يجب أن يستند التحرك المصري خلال المرحلة القادمة على عدة محاور لتثبيت هذا الاتفاق وجعل التعاون جاذباً لاثيوبيا، وسأتقدم فيما يلي بمقترحين اذا ما كان اتفاق التعاون وادارة الموارد المائية بشكل مشترك قد تم التوافق بشأنه وتوقيعه فى واشنطن وذلك استشرافاً وتعزيزاَ لأفق التعاون المستقبلي وضمان اطره المؤسسية التي تضمن أستمرار هذا التعاون العابر للحدود وذلك من خلال:

المقترح الأول: لجنة أقيليمية لأدارة التعاون فى أطار النيل الشرقي

وهذه اللجنة يمكن أن يتم النص عليها ضمن إطار قانوني تعاهدي جامع يمثل اتفاقية بين الدول الثلاث تحدد أهداف التعاون ومبادئه في فصلها الأول، وتتطرق فى فصلها الثاني إلى الجانب الفني وإنشاء السلطة المشتركة لإدارة الموارد المائية وإقامة المشروعات التنموية، ويحدد فيه أسلوب إدارة السدود في البلدان الثلاث، وكيفية الإشراف عليها بشكل مشترك والتحكم في التصريفات، وأسلوب إدارة العلاقة الفنية والقانونية بين دول حوض النيل الأزرق، من خلال بعثات مقيمة عند السدود بالدول الثلاث وبحيث يتم التنسيق المائي بين سدود الدول الثلاث وفقاً لمعدل تخزين وأمد زمني متفق عليه لسد النهضة بما لا يضر بمصالح مصر المائية، كما يضم المقترح مشاريع مصاحبة من ربط بطريق بري، وسكك حديدية، وربط كهربائي بين الدول الثلاث، يمكن تنفيذها من خلال صندوق البنية التحتية الذي اقترحه السيد الرئيس مع قادة الدول الثلاث على هامش قمة شرم الشيخ الإفريقية عام 2016، وأكد عليه في القمة الثلاثية في 26 يناير 2018 في أديس أبابا، وأشير إليه في وثيقة مخرجات الاجتماع التساعي في أديس أبابا في 15 مايو 2018.

أهمية تطوير المفاهيم والآليات التي وردت في وثيقة مخرجات الاجتماع التساعي نحو مسار إنشاء سلطة إدارة موحدة وتدبير العلاقات بين دول حوص النيل الأزرق هي تعاملها مع كافة جوانب علاقات الدول الثلاث وفقا لاتفاقية شاملة ومستقرة. فالثابت علميا أن أحواض الأنهار هي نظم ووحدات متكاملة، فنهر النيل نظام متكامل لابد وأن يتم التعامل معه كوحدة جغرافية وطبيعية وبيئية واحدة، ويجب أن تدار موارده المائية بشكل جماعي متناسق وكذلك تنمية موارده الزراعية والصناعية بل والاجتماعية والبشرية والثقافية.

المقترح الثاني: مشروع ممر التنمية الشرقي لحوض النيل الأزرق

سيحقق إطلاق مشروع التنمية الشامل، هذا والذي ستشرف عليه سياسياً ومائياً واقتصاديا سلطة إدارة حوض النيل الأزرق مكاسب اقتصادية هامة، وتوافق سياسي وتهدئة لحدة التوتر ومخاطر المواجهة والخلاف بين الدول الثلاث، إضافة لمكسب جغرافي هو أن دولة حبيسة جغرافيا مثل إثيوبيا ستجد لنفسها منفذا عبر مواني البحر المتوسط المصرية، وبحيث يصبح التعاون جاذبا لإثيوبيا بالذات وللسودان، ومحققا لمصالح الأطراف الثلاثة.

من خلال منظومة التعاون تلك سوف تتحول المياه لجزء من منظومة تعاون متعدد الجوانب، بحيث يصبح مشروع ممر التنمية الشرقي شاملا لمجالات تعاون عديدة منها الكهرباء والنقل البري والبحري وانتقال الأفراد والسلع والبضائع، ضمن نطاق أشمل قائم على الربح المتبادل وعلى التعاون بدلا من الفرقة والانقسام.

حيث يهدف إلى ربط الدول الثلاث بما نسميه “ممر التنمية الشرقي” ويبدأً من سد النهضة والمتفق علي التنسيق بينه وسدود السودان ومصر والتعاون في ادارته بمقاييس ومعدلات متفق عليها، بشبكة ربط كهربائي بين الدول الثلاث، وستكون ذات عائداً للسودان ولمصر يسمح باستخدام طاقة نظيفة وتوظيفها في صناعاتهما أو تصديرها، وإنشاء طريق بري وخط للسكك الحديدية عابراً للحدود حتى الخرطوم ثم لأسوان في حدود (940) كيلو متر (40 كيلو متر من موقع سد النهضة – 900 كم حتى أسوان مارا بالخرطوم) مما يسمح لأثيوبيا كدولة حبيسة بتصدير سلعها وباقي الأنحاء وعبر مواني البحرين الأحمر والمتوسط، بل ونطرح هنا امكانية استخدام المنطقة الاقتصادية الخالصة في قناة السويس كمنطقة تخزين وتصدير لوجستية من قبل أثيوبيا والسودان بل وباقي دول الكوميسا، كنافذة لصادرات تلك الدول من لحوم ومنتجات زراعية وصناعية أخرى للأسواق العربية والأوروبية والأمريكية وغيرها، وعلى أي حال بحث آفاق عدة للتعاون في مختلف المجالات سيكون من أولويات عمل السلطة المشتركة لإدارة حوض النيل الشرقي (النيل الأزرق) ولدى توقيع إطلاق السلطة المشتركة تلك، تتم الدعوة بالتزامن مع مؤتمر المانحين الدوليين لمساندة الدول الثلاث في تنفيذ مشروعات الربط الإقليمي المائي والبري والسككي بما يسمح بتهيئة بيئة النهر لمساحة كبرى من التعاون المستقبلي والاستقرار السياسي والأمني.

ليس ببعيد أن يتم طرح مشروع ممر التنمية الشرقي علي مؤسسات التمويل والمانحين بل ويمكن طرحة علي الجانب الصيني علي سبيل المثال في إطار مشروعها الحزام والطريق، وفي إطار تعزيز أواصر العلاقات بين دول محورية علي مسار الطريق.

ما يشجع كذلك على هذا الطرح أيضاً هو تكامل الرؤية التعاونية الأشمل للنيل برافديه، ارتباطاً بمقترح وزارة الري المصرية لربط دول بحيرة فيكتوريا حتى البحر المتوسط بمسار للنقل النهري ينقل تجارة تلك الدول حتى البحر المتوسط، وتدرس مصر مع بيوت خبرة عالمية هذا الملف، مما يجعل ربط النيل الأزرق بهذا المشروع أقصد أثيوبيا حيث سيمر المشروع القادم من فيكتوريا بالسودان لتستقبل أيضاً “ممر التنمية الشرقي” المقترح ، أي المشروع القادم من أثيوبيا وعليه تكون الخرطوم نقطة التلاقي، للمشروعين الإقليمين، ممر التنمية الشرقي القادم من الأراضي الأثيوبية ومشروع ربط بحيرة فيكتوريا بناقل بحري للبحر للمتوسط خاصة مع ماابدتة اثيوبيا من اهتمام بمشروع فيكتوريا- المتوسط.

المؤكد أنه يمكن لسلطة مياه النيل التي سيتم تشكيلها لإدارة حوض النيل الأزرق أن تحقق مكاسب عدة في محيط النهر، بنفس القدر الذي حققت فيه تجارب مشابهه للتعاون بين دول متشاطئة حول أنهار دولية إنجازات عدة منها ما حققته سلطة نهر الميكونج في جنوب شرق آسيا من مشاريع تنموية لدول (كمبوديا- لاوس- فيتنام-تايلاند- الصين- ميانمار) بما يفوق قيمته نحو (22) مليار دولار لخدمة خطط تنمية كافة دول النهر، والذي أضحى رابطا للتعاون وليس سببا للخلاف والتوتر، فالمكسب للجميع فتحسنت اقتصاديات دول الميكونج وتحسنت بيئة النهر ذاته.

يتفق ما نطرحه بشأن التعاون الإقليمي مع دول حوض النيل الشرقى ودول حوض النيل عموماً مع التوجه الدولى لتمويل مشروعات متعددة الأغراض وكذلك التى تخدم أكثر من دولة، ويترقب المانحون منذ إعلان مبادرة حوض النيل لتوافق دول المبادرة وهو ما لم يكتمل حيث أصرت دول المنابع على التوقيع منفردة علي اتفاقية عنتيبي، مما أبقى الاتفاق الذي كان منشوداً أن يتحول لاتفاق إقليمي شامل لدول المنابع والمصب معاً لمجرد اتفاق ممكن وصفه حاليا بأنه بات شبه إقليمي للتنسيق فقط بين دول المنابع مما جعله قاصراً عن جذب استثمارات دولية ودعم كان مرتقباً من الشركاء.

الرؤية المتكاملة تلك لتنمية ولإدارة حوض النيل الشرقي وإنشاء سلطة الإدارة المقترحة متفقة في أهدافها ومضمونها مع توجهات وآليات عمل مبادرة حوض النيل والتي اختصت دول حوض النيل الشرقي بآلية تنسيقية خاصة بالنيل الأزرق  ENTRO -Easter Nile Technical Office.

على مسار موازي وضمن رؤية التعاون الإقليمي الشامل تلك يكون من بين أهداف حركتنا باتجاه باقي دول الحوض هو دفع مسار التعاون مع دولة جنوب السودان في مشروعات تقليل فواقد مياه النيل وإقامة مشروعات تنموية في الجنوب

المقترح الثالث: أعداد ملف مصري متكامل فني وقانوني وتعاوني لحل أزمة سد النهضة

يمثل المقترحان الأول والثاني منهجي التعامل مع ملف العلاقات مع إثيوبيا والسودان فى نطاق التعاون الإقيليمي فى حالة نجاح مفاوضات واشنطن وتوصلها لأتفاق قانوني ملزم.

أما المقترح الثالث فقد تنشأ الحاجة له إذا لم تسفر مباحثات واشنطن عن التوصل لأتفاق أو تراجع الموقف الإثيوبي فى أي مرحلة عن تعهداته أو لم يتصرف بحسن نية في تطبيق بنود الاتفاق، الأمر الذي يدعوني لضرورة العمل على إعداد ملف مصري متكامل يتضمن في قسمة الأول رؤية مصر الفنية العادلة لقواعد وسنوات الملئ وأسلوب إدارة وتشغيل سد النهضة بالتنسيق مع سدود السودان ومصر على النحو الذي تم تقديمه في مباحثات واشنطن، وبما يسمح بتحقيق شركاء النهر الثلاث المنافع والمصالح المرتجاة فتولد اثيوبيا كهرباءها, وتنظم السودان النهر الوارد إليها، وتحافظ مصر على حصتها المائية، فى إطار من الاحترام المتبادل للحق فى التنمية والحق فى الحياة.

اما القسم الثاني: من هذا الملف فيشمل مقترحاً للتعاون الإقليمي الشامل، والذي سيشمل مبارة هامة وقوامها هو أنه من  الهام إدارة الموارد المائية بشكل مشترك بوصف ذلك هو المدخل الطبيعي للحفاظ على بيئة النهر وصون السلم والأمن وضمان التنمية المستدامة بين دول النهر، والأهم أن تتحول المياه لجزء من منظومة أشمل تتحقق فيها المنافع لدول المنابع والمصب على حد سواء، فيتم الربط المائي والإدارة المشتركة بشكل متناسق بين السدود فى الدول الثلاث وبما يسمح بالتصريف العادل الذي لا يضر بدول المصب ويحافظ على حقوقها المائية القائمة، ويتم فى  نفس الوقت ربطاً كهربائياً يسمح بتصريف كهرباء سد النهضة بين البلدان الثلاث أو تصديرهاً عبر الشبكة المصرية للاقليم أو لأوروبا، ويتم بالتوازي ربطاً بالسكك الحديدية وبطريق بري، مما يقود لخروج إثيوبيا كدولة حبيسة من عزلتها الجغرافية وصولاً إلى البحر المتوسط، والاستفادة من الموانئ المصرية.

ويتم فى الجزء الثالث والأخير من الملف المصري صياغة القسمين الفني (بما اتفق عليه مائياً) والإقليمي بمشروعاته التعاونية، فى مشروع اتفاقية قانونية ملزمة على غرار اتفاقية 1959 بين مصر والسودان، وبحيث تُشكل أساساً للتعامل المستقبلي مع هذا الملف، على أن تتم الادارة المشتركة المتناسقة للمورد المائي بين البلدان الثلاث من خلال الية أو سلطة إقليمية تتولي الإشراف على العلاقة بين السدود وقواعد التشغيل وحجم الملء والتخزين والتصريف المتناسق وإدارة المشروعات المشتركة بين دول النهر، وبهذا وحده يمكننا أن نضع حداً للقلق بشأن 86% من موارد النهر والتي ترد من اثيوبيا عبر النيل الأزرق.

ومن الضروري التأكيد على أن هذا التوجه هو ضروري لمجابهة أي موقف إثيوبي سلبي ارتباطاً بموقفهم المعروف من عدم الوضوح والغموض المائي، حيث لم تكشف اثيوبيا حتي الآن سقف طموحاتها المائية, مما يستلزم معه محاصرة موقفها الراهن من خلال مشروع التعاون المقترح، المتضمن ما فيه مصلحة أكيدة للنهر بيئياً ولشعوبه اقتصادياً ولدوله سياسياً وأمنياً وللمنطقة ودولها افق استراتيجي إقليمي مؤسس على التعاون , وبحيث يكون مفهوم الامن القومي الجماعي راسخاً وأساس للعلاقات ومحققا لأهداف الأمن  القومي الفردي للدول.

إننا أمام مفترق تاريخي يمكن لو أحسنا إدارة الموقف التفاوضي خلاله، أن نخرج جميعاً رابحين، وقد يقتضي الأمر أعمال ما اسميه الانضباط والوعي الاستراتيجي فى هذه المرحلة الحرجة، على النحو الذي عبر عنه الرئيس عبد الفتاح السيسي بدعوته  إلى أعمال الهدوء والاتزان والحكمة فى التعامل مع هذا الملف.

وبعد أن يتم إعداد الملف (ويشمل الجزء الفني المائي العادل والجزء التعاوني الإقليمي الشامل، والمصاغة معاً بشكل اتفاقية قانونية ملزمة)، يتم تسليمه للشركاء الدوليين وللمؤسسات الدولية والإقليمية، بالشكل الذي يوضح سلامة الموقف المصري بداية بالولايات المتحدة ذاتها بحكم أنها كانت المسئولة عن إطار المفاوضات الذي اطلقته واشنطن للأطراف الثلاث اعتبارا من 6 نوفمبر2019 ومتوقع عقد جولته الأخيرة خلال الايام القليلة القادمة، ولإيضاح ما سعت إليه مصر لترسيخ أفق اقليمي للتعاون قائم على الفهم المتبادل للمصالح والاحتياجات ولا يفرض الإرادات والمصالح الوطنية الضيقة, وما قد يقود إليه التعنت وعدم فهم مطالب الآخر، من توتر وعدم استقرار اقليمي له تبعاته وعواقبه التي لا تخفي على أحد وتتعارض مع تاريخ العلاقات الإفريقية الوطيدة والتي جمعت مصر على الدوام بأشقاءها فى إثيوبيا وحوض النيل.

والمستهدف هنا بالملف المصري هو التعبير عن موقف مسئول يقصد منه جعل المجتمع الدولي حاكماً بين الاطراف وضاغطاً على الجانب الإثيوبي، وتوضيح أن مصر سعت لأحتواء الموقف وتبنت رؤية خيرة وشاملة احترمت فيها النهر ودوله المتشاطئة ومصالح وخير الجميع.

وقد يكون مناسباً فى هذه المرحلة إذا لم تسفر اللقاءات الفنية المرتقبة فى واشنطن عن توقيع أتفاق، أن يتم تسليم الملف للجهات الدولية من دول ومؤسسات ومنظمات اقيلمية ودولية، من خلال جولات دبلوماسية فى إطار من التحرك الدولي الممنهج، والذي قد يمتد لو استمر الخلاف لمؤسسات الأمم المتحدة بدء بالجمعية العامة, ومجلس الأمن الدولي ومنه لمحكمة العدل الدولية بوصف أن هذا الخلاف يعد تهديدا للامن والسلم الدولي, وبوصف الموقف الإثيوبيى المتشدد  هو أعمالاً للحق في غير موضعه وبما يخالف ميثاق الأمم المتحدة والأعراف والمواثيق الحاكمة لقضايا المياه، عن انفراجة نتمناها جميعا.

ولعل من المناسب أن نبدأ بتسليم هذا الملف المصري العادل والإخوي للشركاء والمؤسسات الإقيليمية والدولية ولمجلس حكماء أفريقيا كذلك فلاتزال القارة قارة الحكماء والرؤساء (ELDERS) الذين يملكون تصويب المسار وإعادة الاستقرار والهدوء لأي من المسارات التي تهدد أمن واستقرار بلادهم، ولا أظن أن الموقف بمخاطره وتداعياته وتأثيره على أمن واستقرار القارة بعيد عن فهم القادة فى البلدان الثلاث الاقرب لإطلاق المشروع التنموي الأهم فى أفريقيا والذي اسميه ممر التنمية الشرقي لدول حوض النيل الأزرق.

………………………………………………………………..                                                         * سفيـــر دكتـور محمد حجازي مساعد وزير الخارجية الأسبق 

  حاصل على درجة الدكتــوراه فى المــوارد المـائية

اترك تعليق