نادية صبره

“سرت والجفرة بالنسبة لنا خط أحمر.. عمرنا ما كنا غزاة لأحد ولم نكن معتدين على سيادة أحد ولو كنا بنفكر كده كان ممكن نعمل الكلام ده من سنة وإثنين وثلاثة وأربعة.. ولم نتدخل حتى لا يذكر التاريخ أننا تدخلنا في بلادكم وأنتم في موقف ضعف لكن الموقف الآن إختلف النهاردة فيه معادلة الأمن القومي العربي والأمن القومي المصري والليبي بتهتز وإذا لم نكن مدركين لذلك ومستعدين لتقديم التضحيات اللازمة والمواقف الشريفة مننا كلنا..

إذا تحرك الشعب الليبي من خلالكم (مشيراً لزعماء القبائل الليبية) وطالبنا بالتدخل فهذه إشارة للعالم أن مصر وليبيا بلد واحدة ومصالح واحدة وأمن واحد وإستقرار واحد لا نرغب في شيء إلا أمن وسلامة واستقرار ليبيا”

هكذا كانت تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي في قاعدة سيدي براني في العشرين من يونيو الماضي واضحة وصريحة ولا تحتمل اللبس وأن سرت والجفرة خط أحمر وفاصل وبداية لأمن مصر القومي وحديث الرئيس لم يكون إعلان حرب كما حاولت أن تروج له حكومة الوفاق التي لم تكتمل شرعيتها وشركائها بل مبادرة للسلام فهو لم يقول لهم إنسحبوا من ترهونة أو الوطية بل قال توقفوا عند هذا الحد ولترفع كل الأيادي وليذهب الفرقاء الليبين للأمم المتحدة ويبرموا إتفاق..

الرؤية المصرية للدفاع عن الدولة الليبية قوبلت بإحترام إقليمي ودولي لأن الموقف المصري منذ تصاعد الأزمة في ليبيا يأتي في سياق واحد لم يتغير وهو بمثابة خارطة طريق على المرجعيات السابقة ومخرجات برلين والعمل على وحدة التراب الليبي وتفكيك الميليشيات ووقف التدخلات الخارجية واستقلالية الدولة الليبية.. إن القيادة المصرية تدرك جيداً ما تفعله تركيا وحجم الدور السياسي التركي في ليبيا حيث يضع أردوغان أمامه خريطة ليبيا ويتصرف وكأنها ولاية عثمانية ويحدد من يجلس على مائدة المفاوضات ويستقبل أي مسؤل ليبي يريده دون التقيد بالبرتوكول والأعراف الدولية مثلما استقبل محافظ البنك المركزي الليبي في اسطنبول قبل بضعة أيام..

ويجهز مع ميليشيا الوفاق لإحتلال مدينة (سرت) وهي بداية منطقة الهلال النفطي التي تمتد حتى بنغازي وبها موانئ سدرة ورأس لانوف والبريقة وفي جنوبها أهم حقول الغاز وهو حقل الفيل والشرارة والجوفاء الذي يغذي أوروبا وصولاً إلى مدينة “مساعد” على الحدود المصرية بالإضافة إلى إنشاء قاعدة عسكرية تركية في قاعدة الوطية الجوية بتمويل قطري تم الإتفاق عليها هذا الأسبوع أثناء زيارة وزير الدفاع التركي “خلوصي أكار” الذي زار طرابلس هو ورئيس الاستخبارات التركية وقد عقد أيضاً إتفاق يعطي لتركيا الحق بحماية حكومة الوفاق والعاصمة طرابس ويمنح مستشاري أنقرة وضباطها حصانة بعدم الملاحقة القانونية كما أعطى أوامر للسراج بتعيين خالد الشريف رجل تركيا الأول في ليبيا والقيادي في تنظيم القاعدة في منصب رئيس الاستخبارات الليبية الجديد وهو توغل وتنمر على دولة صغيرة بالإضافة إلى البلطجة والعربدة التركية في العراق وسوريا.. إن أكثر ما يهدد الأمن القومي العربي هو تساقط الدول العربية في أيدي الأتراك والإيرانيين فتركيا تتبع نفس أسلوب إيران التوسعي في المنطقة وهذا بالطبع نتيجة تراجع النفوذ التقليدي العربي ولكن مع الفارق فإيران تجند مجموعات شيعية موالية لها وتتبع ولاية الفقيه أي تستخدم قوى الإسلام الشيعي لكن أردوغان يستخدم الإسلام السياسي السني فهو كان يعتمد على فروع جماعة الإخوان في الخارج قبل إنهيارها والآن يستخدم ميليشيا قريبة من فكر الإخوان وجماعات أصولية في ليبيا وسوريا حيث كانت بداية التمدد التركي ثم في الصومال وإقامة قاعدة عسكرية في جزيرة سواكن السودانية وقاعدة في قطر..

والعملية “إيريني ” التي أطلقها الإتحاد الأوروبي لمراقبة حظر الأسلحة على ليبيا أصبحت مسخرة ومخيبة للأمال كما وصفها أحد الوزراء الأوروبين من كثرة إختراقها.. ولا بد من عمل أكثر صرامة وفرض عقوبات على تركيا ولنأخذ عبرة من التجربة السورية فالحالة السورية شاهد حي على مخاطر التدويل..

وقد أخذت الإدارة الأمريكية بالطبع تحذيرات الرئيس السيسي على محمل الجد لأنه رجل فعلاً كل مواقفه تؤكد أنه لا يقول شيء إلا وينفذه وإستراتيجيته أنه قليل الكلام كثير الفعل بالإضافة إلى الموقع الذي تحتله مصر كدولة محورية في الحسابات الإستراتيجية الأمريكية لذلك ففي اليوم التالي لتصريحات الرئيس السيسي إجتمع القائد الأعلى للقوات الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم) والسفير الأمريكي في ليبيا مع السراج في مدينة زوارة وأبلغوه رفضهم الهجوم على مدينة سرت..

كما صدر بيان من مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض أكد فيه أن الولايات المتحدة تعارض التصعيد العسكري في ليبيا من أي طرف من الأطراف وتطالب بوقف فوري لإطلاق النار والعودة لمفاوضات 5 + 5 والمبادرة المصرية وعملية برلين..
ويأتي هذا بعد موقف أمريكي ظل غامض تجاه حكومة الوفاق وغياب أمريكي في ليبيا خلق فراغ لكن من الواضح أن أمريكا إستفاقت لمصالحها في ليبيا وأهمها عدم تدفق الإرهابيين إلى أراضيها واستمرار تدفق الطاقة وتأثير الصراع الليبي في استقرار المنطقة..

الآن وبكل وضوح ليبيا في حالة غزو كامل ولا بد من فعل حقيقي على الجبهات والقرار بيد الجيش الليبي الذي تجتمع كل القبائل الليبية على أنه هو الجيش المعترف به ما عدا بعض الخونة والمرتزقة الذين يتحصلون على مكاسب من النفط المهرب.. ولذلك فإن أي تدخل عسكري مصري في ليبيا بات شرعياً أولاً هو شرعية دولية فهو ضرورة ملحة للأمن القومي المصري فبحسب المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة من حق كل دولة الدفاع عن نفسها إذا كانت دولة الجوار فاشلة وهو ما ينطبق على الوضع الراهن.. وشرعية عربية بمقتضى إتفاقية الدفاع العربي المشترك وشرعية إقليمية بناءاً على طلب البرلمان الليبي وهو المؤسسة الوحيدة المنتخبة في ليبيا حيث أعلنها صراحة السيد عقيلة صالح (أنه إذا لم نتمكن من التصدي للأتراك والميليشيات سنطلب تدخلاً عسكرياً مصرياً…)

والواقع أن لدينا 14 كيلو متر فقط حدود مع قطاع غزة ونعاني منها كثيراً حيث يتسرب منها الجهاديين والإرهابيين إلى سيناء الحبيبة فما بالنا بحدود شفافة تمتد إلى 1200 كيلو متر مع ليبيا ويمكن إختراقها وأن تصبح تهديد مباشر للأمن القومي المصري الذي سيصبح منكشفاً تماماً لآلاف المرتزقة والميليشيات التي تؤتمر بأوامر أردوغان وهو ما لن تسمح به مصر إطلاقاً وبالرغم من كل ذلك مصر لم تطرد السفير الليبي الذي يتبع حكومة الوفاق وقد أعقب تصريحات الرئيس السيسي تصعيد فرنسي قوى ضد تركيا فقد أعلنها الرئيس ماكرون صراحة أن تركيا تلعب لعبة خطيرة وتخرق فيها كل الإلتزامات التي تعهدت بها في برلين وتهدد أمن أصدقاء فرنسا في مصر وتونس وإفريقيا وأوروبا وأنها تتحمل المسئولية الجنائية والتاريخية عما يجري في الأراضي الليبية.. كما صدر بيان فرنسي ألماني إيطالي مشترك في الخامس والعشرين من يونيو الماضي يحض جميع الأطراف الليبية إلى إنهاء المعارك فوراً وبلا شروط وإلى تعليق التعزيزات العسكرية والإحترام الكامل لقرار حظر الأسلحة الصادر من مجلس الإمن..
كما أعلن “سيرغي لافروف” وزير الخارجية الروسي أنه لا حل عسكري في ليبيا إنما الحل سياسي وأن مخرجات برلين وإعلان القاهرة يمكن أن تكون قاعدة لحوار ليبي ليبي..
كما وصل وزير الخارجية اليوناني نيكوس دندياس إلى مدينة بني غازي في الأول من يوليو الجاري وإلتقى رئيس البرلمان السيد عقيلة صالح وهذه رسالة مهمة من اليونان فمجرد حضور الوزير يعني أن اليونان ماضية في لعب دور مهم ضد التدخل التركي في ليبيا ولو من باب الدفاع عن مصالحها…
كل هذه المواقف الدولية الصارمة التي تحولت من مجرد تصريحات وإدانات ليست مجدية مع تركيا إلى تحالفات وتحركات على أرض الواقع أسفرت عن تجميد العمليات العسكرية ووقف إطلاق النار حتى الآن وتغير في لهجة وحديث السراج أثناء محادثته الهاتفية يوم الخميس الماضي مع وزير الخارجية الفرنسي (جان ايف لودريان) الذي دعاه إلى الإسراع بتحقيق وقف لإطلاق النار يتيح العودة للمسار السياسي والإنتخابات فلأول مرة يتحدث السراج عن رؤيته للحل السياسي والإنتخابات ويوافق على عودة الإنتاج النفطي دون التمسك بفكرة السيطرة على سرت..

كل هذا ما كان ليتحقق لولا أن الرئيس السيسي إستطاع تحريك المياه الراكدة في ليبيا وخلق هذا الزخم الدولي ونبه العالم للأطماع الإستعمارية التركية في هذه الدولة الشقيقية..

اترك تعليق