عاطف عبدالغنى رئيس تحرير بوابة دار المعارف الصحفية

غادرنا رمضان – أطال الله أعماركم وبلغكم رمضان من العام القادم – شهر جواد بالرحمة المتنزلة من السماء، على عباد جوادين بتوفيق الله لهم بالبذل والعطاء، والنفقة، هؤلاء أهل الجود والكرم، وأجود وأكرم منهم من يجود بروحه وبدنه فداء وطنه.

(1)

قال الشاعر الفرزدق:
« يَا سَـائِلِي‌ أَيْنَ حَـلَّ الجُـودُ وَالكَـرَمُ؟.. عِنْـدِي‌ بَـيَـانٌ إذَا طُـلاَّبُـهُ قَـدِمُـوا.. هَذَا الذي‌ تَعْـرِفُ البَطْـحَاءُ وَطْـأَتَـهُ.. وَالبَـيْـتُ يَعْـرِفُـهُ وَالحِـلُّ وَالحَـرَمُ.»
والقصيدة نظمها الشاعر فى ابن بنت رسول الله، محمد صلى الله عليه وسلم، على بن أبى طالب، الذى أحبه ويحبه المصريون، ويحبوا عترته، دون أن يتشيعوا، عن إدراك منهم أن الإسلام لا يعرف شيّعًا، ولا طوائف، ولا جماعات تكفّر باسم الإسلام بعضها بعضا، وتقتل باسم الجهاد جهلا، وغدرا، وغيلة الروح التى حرم الله قتلها بغير ذنب.
كان علي بطلا شجاعا، وجنديًا من جنود الحق، وشهيدًا من أعظم شهداء الإسلام، يصفه الشاعر فى ذات القصيدة فيقول: «حَمَّالُ أثْقَالِ أَقْوَامٍ إذَا فُدِحُوا»، وهكذا الرجال يحملون عن أهليهم، وأوطانهم العبء الثقيل والمصائب، ومنها الموت، تلك الفادحة التى تخطف على عين حياتنا من نحبهم، ومن لا نتصور أحيانا العيش دونهم، من الأهل، والأقارب، والأحباب، والأصدقاء، (لا أراكم الله مكروها فى عزيز لديكم).
ولا يخفف من حزن الثكالى ساعة الفراق، وبعدها، إلا أن يوقن الحى أن ميته ذهب إلى مكان أفضل من الدنيا، التى نسميها، دار الباطل، وليس أفضل من الدنيا إلا دار الحق، الدار الآخرة، وفيها جنات الله، وفى الجنة درجات، يسكن أعلاها من قال فيهم رب العزة فى الآية 69 سورة النساء: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا) صدقل الله العظيم، وتأمل فى الآية مكانة الشهيد إلى جوار الرفاق من النبيين، والصديقين، والصالحين، وقد تقدم فى الترتيب على الأخيرين.

(2)

وفى شهر رمضان تابعنا مسلسلا دراميا عرض جانبا من سيرة شهداء جيشنا الأبطال، وعلى رأسهم الشهيد البطل أحمد المنسى، كنا نتابع الصور الملونة على الشاشة، ومنا من هو جالس، أو متكئ، يتناول أطايب الطعام، والشراب مستمتعًا.
والمشاهد مجتزئة من سير حياة أشخاص حقيقيين، تحاول الدراما لمدة ثوانٍ أو دقائق أن تحاكى مشاهد حقيقية عاشها هؤلاء الأشخاص بالفعل، فيما الحقيقة التى تصلنا ينقصها الكثير، والكثير جدا، ينقصها شعور البطل الحقيقى – وليس الممثل أو المشاهد – وهو يقابل الموت وجهًا لوجه.. أتراه شعر برعدة الخوف؟! أتراه ثبت الله فؤاده وقواه بالإيمان؟! وإذا أردت أن تلمس الحقيقة، حاول أن تتخيل للحظات أنك بالفعل كنت مكان الضابط والجندى، ثم حاول أن تستحضر فى بدنك مشاعره فى المعركة التى يخالط فيها اللحم والدم، الحديد والنار، وأصوات الانفجارات، ولعلعة الرصاص وهو يمرق بجوار أذنيك، فيصيب أو يطيش، وملك الموت يطير فوق الرءوس بمنجله، فإذا انفضت المعركة، تخيل أنك فى الصحراء، تعيش فى الجبال تحت شمس نهارها الملتهبة، وبرودة ليلها ووحشته، تحارب من هو أشرس من ذئاب الجبال وضباعها، وعدوك يختبئ لك فى الكهوف، وينصب لك الفخاخ، ويفاجئك فى أى وقت، عدو زئبقى، غير أن الرحمة منزوعة من فؤاده.

(3)

وما سبق ليس إلا محاولة لاستحضار حالة الواقع الذى يعيشه رجال مصر، وجنودها فى سيناء، وعلى الحدود والثغور وباقى الأرض يحرسون أمننا وسلامتنا ويحفظون الأرض والعرض، رجال مصر المنتشرون فى ميادين القتال، وما أكثرهم اليوم، وما أكثر أسمائهم التى عرفناها، وسنعرفها، من أبطال فى القوات المسلحة، والشرطة، وممن انضم لهم فى مضمار البطولة من الأطباء، وأطقم التمريض، وقد اتفقنا أنهم يستحقون وصف جيش مصر الأبيض.
فتحية إجلال وعرفان واجبة أيضا لهم، ومنهم من بذل ويبذل حياته وهو يسعى لإحياء نفس، وعلاج جسد أصابه داء قاتل لا يرحم، وسلام على من سقط شهيدا وهو فى ميدان شرفه، لم يخلع البالطو الأبيض، ولم يضن بروحه لينقذ أرواح أخوته، فمات مغسولاً بالماء والثلج والبرد.

(4)

.. وفى يوم العيد، أقل ما نقدمه لشهدائنا الذين سبقونا إلى دار الحق أن نتذكرهم وندعو لهم.. ولأنفسنا أن يسكننا الله إلى جوارهم فى الدار الآخرة فى جنات خلده.

SHARE

اترك تعليق