نادية صبره

كل المؤشرات تؤكد أن تونس سوف تشهد أزمة سياسية حادة في الأيام المقبلة سببها الرئيسي هو (راشد الغنوشي) زعيم حركة النهضة ورئيس البرلمان التونسي والذي كان إنتخابه أصلاً عسيراً ومفروض على الأغلبية حيث ضغطت حركة النهضة لتعيين الغنوشي رئيساً للبرلمان ولذلك عقدت صفقة معروفة مع حزب قلب تونس ليكون لها الأغلبية الضئيلة بـ109 عضواً من أصل 217 عضواً وقد أصبح الغنوشي عنصر توتر ومربط الفرس للإنقسامات الحادة داخل المجلس وخارجه فهو على مدار أربعة أشهر منذ توليه رئاسة المجلس ترك مناقشة القضايا الاجتماعية الهامة التي يعاني منها المجتمع التونسي مثل البطالة والفقر والفساد وكذلك الملفات الاقتصادية وتفرغ لأولى الأولويات لديه وهو الوضع الإقليمي وتكريس الأجندة التركية في المنطقة ودعم دورها في المغرب العربي بما يخدم المصالح التركية وكرس الغنوشي إهتمامه لدعم الإخوان في ليبيا وضمان إنتصارهم هناك حتى إن البرلمان الليبي برئاسة السيد “عقيلة صالح” عندما خاطب البرلمان التونسي لعقد جلسة مشتركة للتحاور أخفى ذلك عن أعضاء البرلمان التونسي بعد أن رفض الدعوة، وقد بدءت مشاكل الغنوشي في البرلمان منذ لقائه أردوغان بأنقرة في ديسمبر الماضي ثم مكالمته في شهر مايو الماضي (لخالد المشري) رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا للتهنئة باستيلاء ميليشيا الوفاق على قاعدة الوطنية الجوية القريبة من الحدود التونسية وإخفاء تلك المكالمة عن النواب التونسيين حتى تم نشرها على الصفحة الرسمية لحكومة الوفاق الليبية..

وهو بالطبع يتعارض مع الموقف الرسمي للدولة التونسية الواضح والصريح والذي كان عنوانه دائماً النأي بتونس عن الأزمة الليبية وأن تونس على الحياد بمعنى الحياد وأيضاً مقابلته مع وكالة الأناضول التركية والإدلاء بتصريحات تؤيد حكومة السراج المشكلة أن الغنوشي يرى نفسه أكبر من مجلس النواب لذلك يقوم بمهام وزير الخارجية وليس رئيس البرلمان ويدلي بتصريحات ومواقف للدولة التونسية دون إستشارة أعضاء البرلمان والواقع أن حركة النهضة هي جزء صغير من التنظيم الدولي للإخوان المسلمين لذلك إتسم خطاب الغنوشي بالإزدواجية وهذا هو سبب كل مشاكل حركة النهضة في تونس منذ نشأتها وحتى الآن فالغنوشي يقدم خطاب للداخل يعلن فيه الحياد والوقوف على مسافة واحدة تجاه أطراف النزاع في ليبيا وخطاب آخر لحلفاء حركة النهضة في الخارج يعلن تضامنه وموقفه الداعم لحكومة الوفاق وبعد جلسة ماراثونية داخل البرلمان التونسي استمرت 20 ساعة ومساءلة تاريخية للغنوشي عراب الإخوان في تونس للأسف لم تفضي إلى قرارات قوية ولم يترتب عليها شيء وذلك لأن توازن القوى داخل المجلس مختل لصالح النهضة التي تواصل خرق الدستور إلا أن الجلسة كانت بمثابة كشف حساب لحركة النهضة وحشر لها في الزاوية خاصة بعد التراجع الكبير في شعبية الغنوشي بعد تحوله لمادة خلافية في تونس سياسياً وشعبياً لإستخدامه منصبه في مواقف تخدم حلفاؤه ولا تخدم مصالح الدولة التونسية.

حتى أن “الغنوشي” لم يتورع عن الهجوم على الرئيس التونسي الراحل “الباجي قايد السيبسي” ولم يستحي من ذلك رغم أن السيبسي على الساحة العالمية والعربية كان شخصية ذات وزن في كل المحافل الدولية… ثم جاءت (عبير موسى) رئيس كتلة الحزب الدستوري الحر النائبة التي سببت صداع كبير لحركة النهضة وأرهقتها فأسناتها أشد من الباجي قايد السيبسي كما وصفها بعض المحللين وقدمت لائحة مقترحة توقع عليها مختلف الكتل السياسية في البرلمان التونسي لتصنيف الإخوان تنظيم إرهابي كما طالبت في مؤتمر صحفي بالكشف عن الملف القانوني لما يسمى حزب النهضة الذي تأسس في مارس 2011 أي بناء على قانون 88 الذي يمنع قيام الأحزاب ذات المرجعية الدينية كما أكدت أن لديها معلومات بأن نواب من النهضة يتواصلون مع إرهابيين بالسجون وطالبت بسحب الثقة من الغنوشي واعتبرت أن هذه الخطوة لو تمت ستكون الأولى نحو تصنيف الإخوان كمنطقة إرهابية.

كما ستسهم أيضاً في فرز المشهد السياسي وإزاحة الإخوان من مفاصل الدولة لتصبح القوى المدنية في صدارة المشهد وتقوم بالإصلاحات السياسية والإقتصادية التي ينتظرها الشعب التونسي

والجدير بالذكر أن (عبير) هي النائبة الوحيدة التي ترفض تسمية “الغنوشي” برئيس البرلمان أو مناداته بسيدي الرئيس وكشفت عن قيام حركة النهضة بتسفير الشباب التونسي لبقع التوتر وأنها سوف تكشف الحقائق للشعب لأن الإخوان مصريين على إخفاء هويتهم السياسية وإرتباطهم بالإخوان وأن يكون الرأي العام على علم بالتفاصيل وبالأجندة الإخوانية وذلك حماية لتونس وأمنها رغم تلقيها تهديدات بالاغتيال عبر الدواعش القادمين من ليبيا.

والواقع أن الحلقة بدأت تضيق على حركة النهضة فهي كل يوم تتلقى صفعة جديدة واللائحة التي تهدد بها (عبير) بتصنيف الإخوان حركة إرهابية جعلت النهضة في حالة تخبط وورطة حقيقية فلو صوتوا لصالح اللائحة سوف يفقدون التنظيم الدولي وأردوغان وإن لم يصوتوا سوف يفقدوا مقاعدهم في البرلمان لذا حاولت النهضة الغضط على الكتل المشكلة للحكومة فكانت النتيجة استقالات كثيرة في حزب تحيا تونس
وأيضاً إستقالات داخل حركة النهضة أغلبها قيادات في الحركة كان آخرهم (عبد الرزاق حسين) الذي إستقال بعد أن وجه إتهامات للغنوشي بالتفرد بالقرار وبأنه ديكتاتور كما سبقه للإستقالة زياد العبادي وعبد الحميد جلاصي أحد صقور الحركة وأيضاً عبد الفتاح مورو وهو أحد المؤسسين الذي إستقال معلناً إعتزال العمل العام كل هذه الإستقالات تؤكد وجود إنقسامات داخلية غير مسبوقة داخل الحركة إلا أن ما يحدث داخل تنظيم الإخوان فرع تونس هو خلاف على من سيخلف الغنوشي الذي ليس له حق الترشح لعهدة ثالثة لذلك قام بحل المكتب التنفيذي للحركة وقام بتأجيل المؤتمر العام للحركة أملاً في أن يتمكن من عهدة ثالثة لقيادة الحركة التي يتربع على قياداتها منذ أربعين عاماً.. المشكلة الكبيرة أن الإخوان إدعوا كذباً أنهم تخلصوا من الجانب الدعوي وأنهم أصبحوا حزب سياسي مدني وهم في واقع الأمر تنظيم يقوده شيخ والمعركة الدائرة الآن داخل الحركة ليست على مصالح وطنية أصلاً إنما على المال وبمعنى أدق الأموال الطائلة التي كدسها الغنوشي في مصارف بريطانيا والتي تحصل على جزء كبير منها من عبد الحكيم الحاج في ليبيا هذا هو الخلاف فلم يتم الحساب بين القيادات التي في المهجر أو السجون والتنظيم بالطبع يتخذ الإحتكار المالي نظام له وهو جزء من الإرتباط بالتنظيم الدولي ومن المرجح أن يفوز بخلافة الغنوشي (نور الدين البحيري) رئيس كتلة حركة الإخوان في مجلس النواب لأنه يملك أكبر لوبي داخل الحركة وقد فشلت توسنت حركة النهضة أو دمجها في المجتمع التونسي وكل محاولة لذلك هي مضيعة للوقت لأن الخلفية الثقافية والفكرية هي خلفية إخوانية بإمتياز.

أتمنى أن يتم إزاحة حركة النهضة من المشهد السياسي لأنها ستظل عنوان كل الأزمات التي تعيشها تونس في الداخل والخارج وأن تنجح عبير موسى التي أعتبرها صوت تونس الحر… فالموقف من المسألة الليبية جعل تونس أسيرة لتطورات الوضع في ليبيا لذلك فعندما تتغير التوازنات سوف تنعكس سلباً على تونس وهي بكل تأكيد مخاطرة ما كانت لتقوم بها لولا “الغنوشي” الذي أقحم تونس في آتون الصراع الليبي.

اترك تعليق