قاسم-المحبشي

اثبتت الدراسات العلمية والتجارب التاريخية أن غياب الفلسفة والعلوم الإنسانية من مناهج التعليم والتربية في البلدان العربية الإسلامية يعد من الأسباب القوية لتصاعد ظاهرة التطرف والإرهاب في أواسط الطلاب والشباب العرب.” كتب مارتن روز، “زميل زائر” في مركز الأمير الوليد بن طلال للدراسات الإسلامية في جامعة كامبردج، ومستشار “المجلس الثقافي البريطاني” في الشرق الأوسط، ورقة عمل بعنوان “تحصين العقل” Immunising the mind فحصت الأبحاث التي تناولت هذه المسألة في المنطقة العربية. اقترحت الورقة أن هناك ارتباطا بين تدريس بعض المواد و”العقلية المنغلقة” المميزة للمتطرفين الراديكاليين.

كما اقترحت الورقة أن تغيير الطريقة التي تُدَّرس بها بعض المواد، وتشجيع وجهات النظر البديلة والتساؤل، و“أنسنة” تدريس المواد العلمية والتقنية، بجانب التعليم الجيد للعلوم الإنسانية والعلوم الاجتماعية – المهملة غالباً في جميع أنحاء الوطن العربي – يمكن أن يساعد في تحصين عقول الشباب ضد التطرف والانخراط في الأيديولوجيات الراديكالية.

إذا كان هذا الاستنتاج صحيحاً، فإنه يمكن أن يكون له بعض التضمينات المهمة على السياسات التعليمية”( ينظر، أسامة محمد عبد المجيد إبراهيم، تحصين العقل من التطرف والإرهاب؛ كيف يمكن للتعليم أن يُحصِّن العقل ضد الأيديولوجيات المتطرفة؟ ) وقد بينت الدراسات البحثية المقارنة للعلاقة بين التخصصات العلمية والنزعة التطرفية والإرهابية أن معظم المنجذبين لممارسة الأعمال الإرهابية ومن لديهم قابلية للتطرف العنيف هم من طلاب الكليات العلمية التي لا تدرس الفلسفة والعلوم الإنسانية “جاء في الدراسة التي أعدها خبير في المجلس الثقافي البريطاني، أن نصف من سمتهم “الجهاديين” -أي ما يعادل 48.5% منهم- الذين انخرطوا في تلك الحركات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تلقوا نوعا من التعليم العالي، 44% منهم حاصلون على درجات في الهندسة. وترتفع هذه النسبة بين الجهاديين الغربيين إلى 59%.وأظهرت دراسة عن “الإرهابيين” في تونس -التي أعمل فيها مهندس كهربائي قتلا للسياح على شاطئ سوسة في يونيو/حزيران الماضي- نسبا مماثلة. وأشارت دراسة أخرى إلى أن من بين 18 مسلما بريطانيا تورطوا في هجمات إرهابية، درس ثمانية منهم الهندسة أو تقنية المعلومات، وأربعة آخرون العلوم والصيدلة والرياضيات، في حين تلقى واحد فقط دروسا في العلوم الإنسانية ” وفي هذا السياق جاء كتاب (مهندسو الجهاد: العلاقة بين التطرف العنيف والتعليم) تأليف كل من “دييجو جامبيتا” Diego أستاذ علم الاجتماع في معهد الجامعة الأوروبية بفلورنسا، وستيفين هيرتوج” أستاذ مشارك في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية استند الكتاب عل دراسة عينة مكونة من (497) شخصاً من الجماعات المتطرفة، بيانات توفرت بيانات لعدد (207) فردا منهم، إذ وُجد أن منهم (93) تخصصوا في الهندسة، بينما حوالي (38) شخص كانت تخصصاتهم في الدراسات الإسلامية، في حين أن الأعداد الأقل كانت في تخصصات أخرى، كالتالي: عدد (21) تخصصوا في الطب، و(12) في الاقتصاد، و(8) في الرياضيات والعلوم، و(5) في القانون، والبقيّة من تخصصات أخرى متنوعة (ينظر،أحمد عبدالعليم،مهندسو الجهاد: دراسة في العلاقة بين التعليم والتطرف العنيف، المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 4 يوليو 2016). وفي محاولته تفسير العلاقة المحتملة بين التخصصات العلمية والظاهرة الإرهابية صاغ مارتن روز كبير مستشاري المجلس البريطاني لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مفهوم (العقلية الهندسية) التي تتمحور حول فكرة غاية في السهولة إذ تنظر إلى الأشياء عبر منظارين إما صواب وإما خطأ.

وترى الدراسة أن هذه النزعة تضر بقدرة طلاب العلوم والهندسة على تنمية مهارات التفكير النقدي.” ن دراسة الهندسة تجعل الخريجين أقل قدرة على استيعاب الطبيعة الارتباطية المتداخلة التي تتسم بها العمليات والعلاقات السياسية والاجتماعية، وبالتالي فهم أقل قدرة على التعامل مع العالم المحيط باعتباره نتيجة تفاعلات متزامنة من عمليات معقدة.

وفي المقابل، يفترض هؤلاء الطلاب أن كل ما حولهم له طبيعة ميكانيكية “عقلانية” أقرب إلى ما هو عليه الحال في طريقة عمل الماكينات والآلات، بما يجعلهم أكثر تقبلا لفكرة واحدية النظام إلى حد قولبته. أضف إلى ذلك أن طبيعة الدراسة لا تقترب من المعتقدات الدينية بأي شكل من الأشكال، وهو ما يجعل الدارس – على الأقل طوال فترة دراسته، التي تمتد إلى خمس سنوات – غير معرض للوقوف أمام النصوص الدينية والتفكير فيها بشكل نقدي؛ وهو ما ينتج في النهاية شخصًا أكثر تقبلا للنص، وأكثر قابلية للتأثر بالحجج التي تقدمها الجماعات المتطرفة”( العالم دراسة: خريجو الهندسة أكثر ميلا إلى التنظيمات الإرهابية، الاقتصادية، الرياض، 9 مايو 2019). وقبل ثلاث سنوات عبر الأكاديمي والكاتب السعودي سليمان الضحيان عن صدمته البالغة من الافعال الانتحارية الإرهابية التي اقدم عليها أطباء ومهندسين في العراق والاردن ويرى في تفسيره لهذه الظاهرة ” أن طبيعة الهندسة والرياضيات والعلوم تعتمد على منهج علمي صارم، لا يسمح بوجود وجهات نظر متعددة، بل النتيجة تكون حاسمة، وهذا المنهج ينتج عقلية تتعامل مع الواقع الإنساني بما فيه من أفكار، وأشخاص، وأحداث كما تتعامل مع المادة الصماء، وذلك بمقياس صارم يقوم على ثنائية الصواب والخطأ، والحق والضلال، ولا مجال فيه لوجهات نظر، أو نسبية، وهذا ما يقتل فيها الروح النقدية، ويجعلها أقرب للخضوع لفكرة واحدة باعتبار أنها هي الحق والصواب غير القابل لأي تساؤل أو مراجعة، وهذا ما يسهِّل تجنيدها في جماعات العنف؛ لأن منهج تلك الجماعات قائم على الصرامة في فهم الدين، والثنائية الحادة في فهم تعاليمه، فليس ثمة لديها إلا كفر وإيمان، وهو فهم نهائي لا يقبل المراجعة، أو التعددية في الفهم، وهي بهذا المنهج تتوافق مع المنهج الذي تربى عليه أصحاب التخصص العلمي، بخلاف مناهج العلوم الإنسانية القائمة على النسبية، وتعدد وجهات النظر، والقابلية للنقد” ينظر، سليمان الضحيان ، أي التخصصات الجامعية أكثر قابلية للتطرف؟ جريدة مكة، 9 مارس 2016).

الا يعني ذلك الرأي المتحصل من الدراسات البحثية العلمية أن الطلاب العرب الذين وقعوا في مخلب الإرهاب المسعور وضحاياهم في كل مكان هم بعد كل حساب ضحايا لنظم التعليم والتربية العربية التقليدية البليدة التي تعيش حالة من الانفصام الشديد بين العلم والثقافة العلمية؟ إذ اثبتت الدراسات في فلسفة العلم وتاريخه أن مسألة نمو العلم وتقدمه وازدهاره ليست مسألة علمية بل تتعين في تلك المجالات الواقعة خارج العلم حيث يتأمل البشر طبيعة الكون والإنسان بأعمق معانيها وأشدها غموضا، وحيث يخلق الخيال الإنساني المؤسسات التي تسمح للأفراد بالاستمتاع على الدوام بالفضاءات المحايدة أو الأطر الميتافيزيقية والثقافية الأوسع التي تجري ضمنها أنماط العلاقات والممارسات والخطابات التي تتشكل في سياقها تصورات الإنسان عن ذاته وعن عالمه وعن الآخرين تشكيلاً عميقاً، وهذا هو معنى الثقافة بعدها منظومة كلية مركبة من كل ما نفكر فيه أو نقوم بعمله أو نتملكه أو نفضله كأعضاء في المجتمع، فالثقافة السائدة في حضارة ما بوصفها نموذجاً إرشادياً (باراديم) إما أنها تدعم قوى الإنسان العقلية والإبداعية أو تحد منها وتضيق فرص نموها وازدهارها. في ضوء هذا المنظور يمكن تمثيل العلاقة بين العلم والثقافة بعلاقة الابن والأم، فالثقافة هي الرحم الحي لتخصيب وميلاد ونمو العلم، فكيفما كانت صحة الأم يكون الابن سليماً أو سقيماً.

وهكذا كانت وما برحت وظيفة الثقافة هي: تحضير ولادة الفيلسوف والمفكر والعالِم والفنان والمؤرخ والفقيه والأديب والناقد والكاتب والخبير والمربي والسياسي وكل ما يتصل بتفتيح وتنمية قوى الإنسان وقدراته ومواهبه العقلية والعاطفية والبدنية. وهذا هو تعريف كلمة (ثقافة) في (المعجم الفرنسي المنشور 1933) إذ جاء فيه «إن كلمة ثقافة تطلق مجازاً على الجهد المبذول في سبيل تحسين العلوم والفنون وتنمية القدرات الفكرية ومواهب العقل والذكاء» وهي بهذا المعنى تتميز بجملة من السمات منها: 1) التهيؤ كما هو الحال بالتربية البدنية التي تهتم ليس بتمرين عضو معين من أعضاء الجسم، بل بتمرين وتهيئة الجسم كله وإكسابه اللياقة اللازمة بممارسة الرياضة والثقافة بوصفها استراتيجية للتنمية العقلانية المستدامة، تمنح الأفراد القدرة على استعمال جميع المعارف والمهارات المكتسبة لمجابهة الأوضاع المختلفة وحل المشكلات الجديدة؛ أي تمنحهم (الذكاء العاطفي) إذ أن الثقافة بالمعنى الانثربولوجي: هي ما يبقى بعد نسيان كل شيء. 2) الاستيعاب بمعنى استخدام المعرفة وتجريبها ذاتيا؛ لأن المرء لا يستطيع أن يتصرف بمعرفة ما إلا عندما يستوعبها ويجسدها في لغته وذهنه وتجاربه وخبراته. 3) الشمول، بمعنى القدرة على الربط العميق بين المعارف المستوعبة والمواضيع والقضايا التي تبدو متباعدة، والنظر إليها برؤية عقلانية كلية متسقة.4) الحكم، بمعنى؛ القدرة على التجريد والحكم المنطقي على الاشياء؛ حكما مشفوعا باتساع الأفق الذي يعني في العلم (الحلم) وفي الفن (الذوق) وفي الأخلاق (الضمير) وفي الحياة (الفهم). وهذا هو (كل) ما يمكن انتظاره من الثقافة، وبدون هذا الـ(كل) لا وجود لشيء جدير بالقيمة والاعتبار.لاشك بأن هناك علاقة عضوية بين العلم والثقافة، فالهدف الأساسي من التعليم والتربية هو خلق الإنسان السوي الحر القادر على مواجهة مشكلات مجتمعه وعصره بروح إيجابية وسعة أفق عقلانية مرنة وخلاقة تمنحه القدرة اللازمة على التعاطي الفعال مع واقعه وهويته وتاريخ مجتمعه وقيمه وتراثه في سياق حاضره وتحدياته المتغيرة باستمرار بما يجعله قادرا على بناء مركب ثقافي علمي انساني عقلاني جديد يمزج بين أصالة الماضي وحيوية الحاضر واستشراف المستقبل.

وبذلك تكون الثقافة في جوهرها الإنساني التاريخي الإبداعي بوصفها ذلك الكل المركب الذي يشكل تفكيرنا وخيالنا وسلوكنا وقيمنا وعاداتنا وتقاليدنا وهي فضلا عن ذلك أداة لنقل السلوك ومصدر دينامي للتغيير والإبداع والحرية وتهيئة فرص الابتكار والمنافسات والمبادرات الفردية، وهي مصدر للطاقة والإلهام والتنوع والاختلاف والشعور بالهوية والانتماء. في هذا السياق يمكن لنا فهم الاصوات الملحة التي أخذت تتزايد في عموم العالم العربي والإسلامي الداعية الى ضرورة التفكير الجدي في إعادة الاعتبار للدرس الفلسفي وتفعيل دور العلوم الإنسانية والاجتماعية في مدارس وجامعات الدول العربية.

بالاتساق مع الفكرة الجوهرية التي تقول: أن الناس يسلكون بحسب مع يعتقدون ويفكرون ويتصورون علاقتهم بالعالم والحياة والمجتمع إذ إن من اقتنع بأن الموت هو السبيل إلى الجنة وأن التفجير والانتحار هو فعل جهاد واستشهاد في سبيل الله -سبحانه وتعالى- لا يمكن أن تخيفه القوة العسكرية مهما بلغت ضرباتها وسطوتها، بل ربما تزيده حماسة وإصراراً على السير في هذا الطريق الشديد الوعورة والانحدار. ولأمر كذلك فإن السبيل الممكن في مواجهة العنف والتطرف والإرهاب هو العمل على تغيير القناعات والأفكار بالتربية والتعليم والتنوير والتفكير، وعلى الجميع مؤسسات (الأسرة وروضات الأطفال مدارس ومساجد ورجال الدين والدعاة والمفكرين والإعلامين ) تقع اليوم مسؤولية العمل على تعديل وتهذيب وتنوير الاعتقادات والقناعات عند الأطفال والشباب وجميع الأفراد المغرر بهم حتى تساعدهم على تغيير سلوكهم وأفعالهم وممارساتهم؛ إذ لا توجد قوة في العالم يمكنها ردع المقتنع عن تحقيق قناعته غير فكرة مقنعة أخرى ، فإما أن يكون السلام في الروضة والمدرسة ودور العبادة والأسرة والمجتمع والسياسة أو لا يكون! وكلما اتسعت فرص العيش الكريم للشباب، ضاقت فرص العنف والموت الذميم.

ويستطيع الإعلام الجديد عمل الشيء الكثير في هذا الشأن بما يمتلكه من ممكنات وادوات بالغة الفاعلية والتأثير. يقول أيمن منصور:” أنا قبل و بعد، الصورتان بدون أيّ تعديل بينهما خمس سنوات لكنّ الفرق بينهما مسافة فكرية و ليست مادية هذه المسافة الفكرية غيّرتني. من جاهل مُعمم متعصب عنصري متخلف يحب الأسلحة يبحث عن قطيع يشارك معه في معارك دموية إلى شخص على فطرتهِ متسامح حر مستقل مُحب الإنسانية عامةً سلاحهُ قلم و ورقة.

بإختصار هذا أنا قبل و بعد معرفة الدكتور عدنان إبراهيم”.

SHARE

اترك تعليق