كتب: على طه

الكائنات المجهرية التى تعيش على جلد الإنسان، والميكروبات التى تعيش على الأرض، موضوع غامض على العوام، وقليل التداول فى وسائل الإعلام، وفى السطور التالية، يكشف عميد كلية طب المنيا السابق، الدكتور محمد ابراهيم بسيوني، جانبا من هذا العالم، حيث يقول فى تصريحات خاصة لـ “دار المعارف” :

عندما تلمس وجهك فأنت لا تشعر بالكائنات المجهرية التي تعيش على وجهك وأصابعك، أنت لا تشعر بالفطريات التي انحرفت إلى الأسفل عبر القنوات الهوائية، أنت لا تشعر ببعض من مائة مليار خلية بكتيرية تعيش على بشرتك وتقوم بالمضغ من زيوت الجلد الخاصة بك وتتكاثر، من المرجح أنت تقوم بلمس البكتيريا البرازية التي وصلت اليك في آخر مرة استخدمت دورة المياة، أو تلك البكتيريا التي تعيش في أنابيب المياة، إنك على الأقل تعطي كفك مجهريا لنوع من البكتيريا التي تعيش على وجوهنا، ولقد مضوا الليل يتلون عبر وجهك ويتزاوجون على أنفك. العديد منها تسرب محتوياتها امعائها عبر المسام الخاصة بك.

ويضيف الدكتور بسيونى: أنه فقا لتقديرات علمية هناك حوالي تريليون نوع من الميكروبات على الأرض، و99.999 في المئة منها لم يتم اكتشافها بعد.
وفي الآونة الأخيرة منذ عدة أعوام كان يعتقد أن عدد الأنواع الميكروبية هو بضعة ملايين على الأكثر وأكثر قليلا من عدد أنواع الحشرات ولكن التقديرات ظلت تنمو منذ ذلك الحين.
ومن خلال أستخدام تقنيات الحمض النووي المتطورة للكشف عن الحياة المجهرية في المنازل، وجدوا أكثر من ستمائة فصيلة من الحشرات في منازل أمريكا، بدء من العناكب والصراصير إلى أنواع العث الصغيرة.
ويؤكد الدكتور بسيونى أن هناك أكثر من مائة ألف فصيلة من البكتيريا والفطريات تعيش في أدوات تنظيف الغبار، والآلاف في أماكن أخرى كأماكن الاستحمام، وليس هذا وحسب بل تطرقت هي وفريقها للبحث في أماكن أبعد من ذلك، فبحثوا عن الحياة المجهرية التي تعيش داخل أجساد الحشرات التي تعيش في المنازل، فمثلا الدبور وجدوا فيه غابة مجهرية، ففيه عالم من مئات الأنواع النابضة بالحياة.
تستقصي تقنية الحمض النووي DNA من البيانات المتاحة للميكروبات، وليس على أساس الكائنات الفردية ولكن على عينات من الحمض النووي.
فإذا قلنا مليوناً، فإننا نعني مليون قطعة من الحمض النووي التي نعتقد أنها تنتمي إلى كائنات مختلفة، ومن بينها تمثل أنواعا مختلفة.
والنهج الثاني هو استخدام نموذج معروف للتنوع البيولوجي كأساس لصنع التنبؤات. “إذا كنت تعرف عدد الأفراد، يمكنك التنبؤ بالأنواع الأكثر وفرة”.
ويواصل الدكتور بسيونى إن البشرة نسيج من النظم الإيكولوجية تقريبا حجم ثلاثة مناشف الحمام فهذه المجتمعات المعقدة من البكتيريا والفيروسات والفطريات تعيش في هذه الموائل المتنوعة من الوجه والظهر، إلى كهوف رطبة من الأنف.
على مدى عقود، قال الباحثون إن بعض سكان الجلد المجهري هم الذين يُلامون على بعض الاضطرابات، مثل حب الشباب والأكزيما.
في المائة سنة الأخيرة ظهرت حلول إنسانية للمشاكل الميكروبية، ولكن خلال المائة سنة القادمة ستظهر حلول ميكروبية للمشاكل الإنسانية.
فتلك المائة ألف فصيلة التي تم اكتشافها تمثل أيضا مائة ألف حل لمشاكل إنسانية، شئ من الصعب تصديقه كائنات غاية في الصغر يمكنها عمل أشياء بمنتهى القوة.
فكائنات تستطيع المحافظة على حياتها بتناول اي شئ من البلاستيك والنفايات ولها القدرة على العيش في أي مكان بمقدورها إنتاج الزيت والطاقة من شذرات صغيرة من الذهب الحقيقي، وتحويل مواد غير قابله للأكل إلى مواد غذائية غاية في الأهمية لا غنى عنها، تهب هذه الكائنات الشوكولاه نكهتها والتربة القدرة على النمو، كما تحيل السكر إلى كحول ..
إن المائة سنه المقبلة ستكون حافلة بالأشياء المذهلة في هذا العالم، ستحل هذه الكائنات مشاكلنا العديدة.
وفى سياق قريب يقوول الدكتور بسيونى إن الدكتور ريتشارد جالو، طبيب الأمراض الجلدية والأحياء في جامعة كاليفورنيا، سان دييجو، وزملاؤه، قاموا مؤخرا بتصنيع علاج ميكروبي مبتكر للأكزيما، وهو اضطراب يتميز ببشرة حمراء وحكة ملتهبة، وكانت وصفة بسيطة نسبيا.
وقد اكتشف الدكتور جالو أن المكورات العنقودية هومينيس والمكورات العنقودية البشرية، وأعضاء عادة من ميكروبيوم الجلد البشري، يمكن أن تقتل المكورات العنقودية الذهبية، والتي من المعروف أن تلعب دورا في الأكزيما، لذلك قام الفريق بطرح المكورات هومينيس والمكورت إبيدرميديس من جلد عدد قليل من المتطوعين مع الأكزيما، ونمت البكتيريا في المختبر، وأدرجت الميكروبات في محلول سيتافيل.
بعد ذلك طبق البلسم التجريبي على المتطوعين، مما أدى إلى زيادة كبيرة في أعداد بكتيريا الجلد المفيدة الخاصة بهم، في غضون 24 ساعة، تم القضاء تقريبا على العنقودية الذهبية من جلدهم، كما تمكن الباحثون من التعرف على بعض المركبات التي تستخدمها البكتيريا المفيدة لردع العنقودية الذهبية.
هذه كانت المرة الأولى التي يظهر فيها أي شيء من هذا القبيل، وما زال يتعين أن نراه هو ما إذا كان هذا النوع من العلاج يمكن أن يقلل من خطورة الامراض الجلدية على المدى الطويل.
الآفة الدبور الذي يعيش في المنازل بداخله كائنات مجهرية لها العديد من المميزات. فله قدرة على صناعة البيرة وهي ميزة القليل جدا من الفصائل من يملكونها، الحقيقة كل أنواع البيرة المتوفرة تصنع من ثلاث فصائل مجهرية، ولكن هذه الفصيلة تستطيع صنع بيرة ذو مذاق العسل، ولها طعم ورائع ولاذع.
هذه الفصيلة المجهرية الدقيقة التي تعيش في بطن الدبور تصنع بيرة قيمة وحامضة، أفضل من تلك الفصائل الاخرى، والآن أصبح بالإمكان القول أن البيرة تصنع من أربع فصائل مجهرية على هذا الكوكب.
الباحثون اكتشفوا كائنات مجهرية تنتج مضادات حيوية جديدة تستطيع قتل أسوأ الجراثيم في العالم، فكل يوم الكثير على هذا الكوكب يتم إنقاذهم ببكتيريا مشابهه لبكتيريا التربة، فحيثما كنت تنظر إلى التربة على أنها أوساخ، فلتنظر إليها على أنها دواء.
روث البقر يحتوي على كائنات مجهرية وسميت بروث البقر أيضا كونها وجدت هناك أول مره، وجد الباحثون أن عند تغذية الفئران بها تكون كعلاج لها من اضطراب ما بعد الصدمة، فحيثما كنت ترى روث البقر فكر في الأمل.
ولا أنسى ذكر تلك العبارة التي قالها الدكتور غالو التي تحوي حلولا مستقبلية مذهلة :”هناك الكثير من الأدوية القوية الجديدة تحت أنفنا”.
الآن فكر في المائة ألف فصيلة التي تعيش في أداة تنضيف الغبار وما يمكن أن تفعله، ففي المستقبل قد تجعلك أكثر جاذبية، ولربما أكثر ذكاءً وقد تمنحك حياة أطول.
لقد تغيرت نظرتنا لهذه الكائنات بشكل كبير، فلم نعد نرى من خصومنا القديمة تلك إلا كائنات ودية لطيفة نسعى لخلق علاقات ودية معها أيضاً، إن الغوص في عالم الكائنات المجهرية والتعمق في القراءة فيه يجعلك تتلذذ بقراءة الجديد دون ملل، عالم الأحياء المجهرية هو حياة أخرى على هذه الأرض يحتاج منا أن نحافظ عليه أكثر من السعي نحو إبادته، الكائنات المجهرية هي عالماً من الكائنات الصغيرة تشاركنا العيش على هذا الكوكب وتهبنا المنفعة .
وينتهى الدكتور بسيونى إلى القول: لكن هناك أسئلة تجتاح فكر. هل هناك كائنات مجهرية أخرى على كوكب آخر؟ أم أن وجود مثل هذه الكائنات يحتاج إلى كائنات كالإنسان والحيوان مثلا؟ وإن كان فما السر؟ هل هذه الكائنات تحتاج إلى الإنسان لتوجد؟ أم إن الإنسان هو من يحتاجها لأكل رفاته بعد أن يموت، وتناول مخلفاته التي لا تنتهي وتحقيق توازن على أرض وجودهما؟ أم أن كل فرد منهما بحاجة ماسة إلى الآخر ليوجد، فوجدا معا منذ الأزل؟ فلنفكر سوياً بذلك.

اترك تعليق