فى مقال جديد له يستعيد د.عبدالحليم ما كتبه ونشره قبل شهرين ونصف الشهر، وطرح فيه عدد من التوقعات خاصة بالداخل الإسرائيلى وتوقعاته عن حركة الأحداث ومساراتها فى الدوائر المتداخلة فى منطقة الشرق الأوسط، والولايات المتحدة الأمريكية.
وفى مقاله الجديد كتب د. قنديل:

قبل أيام من إجراء الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة ، وبتاريخ السبت 29 فبراير 2020 ، نشرت فى نفس هذا المكان مقالا بعنوان “إشارات الحرب الوشيكة” ، قلت فيه بالنص “أيا ما كانت نتيجة الانتخابات الإسرائيلية الوشيكة ، وهى الثالثة من نوعها فى غضون عام واحد ، ومن دون نجاح فى تشكيل حكومة ، وإن كانت استطلاعات الرأى تشير هذه المرة ، إلى تفوق طفيف محتمل لحزب نتنياهو (الليكود) ، ولحلفائه فى أقصى اليمين الإسرائيلى ، ومن دون استبعاد حدوث مفاجآت ما ، قد تكرر حالة الشلل نفسها ، التى جرت بعد جولة الانتخابات الثانية ، وتعيد تقارب حظوظ نتنياهو مع الجنرال بينى جانتس زعيم كتلة (أزرق أبيض) ، ولجوء نتنياهو هذه المرة إلى التوافق المبكر مع جانتس ، مع الحرص على استلامه رئاسة ما يسمى حكومة الوحدة الوطنية أولا ، وتحديه لمحاكمته الجارية فى قضايا الفساد واستغلال السلطة المنظورة ، وولعه بالظهور فى مكانة ملك إسرائيل ، خصوصا مع تباهيه بغزواته التطبيعية فى قصور الحكام العرب ، وبالصفقات التى عقدها مع إدارة ترامب الأمريكية ، واستعجاله لتنفيذ بنود ما تسمى خطة السلام الأمريكية ، وعزمه المبادرة إلى ضم مستوطنات الضفة الغربية ومنطقة الأغوار بعد تشكيل الحكومة الجديدة ، ومن طرف واحد ، مستفيدا من انشغال ترامب بحملته الانتخابية لكسب الرئاسة الثانية ، وشدة احتياجه لدعم اللوبى الصهيونى (..) وهو ما لا يعارض فيه جانتس غريم نتنياهو الانتخابى ، وشريكه فى دعم خطة الإدارة الأمريكية ، التى حرصت صوريا على الوقوف فى المنتصف بين نتياهو وجانتس ، والتأكيد على كون خطتها هدية لكيان الاغتصاب الإسرائيلى ككل ، وليس لحزب أو زعيم بذاته ” .
انتهى الاقتباس الطويل المستعاد من مقالى المنشور هنا قبل ما يزيد على الشهرين ونصف الشهر ، وقد تحقق التوقع حرفيا ، وتشكلت الحكومة المرجحة ، ولمدة ثلاث سنوات مقبلة ، وباتفاق على رئاسة نتنياهو فى الثمانية عشر شهرا الأولى ، ويليه جانتس فى النصف المتبقى من مدة الحكومة ، وجرى التصويت فى “الكنيست” بمنح الثقة ، وجرى تفتيت كتلة (أزرق أبيض) ، وانفرد جانتس مع حزبه “حصانة لإسرائيل” بنصف الكعكة الحكومية ، مع اختراع منصب إضافى لجانتس اسمه “رئيس الوزراء البديل” ، يأخذه نتنياهو لنفسه حين تنتهى مدته فى رئاسة الوزراء ، وبذلك تحققت أهداف نتنياهو كلها فى رمية واحدة ، فالقانون الإسرائيلى لا يجبر رئيس الوزراء على الاستقالة مع بدء محاكمته فى 24 مايو الجارى ، وأصبح بوسعه بعد أن صار أطول رؤساء وزارات إسرائيل عمرا فى منصبه ، أن يظهر فى صورة ملك إسرائيل ، وأن يعلن الضم النهائى لمنطقة أغوار الأردن وشمال البحر الميت ومستوطنات اليهود الكبرى والصغرى فى الضفة الغربية ، بعد أن ضم الجولان من قبل بدعم أمريكى ، وبعد أن ضم القدس المحتلة بكاملها ، وقد أعلن نتنياهو قرار الضم الجديد فى خطاب التنصيب الحكومى ، وضرب موعدا للتنفيذ بعد أسابيع فى أول يوليو المقبل ، وباتفاق كامل مع الجنرال جانتس ، الذى صار وزيرا للدفاع ، وقد كان الأخير رئيس أركان أسبق لجيش الاحتلال ، وصمم على تعيين رفيقه الجنرال جابى أشكنازى ـ رئيس الأركان السابق ـ وزيرا للخارجية فى الحكومة الجديدة .
والمعنى بوضوح ، أننا بصدد حكومة حرب جديدة فى كيان الاغتصاب الإسرائيلى ، يقودها نتنياهو المهووس بلقب ملك إسرائيل وفارس أحلامها ، وبأركان حرب من الجنرالات ، وكان الجنرال جانتس قال أنه لم يكن مفر من التفاهم مع نتنياهو ، وتشكيل حكومة مشتركة ، وإلا ذهبت إسرائيل كما قال إلى حرب أهلية داخلية ، والبديل على ما يبدو ، هو تصدير التناقضات الداخلية ، وإشعال حرب أخيرة ضد الفلسطينيين ، حرب يتصورون أنها تنهى كل الحروب ، وفى بيئة دولية وإقليمية تبدو مواتية جدا لكيان الاحتلال ، خاصة بعد تراكم الآثار الاقتصادية الكارثية لجائحة كورونا ، وانشغال العرب بحروبهم الأهلية ، وميل النظم العربية الرئيسية للتفاهم مع إسرائيل ، بل والتحالف معها ضد إيران الرازحة تحت عقوبات الحد الأقصى الأمريكية ، وعدم ممانعة واشنطن الأسيرة لأوضاع عام الانتخابات الرئاسية ، واستعداد ترامب لفعل أى شئ لمصلحة إسرائيل ، مقابل تعهد نتنياهو بدعمه عند اللوبى اليهودى الأمريكى فى انتخابات نوفمبر المقبل ، بعد أن تهددت فرصة فى إعادة الانتخاب مع فشله المريع فى مواجهة جائحة كورونا ، وتقدم منافسه الديمقراطى المحتمل جوبايدن عليه فى استطلاعات الرأى العام ، وهو ما يفسر مسارعة مايك بومبيو رجل ترامب ووزير خارجيته بزيارة كيان الاحتلال ، ولقاءاته المطولة مع نتنياهو وجانتس ، برغم مخاوف عدوى كورونا ، ومن وراء كمامات الاحتياط ، أعلنها بومبيو صريحة فى إسرائيل ، وقال أن تنفيذ قرار الضم يخص حكومة إسرائيل وحدها ، ومن طرف واحد ، ومن دون حاجة لتفاوض مع الفلسطينيين الرافضين لخطة ترامب ، وهو ما يعنى ببساطة ، أن الطريق بات مفتوحا لتنفيذ قرار إسرائيل بضم المستوطنات والأغوار ، وربما شن حرب جديدة على غزة بدعوى نزع سلاح “حماس” و”الجهاد الإسلامى” كما تنص خطة ترامب ، ومن دون مبالاة بردود فعل اعتادتها إسرائيل من حكومة السلطة الفلسطينية ، من نوع إعلانات الرئيس عباس المكررة قبل أيام بالتحلل من كل الاتفاقات السابقة مع الإسرائيليين والأمريكيين ، أو التهديدات الأدنى منها بوقف علاقة التنسيق الأمنى ، أو الدعوة لعقد اجتماع لمجلس الجامعة العربية ، والحصول على قرارات رفض لفظى جديدة ، أو اللجوء لمحكمة الجنايات الدولية ، التى هددتها واشنطن ، إن هى مست إسرائيل عجلها المقدس ، وكلها ردود فعل لا يبالى بها كيان الاحتلال ، وتقدر دوائر حكومته دورة سريانها بما لا يزيد على ثلاثة شهور ، يكون كل شئ بعدها قد هدأ ، ويكون الكل قد خضع للأمر الواقع الجديد ، وبالتهام إسرائيل لما أرادت التهامه ، وترك دويلة ثعبانية للفلسطينيين تحيطها إسرائيل من كل جانب ، وفى صورة ست كانتونات ، تتحكم بها إسرائيل ، ولا تكون دولة ولا شبه دولة .
والمحصلة ظاهرة ، فإسرائيل بصدد حملة حربية جديدة ، عنوانها “الضم” النهائى هذه المرة ، وإعلان الحرب لا يرد عليه بتصريحات وأحاديث تائهة عن السلام ، وعن قرارات الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولى ، وكلها أمور بلا قيمة عملية بالمرة ، خصوصا فى ظل شلل المنظمات الدولية ، واحتدام حرب باردة جديدة بين أمريكا والصين هذه المرة ، وانحياز روسيا بطبائع الأحوال الاقتصادية والعسكرية إلى الصين ، وضعف مبالاة الأطراف الدولية الكبرى كلها بالوضع الفلسطينى ، وحرصها جميعا على علاقات طيبة بكيان الاحتلال الإسرائيلى ، بالنظر إلى اتفاقات روسيا الضمنية مع إسرائيل فيما يخص الوضع السورى ، وإلى استثمارات صينية تتعاظم داخل إسرائيل نفسها ، أضف إلى الصورة ، ما يعلمه الكل من هوان وضع النظم العربية جبرا أو اختيارا ، وهو ما يعنى بالضرورة ، أنه لا سند مؤثرا للفلسطينيين من خارج فلسطين فى المدى المنظور ، اللهم إلا السند الشعبى الغائب فى نوم طويل ، لا يوقظه منه غير اشتعال جذوة الكفاح الفلسطينى من جديد ، فلم يعد لدى الفلسطينيين ما يخسرونه ، إن هم قاموا بثورة جديدة ، وتاريخهم البعيد والقريب حافل بالثورات والانتفاضات ، وليس عليهم سوى أن يكسروا قيودهم ، وأولها قيد السلطة الفلسطينية وليدة اتفاق أوسلو ، فما من أفق قابل للانفتاح ، وما من امكانية لتجديد الكفاح الفلسطينى ، بغير حل السلطة العبثية ، وإعادة بناء منظمة التجرير الفلسطينية ، وضم “حماس” و”الجهاد الإسلامى” إليها ، والخروج الطوعى لقيادات شاخت فى مواقعها ، وإنهاء حروب داحس والغبراء بين غزة ورام الله ، والتطليق النهائى لوهم الدولة الفلسطينية المنفصلة فى الضفة وغزة والقدس الشرقية ، واستعادة الحلم الأصلى لتحرير كامل فلسطين من النهر إلى البحر ، وبأساليب وأدوات كفاح جديدة ، تستثمر التغيرات الجارية فى فلسطين المحتلة بكاملها ، خصوصا الثقل السكانى المتزايد للفلسطينيين فى الأرض المحتلة بكاملها ، وفيها يفوق عدد الفلسطينيين اليوم عدد اليهود المجلوبين للاستيطان ، كما يفوق عدد الفلسطينيين عدد اليهود فى الدنيا كلها ، والمعنى ظاهر بلا التباس ، فإذا كان بوسع دولة الاحتلال اليوم أن تجهض هدف دويلة الضفة وغزة ، فإن بوسع الفلسطينيين لو اجتمعت كلمتهم ، أن يجهضوا وينهوا هدف الصهيونية فى جعل فلسطين دولة خالصة لليهود ، وبشرط واحد فيما نظن ، هو العودة للهدف الفلسطينى ساعة إطلاق رصاصة العاصفة الأولى أوائل 1965 ، وهو إقامة دولة ديمقراطية واحدة على أرض فلسطين كلها ، تكون الأغلبية السكانية فيها للعرب الفلسطينيين كما هى اليوم ، وتتحول إلى أغلبية ساحقة فى مدى العقود القليلة المقبلة ، تفرض كلمتها الديمقراطية الغالبة ، وتقوض المؤسسة الصهيونية الفاشية العسكرية ، وبأساليب كفاح متنوع ، لا تستثنى المقاومة المسلحة .
[email protected]

SHARE

اترك تعليق