نادية صبره

بعد خمسة أشهر على فراغ منصب رئيس الحكومة في العراق تم التوافق على تسمية حكومة “مصطفى الكاظمي” وصوت البرلمان العراقي لصالحها… وبعد ثلاثة أيام فقط من منح الثقة لحكومة الكاظمي ورغم الإجراءات المشددة بسبب جائحة كورونا خرجت تظاهرات في ساحة التحرير وسط العاصمة بغداد وإنتقلت لمحافظات أخرى مثل مدينة الناصرية التي ظلت الإحتجاجات بها حتى مساء الأحد الماضي.

واستخدمت قوات الأمن خراطيم المياه والقنابل الدخانية لتفريق المتظاهرين بعد نشوب احتكاكات بينهم… وفي محافظة ذي قار تم إعتقال متظاهرين وحرق سيارات تابعة للأمن وقطع الطرق والشوارع الرئيسية…

لا شك أن التظاهرات فاجئت “الكاظمي” رغم بادرة حسن النية والقرارات التي اتخذها والتي تمثل خطوة تصحيحية لحكومة (عادل عبد المهدي) مثل التحقيق في قضايا قتل المتظاهرين من خلال إنشاء لجنة تقصي الحقائق لمحاسبة المقصرين في الدم العراقي وإعادة بعض الضباط لمناصبهم السابقة مثل إعادة تعيين الفريق عبد الوهاب الساعدي الذي يحظى بشعبية كبيرة إلى جهاز مكافحة الفساد تمهيداً لتعيينه رئيساً للجهاز وأيضاً إعادة رواتب ومستحقات المتقاعدين الذين يقدر عددهم بـ 3,5 مليون عراقي وهو قرار إجتماعي كان يهدف منه إلى كسب ود الشارع بكل تأكيد.

سبب التظاهرات هو الرفض التام لحكومة الكاظمي لأنه شكل الحكومة على أساس إرضاء الأحزاب وليس إرضاء الشارع والمطالبة بإسقاط الطبقة السياسية برمتها لأن الكاظمي أتى من رحم الأحزاب السياسية لذلك فهم يطالبون بإنهاء العملية السياسية ومحاكمة عادل عبد المهدي رئيس الوزراء السابق وكذلك المطالبة بإصلاح سياسي واقتصادي وتوفير حياة كريمة..

إذاً فنحن لسنا أمام مستوى جديد من المطالب السياسية بل هي نفس المطالب منذ سبعة أشهر ولكن يتم إعادة التأكيد عليها وتذكير حكومة الكاظمي بها ويريدون إيصال رسالة مفادها أنه رغم حظر التجوال وخطر فيروس كورونا نحن مازلنا موجودين في الشارع.. وهذا شيء جيد لكن نحن الآن أمام حالة جديدة وساحة التظاهرات منقسمة فهذه التظاهرات لا تمتلك نفس الزخم السابق لأنه ليس هناك إجماع على رفض الكاظمي يوجد تباين في الآراء فغالبية تنسيقيات الثورة وكل المدونات يقفون مع الكاظمي بكل قوة وتؤيده تأييد كبير إلى حد وصف المتظاهرين بأنهم مدعمون من أحزاب أخرى غير راضية عن التشكيلة الحكومية وأنه لا بد من إعطائه فرصته كاملة فالحكومة لم يتجاوز عمرها الثلاث أيام فقط..

والعراق يجب أن يتجاوز إلى عملية بناء الدولة فبعد رفض تمرير (علاوي) و(الذرفي) لم يعد العراق يمتلك رفاهية الوقت ويجب أن يسير نحو الديمقراطية والاستقرار والانتخابات…

هذا الكلام يبدو منطقياً فالتظاهرات الآن لن تجدي نفعاً فالعملية السياسية مدعومة دولياً وسياسياً وخاصة وأن الكاظمي يدرك أن الشارع يمتلك المبادرة والكلمة الفيصل ولذلك يسير معه وجعل أولى قراراته الانتخابات ومحاكمة قتلة المتظاهرين.

لكن المشكلة هي أن قطاع عريض من الجماهير لا يثق في العملية السياسية وعلى الكاظمي أن يستمر بإجراءات سريعة لإعادة السلم الشعبي والتحقيق في عمليات القتل والخطف والقنص التي حدثت للمتظاهرين السلميين وإحالة قتلة المتظاهرين للتحقيق وإعلان وقت محدد للإنتخابات البرلمانية المبكرة ليطمئن الجماهير وأيضاً عليه الاستمرار بعملية الإصلاح وتحسين الوضع الإقتصادي فهو لو تمكن من تحقيق 30% من الإصلاحات في المائة يوم الأولى من توليه المنصب سوف تتغير نظرة المتظاهرين له لأنه سيجعلهم أمام الإنتخابات التي يطالبون بها…

وما يساعده في ذلك أن غالبية العراقيين يريدون الخروج من الأزمات الخانقة مثل أزمة كورونا والوضع الإقتصادي الخانق وهذا لا ينقص أبداً من حق المواطن العراقي في المطالبة بوضع معيشي كريم.

وهذا يدفعنا إلى سؤال هام هل الحراك الذي اشتعل ضد عادل عبد المهدي وأطاح به سوف يطيح بحكومة الكاظمي؟ والحقيقة هو سؤال صعب لأن هناك العديد من الفوارق بين الرجلين، فعبد المهدي كان يميل إلى إيران أكثر وهذا ما تسبب له في مشكلة ولم يستطع نيل ثقة واشنطن ولم يكن لديه فريق دبلوماسي جيد إلا أن المعطيات تغيرت الآن وإيران تراجعت خطوة وأبدت مرونة تجاه الكاظمي.

وكذلك الأمريكان فهو تلقى إتصال هاتفي من (مايك بومبيو) وزير الخارجية الأمريكي أخبره فيه باستثناء استيراد العراق للغاز والكهرباء من إيران لمدة أربع أشهر رغم العقوبات الأمريكية وذلك لرغبة واشنطن في دعم الحكومة الجديدة وبعدها بيومين تم الإعلان من عودة نشاط التحالف الدولي في العراق في إشارة لدعم الرجل في مهمته الجديدة من قبل الولايات المتحدة والتحالف بصورة واضحة..

وبالرغم من أن “الكاظمي” لم يكن يوماً سياسياً محترفاً بل كان رجل أمن نجح في إدارة جهاز المخابرات إلا أنه استطاع قراءة رغبات الجماهير المحتجة واجتذاب نسبة كبيرة من الرأي العام في صفه بعد أن كان الرأي العام كله كاملاً مع المتظاهرين.. ومن الواضح أنه يعمل على تقزيم وتقليل نفوذ الأحزاب قدر المستطاع لمنع هيمنتها على السلطة…

فربما يسمح بهيمنتها على بعض الوزارات لكنه لن يسمح بهيمنتها على شخصه وهذا هو الفارق الأكبر بينه وبين عبد المهدي.. وقد وصف الكاظمي حكومته بأنها حكومة شفافة وليست حكومة غرف مظلمة والأهم من ذلك أنها حكومة إنتقالية وفي أولى لقاءاته مع السفير الأمريكي في العراق أكد له أن العراق لن يكون ساحة لتصفية الحسابات كما أكد للسفير الإيراني أن العراق يسعى لإقامة أفضل علاقات مع دول الجوار ولكنه لن يكون ممر للإرهاب..

وهنا تكمن براعة “الكاظمي” لأنه أساساً رجل استخبارات زار إيران أكثر من مرة قبل التكليف وعلاقاته جيدة بواشنطن والسعودية ولكن الشارع العراقي يبقى هو التحدي الصعب الذي لا يستهان به فعودة الإحتجاجات رغم الكورونا مهما كانت نسبتها قليلة ربما يتسبب في إرباك حقيقي لحكومة الكاظمي ويجعلها في عين العاصفة وعليه إرضاء الجماهير وتبريد إحتجاجات الشارع…

اترك تعليق