مع بداية الأسبوع الحالي نكون قد دخلنا مرحلة مهمة في مواجهة فيروس كورونا (كوفيد 19)، مرحلة انتقلت فيها بعض البلدان إلى حالة عدم القدرة على المواجهة، وانتشار وتفشي الفيروس بشكل مرعب، فأسقط أنظمة صحية، وجعل حكومات تقف عاجزة أمام الأعداد الكبيرة من الإصابات وحالات الوفاة.

المشهد في مصر مختلف حتى اللحظة الحالية، والدولة المصرية استطاعت أن تتحرك بخطى سريعة على خط المواجهة، وحققت نجاحات كبيرة، وبقى العنصر المهم في معادلة مكافحة الفيروس وهو الشخص الذي يعد الوسيط، الناقل له، والمساعد على انتشاره.

 

تجارب كثيرة خاضتها دول كبرى في مقدمتها الصين التي كانت بؤرة بداية تفشي الفيروس، وكذا إيطاليا وفرنسا والمانيا وروسيا والولايات المتحدة الأمريكية.

الوضع في مصر حتى الآن تحت السيطرة، ولكن المزعج في المشهد هوما صرحت به وزيرة الصحة من أن هناك حالة انتقل منها الفيروس إلى 54 حالة وهو ما أعلنته في المؤتمر الصحفي الأربعاء الماضي.

هذا التصريح له دلالة مهمة لابد أن نتوقف عندها بعض الشيء.

فمن المعروف أن المخالطين، وكذا عدم الالتزام بالضوابط الصحية يعد أحد الأخطار التي تواجه عملية مكافحة الفيروس.

حتي يوم الأربعاء الماضي كان عدد المصابين قد وصل إلى 456 حالة إصابة وتعافى 95 حالة، وتحول 113 حالة من إيجابي إلى سلبي، وهي حالة مطمئنة بشكل كبير.

لكن المشهد قد يتبدل لا قدر الله حال عدم الالتزام من المواطنين بحزمة القرارات التي اتخذتها الحكومة بهذا الشأن.

كما أن فيروس (كويفيد 19) يتغذى على اللامبالاة، والشائعات، والإهمال، وانخفاض مستوى الوعي الصحي، وعدم الالتزام بالإجراءات الصحية، مما يخلق بيئة خصبة لانتشار الفيروس.

(1)

الأسبوع الماضي أشاد الرئيس بوعي المصريين وطلب منهم الالتزام بحزمة القرارات الاحترازية التي تتخذها الحكومة من أجل الحفاظ على أمن وسلامة مصر وشعبها، مؤكدًا على حسابه عبر موقع التواصل الاجتماعي قائلًا :”اتطلع إلى التزام الجميع بالحزمة الإضافية من الإجراءات الاحترازية، وعدم تجاوزها حرصًا على سلامة وأمان مصر والمصريين، وأؤكد أننا نستطيع أن ننجح في مهمتنا بتكاتف الجميع بدءًا من المرأة المصرية العظيمة وأسرتها كبارًا وشبابًا، وأيضًا جهود أبنائنا في كافة الاتجاهات، القوات المسلحة، والشرطة المدنية البواسل، وجميع أبطال منظومة الرعاية الصحية الشاملة المنتشرة في ربوع مصر.

أقول لكم إننا سنعبر ونتخطى كل هذه اللحظات العصيبة وبعون الله ستصير ذكرى من الماضي البعيد، حفظ الله مصر وشعبها العظيم”.

حملت كلمات الرئيس مجموعة من الرسائل الهامة ، على رأسها ثقته في وعي المصريين، وكذلك الدور الذي تقوم به كافة أجهزة الدولة في مواجهة (كوفيد19)، وكذلك نجاح المنظومة الصحية وتطورها المتسارع لتسبق أي تطور للحالة المصرية.

فالمتابع لتدرج حالات الاصابة والتي بدأت الظهور في مصر منذ 14 فبراير الماضي يدرك أن مصر على مدار شهر ونصف تقريبًا، ما زالت نسب الإصابة تحت السيطرة، إضافة إلى تطور وزيادة حالات الشفاء.

(2)

مع بدأ تنفيذ قرار حظر التجوال الجزئي التزم المواطنون ولم يخرج عن ذلك سوي أعداد قليلة، وتم اتخاذ الإجراءات القانونية حيال تلك الحالات، وعرضهم على النيابة المختصة.

وجاء قرار رئيس الوزراء بحظر التجوال الجزئي من السادسة مساءً وحتى السابعة صباحًا ومن يخالف ذلك تطبق عليه العقوبة التي تبدء بالغرامة 4000 جنيه وتنتهي بالحبس.

تم تنفيذ القرار من قبل الشرطة والقوات المسلحة، على كافة أنحاء الجمهورية، لكن مع تنفيذ القرار لوحظ تكدس المواطنين في الساعات الأخيرة قبل بدء فرض حظر التجوال، وكأننا كنا لا نعلم مواعيد حظر التجوال والتوقيتات التي نحتاج إليها للوصول إلى منازلنا.

الأمر الذي جعل البعض منا يوجه انتقادات للحكومة، وتقديم المشهد وكأنه تقصير من الحكومة، في خطة المواجهة.

ولكن في حقيقة الأمر إنها سلوكيات لابد أن نتخلص منها، خاصة إذا كنا في خط المواجهة وجزء أصيل منه لعبور تلك المرحلة العصيبة التي يعيشها العالم، ونعبر الأسبوعين القادمين بسلام.

فنفس المشهد نراه في الساعات الأخيرة على الطرقات وفي وسائل المواصلات خلال شهر رمضان، حيث تجد جميع محطات المترو مكتظة بالركاب وكذا المواصلات الأخرى، وعلى الطرق العامة، وكأننا لا نعلم توقيت آذان المغرب.

إننا بحاجة إلى مزيد من الوعي وترتيب الوقت، كما أننا نحتاج من القطاع الخاص أن يكون أكثر تعاوننًا خاصة في وقت الأزمات.

ففي الوقت الذي قامت فيه الحكومة بتخفيض العمالة في المؤسسات لمواجهة انتشار العدوي، وكذا العمل بنظام التناوب، وجدنا العديد من مؤسسات القطاع الخاص لم تلتزم بتلك القرارات.

وقد وصلتني رسالة من أحد العاملين بمصنع من مصانع الزجاج بالعاشر من رمضان، أكد فيها عدم التزام الإدارة بمبادئ السلامة والصحة المدنية للعاملين، بل إن أدوات النفخ في الزجاج تنتقل من فم عامل إلى عامل آخر دون تطهير أو تعقيم لها.

إن مثل تلك الإجراءات لابد لوزارة القوى العاملة من وقفة معها، كما أن على رجال الأعمال وأصحاب المصانع أن يدركوا حجم المسؤولية المجتمعية المفروضة عليهم للحفاظ على القوى البشرية، التي هي عماد تقدمهم ونجاحهم.

(3)

 الأسبوع الماضي قامت قوى الشر بنشر الشائعات، وترويج معلومات مضللة، ما بين تقديم صورة غير حقيقية عن عدد المصابين، وما بين محاولة تضليل المواطنين في التواصل مع الجهات الصحية.

فبدأت قنوات الإخوان الإرهابية، بعملية التزييف الذي تحترفه، بدعوة المواطنين للنزول إلى الشارع، مكبرين بتكبيرات العيد لرفع البلاء، وهو حق يراد به باطل، وذلك لتزيد التجمعات وتزيد فرص العدوى والإصابة، فيكفي وجود شخص أو اثنين وسط تلك المجموعات المكبرة مصاب بالفيروس، لتنتقل العدوى إلى كل من حوله.

تحدثت وزيرة الصحة عن انتقال العدوى من شخص مصاب إلى 54 شخصًا آخر؛ وهو ما يدلل على خطر التجمعات. وضرورة الوعي بأهمية وجود مسافة آمنه بين الأشخاص.

كما واصلت آلة التزييف عملها من خلال إرسال رسائل على الواتس أب ومواقع التواصل الاجتماعي الأخرى بدعوى أنها رسائل من وزارة الصحة.

كما ظهرت الأسبوع الماضي الرسالة الشهيرة والخاصة بالاتصال بالخط الوهمي 195 وفريق الاستجابة السريع المكون من 5 أشخاص، ومطالبة أية حالة اشتباه بالبقاء في المنزل وألا يتحرك، ولكي تكون الشائعة أكثر إقناعا أختتمها بعبارة مع تحيات وزارة الصحة ووضع رقم هاتف أرضي بدأه بـ 02 حتي يقنع متلقي الرسالة بمشاركتها مع الآخرين، وهو لا يدرك أنه بتلك المشاركة يساهم في تزييف الوعي ونشر الشائعات.

استهدفت الشائعة التي أطلقتها الجماعة الإرهابية زعزعة الثقة بين المواطن والحكومة، فعندما يقوم بالاتصال بالرقم الموجود على البوست المزيف لن يجد له أساس من الصحة، وعندها سيصب جام غضبه على الحكومة، وهو الهدف الذي يسعى مصدر الشائعة لتحقيقه.

إن نشر الشائعات يمثل أحد أدوات قوى الشر التي يتغذى عليها فيروس كورونا ليزداد محيط انتشار الفيروس بين المواطنين.

كما أن فقد ثقة المواطن في الدولة تجعله عرضة لحالة من الرعب والفزع، وهو أحد العوامل المؤثرة على انخفاض المناعة لدى الأفراد فيقذف بهم في أتون الإصابة بالفيروس.

(4)

كما أن حالة اللامبالاة والتواكل وليس التوكل على الله، وهناك فارق كبير بين الكلمتين، ليس في الأحرف فقط، لمن لا يستطيع التمييز، بل في المعني والدلالة.

فحالة اللامبالاة هي جزء من التواكل، وهي صفة ذميمة تدعو للفوضى وتخلق حالة من الإهمال، وهوما يخلق بيئة مناسبة لانتشار الفيروس.

فبينما تتخذ الدولة حزمة إجراءات للحفاظ على صحة وسلامة مواطنيها، وتركت المخابز ومحال البقالة، والسوبر ماركت مفتوحة أمام المواطنين، نجد أن تزاحم المواطنين أمام الافران، أو داخل السوبر ماركت، يجعلهم عرضة لنقل الفيروس.

وهنا يكون الوعي هو السلاح الأقوى للمواجهة والالتزام بالضوابط الصحية وتعليمات وزارة الصحة وترك مسافة احترازية بين المواطنين.

إننا نواجه وباءً أسقط دولًا كبرى ونجت منه دول أخرى بسبب الوقاية والتزام مواطنيها.

علينا أن نلتزم بكافة الاحتياطات الصحية المطلوبة، ونتوكل على الله، فهذا هو حقًا التوكل على الله، داعين الله أن يحفظ مصر وشعبها.

(5)

إننا أمام تحد كبير يجب أن ندرك حجمه، فإذا عبرنا الأسبوعين القادمين بسلام، والتزمنا بكافة الإجراءات والتعليمات الصحية فلن نمنح فيروس الكورنا فرصة لكي يتغذى على أجسامنا.

إن الإهمال وعدم الاهتمام بالوضع الصحي من جانب المواطنين داخل منازلهم خاصة في هذه المرحلة، ونشر الشائعات، وترويج الأكاذيب، واللامبالاة التي نراها لدى البعض في المواصلات العامة من عدم الالتزام بأبسط الإجراءات الاحترازية وهو التهوية داخل وسيلة المواصلات، هي من أخطر السلبيات التي يتغذى عليها الفيروس فيزداد خطره.

إننا جميعًا في سفينة واحده فلا يسمح أيا منا للآخر بثقب السفينة، وليشدد كل منا على يد الآخر للالتزام بالإجراءات الصحية.

(6)

إن ما تقوم به الدولة من إجراءات لمكافحة الفيروس وعمليات تعقيم متواصل للميادين والشوارع والمؤسسات من جانب القوات المسلحة، وكذلك الاجراءات الاستباقية التي تقوم بها وزارة الصحة من زيادة لعدد المعامل التي تقوم بتحليل الفيروس من معمل واحد بالقاهرة إلى 21 معمل على مستوى الجمهورية، وكذا المستشفيات وأجهزة التعقيم التي تقوم بتعقيم الشوارع والميادين والتي قامت بتطويرها شركات الإنتاج الحربي، وحجم إنتاج مواد التعقيم والمطهرات والكمامات والقفازات الطبية لسد الاحتياجات، والسيطرة على سوق المنتجات الغذائية، كل ذلك يدل على نجاح الحكومة في مواجهة الفيروس، ويبقى الدور المهم لنا نحن المواطنين، من خلال الوقاية، لمنع انتشار الفيروس.

حفظ الله مصر وشعبها، وجعلها أمن أمانًا رخاءً إلى يوم القيامة وجنب أهلها البلاء والوباء.

SHARE

اترك تعليق