نادية صبره

دعت ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وممثل الاتحاد الأوروبي (جوزيب بوريل) إلى هدنة إنسانية في ليبيا بمناسبة حلول شهر رمضان ودعت أيضا إلى استلهام روح الشهر الكريم ووقف إطلاق النار واستئناف المحادثات والتفرغ لمحاربة وباء كورونا.

الدعوة الأوربية تعتمد على فكرة تجفيف وصول السلاح إلى ليبيا بمعنى لا سلاح… لا حرب من خلال إطلاق العملية العسكرية (إرينا) لمراقبة السواحل الليبية على ثلاث مستويات للمراقبة جواً بسبع طائرات مروحيات ومن خلال الأقمار الصناعية وبحراً من خلال تسيير سبع زوارق بحرية تسلك طرق غير معتادة خاصة في المنطقة البحرية شرق ليبيا حيث تم ضبط العديد من الناقلات التركية المحملة بالأسلحة والمقاتلين.

وقد حظيت هذه العملية بدعم وموافقة دول الاتحاد الأوروبي الـ27 إلا أن فايز السراج رفض هذه العملية بأوامر تركية بالطبع وتحت ضغط الميليشيات في طرابلس وأرسلت حكومة الوفاق الغير شرعية خطاب إلى مجلس الأمن برفض العملية “إرينا” التي يعتزم الاتحاد الأوروبي إطلاقها.

وبحسب صحيفة إيطالية فإن السراج طلب ضمانة مسبقة لصالحه تمنع أي ملاحقات دولية في المستقبل.. وليس مستغرباً أن يتم رفض عملية المراقبة لأن هناك فريق دولي كان سيذهب إلى ليبيا للوقوف على الأسلحة والميليشيا المسلحة التركية وسيكشف بالطبع مدى التوغل التركي في ليبيا منذ 2011 ودعم تركيا قيادات من داعش وتنظيم القاعدة في ليبيا، وأطنان الأسلحة التي وصلت مصراتة وطرابلس تباعاً بتواطئ من تلك الدويلة القطرية التي بمثابة الخنجر المسموم في ظهر الأمة العربية بينما يتمسك الجيش الوطني الليبي بمراقبة دولية لعمليات تدفق السلاح من تركيا إلى حكومة الوفاق وأيضاً لمنع نقل مجموعات مسلحة جديدة.

والواقع أن الاتحاد الأوروبي قد تأخر كثيراً في إطلاق هذه العملية وبذلك سمح لأردوغان أن يضرب عرض الحائط بكل المطالب الدولية ومخرجات مؤتمر برلين وقرار مجلس الأمن وسارع بإرسال أعداد كبيرة جداً من المقاتلين السوريين ومعظمهم من ميليشيا السلطان مراد، وقد وصل عددهم إلى نحو ستة آلاف وهم يتمركزون في مصراتة ويقاتلون في الصفوف الأمامية مع قوات السراج ويقومون أيضاً بتدريب الميليشيا الآخرين بينهم عناصر مطلوبين من الجنائية الدولية هؤلاء السوريين تحولوا إلى مرتزقة لجني المال بعد أن تخلوا عن قضيتهم الأساسية مقابل 2000 دولار شهرياً ووعد بالجنسية التركية، وقد قتل منهم العشرات لن يذكرهم أردوغان إلا عندما يطالب ميليشيا طرابلس بدفع فاتورة التعويضات، فبحسب الصفقة مع حكومة الوفاق فهي ملزمة بدفع 35 ألف دولار مقابل كل قتيل.

ليبيا بالنسبة للرئيس التركي هي المنفذ الوحيد له والأمل المنشود في إقامة دولة إسلامية يكون هو الخليفة عليها حيث ما زال السلطان المعتوه كما يلقبه أهالي ليبيا، يحلم بعودة الخلافة فإذا خسر ليبيا خسر كل شيء لذلك فهو مستميت على إثبات وجوده في المشهد الليبي.

وقد شهدت الأيام الأخيرة معارك طاحنة بين ميليشيا الوفاق والجيش الليبي استخدمت فيها أسلحة نوعية شملت مضادات أرضية وأعداد كبيرة من الطائرات المسيرة لمواجهة التفوق الجوي للجيش الليبي وبسبب هذا الدعم التركي تمكنت حكومة الوفاق من استعادة السيطرة على عدة بلدات ومدن هامة مثل (صرمان) و(صبراته) مما شجعها على التقدم تجاه ترهونة ولكن قوات الجيش صدتها وألحقت بها خسائر فادحة.

وقد أعلن السراج أنه لا حوار ولا تفاهمات بعد اليوم مع المشير خليفة حفتر في نفس الوقت دعا المشير حفتر الشعب الليبي لإعطائه تفويض كامل لنقض إتفاق السراج – أردوغان الموقع في نوفمبر الماضي وطرد الميليشيا الإرهابية وتطهير طرابلس.

فهذا الاتفاق التركي تم مع طرف ليبي غير شرعي فالبرلمان وهو الكيان الشرعي الوحيد المنتخب في ليبيا لم يعطي السراج الثقة في عقد اتفاقات أحادية وهو ليس اتفاق بل خيانة لكل الليبين وإعادة للحقبة العثمانية السوداء.

أيضاً تقدم السيد عقيلة صالح رئيس البرلمان الليبي بمبادرة جديدة بناءاً على رؤيته بفشل الحل السياسي والحل العسكري مفادها العودة للشعب بمعنى أن الأقاليم الثلاثة الرئيسية في ليببا طبرق وفزان وطرابلس تنتخب ممثلين لها ويكونون مجلس رئاسي وحكومة ويتم كتابة دستور جديد وإجراء انتخابات تحت اشراف الأمم المتحدة لكني أعتقد أن مبادرة صالح لن تجد صدى كبير بالمقارنة بدعوة المشير حفتر بالتفويض..

ولأنه لا يمكن لأحد أن يقلب ميزان القوى بشكل حاسم فقد عادت الأزمة الليبية للمربع الأول مما يستلزم تدخل دولي لمنع حرب أهلية طاحنة سيدفع ثمنها الشعب الليبي الأعزل ناهيك عما حدث في صبراته بعد دخول قوات الوفاق إليها من أعمال إنتقامية وذبح وتنكيل أدانته بعثة الأمم المتحدة في ليبيا بالإضافة إلى فتح سجن معتيقة لإخراج الإرهابيين وتجار البشر…

إن جائحة كورونا هي فرصة حقيقية لوقف الاقتتال والتفرغ لمقاومة الكارثة ولكن ما جدوى الدعوى الإنسانية الأوروبية وقد سبقها 12 هدنة تم اختراقها بشكل يومي ولم تصمد ساعة أمام آلاف الميليشيا الإرهابية التي تشرف عليها المخابرات التركية فإذا كان الأوروبيين جادين فليتقدموا بطلب الهدنة لأردوغان فهو من يدير طرابلس فالسراج ومن قبل إطلاق عملية “طوفان الكرامة” في 4/4/2019 لا يحكم طرابلس والملاحظ أن الوزير الوحيد الذي يظهر للعلن في حكومة الوفاق هو فتحي باشا أغا وزير الداخلية لأن لديه كتائب مسلحة تقوم بحمايته.. أما باقي الوزراء فيدخلون مكاتبهم ويغادرونها سريعاً إلى أماكن غير معلومة.

هناك تخوفات حقيقية من تحول ليبيا إلى مركز لداعش في شمال إفريقيا في ظل العناصر الإسلامية والإجرامية وإنتشار السلاح وعدم القدرة على نزعه خاصة في مصراتة “حقيقة أنا أشك في توافر النية لدى المجتمع الدولي في التسوية السياسية في ليبيا.. هناك دول من مصلحتها استمرار حالة الميوعة وبقاء الحال على ما هو عليه والدليل على ذلك عدم تعيين مبعوث أممي جديد بسبب تلكأ الدول الدائمة في مجلس الأمن التي خذلت الليبيين في الكثير والكثير من المناسبات.

اترك تعليق