لم تكن خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلامه كثيراً وإنما موجزاً مختصراً يؤدى المعنى بلا مط او تطويل ، فهو صلوات الله وسلامه عليه اوتى جوامع الكلم ، إلا ان غى خطبة الوداع اطال على غير عادته ولم تكن اطالة كما على عهدنا نحن وانما إطالة نسبة الى خطبه الشريفة صلى الله عليه وسلم .

وخطبة الوداع ألقاها سيدنا رسول الله فوق جبل عرفات امام ما يزيد عن مائة ألف من المسلمين وهو عدد بالغ الكثرة فى هذا الزمان ان يتجمع فى مكان واحد ، وكانت هذه الخطبة بمثابة توديع رسول الله لأمته فى آخر عهده بهم .

لكن الذى يقرأ خطبة الوداع قراءة متأنية ويدقق فيها النظر يجد ان اكثر وصاياه للمسلمين كانت لغيرهم ، أى انه وصاهم بحقوق الناس عليهم ، بحقوق الغير .. حق المراة على الرجل ، حق الناس على بعضهم فى الاموال ، حماية الانفس من القتل والخوض فى الاعراض الى غير ذلك ..

وهذا ما عهدناه فى شرع الله ، فالقرآن الكريم يحوى ما يقرب من تسعين بالمائة منه خاص بالاخلاق ووصايا حقوق الغير .

فنجد ان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصى اولا وفى مقدمه الوصايا بالدماء والاعراض ، فيقول ( ألا إن دماءكم واعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا فى شهركم هذا فى بلدكم هذا )

كأنه فى البداية يريد أن يقول لنا ليس اعظم في هذا الدين من حفظ النفس ، حياةً وكرامة .. الحفاظ على حياة الإنسان أساس من أسس هذا الدين ، وحفظ كرامة الإنسان من الخوض في عرضه من بناء تقوم عليه أخلاق المسلمين .

ثم يقوم بعرض عدد من الوصايا بالحفاظ على اموال الناس وحقوق المرأة وغيرها الى ان يأتى فى ختام تلك الخطبة العظيمة فيوصى بأمرين :

الاول : ( فلا ترجعوا بعدى كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض )

وهذا ما نراه اليوم للاسف .. تتعالى اصوات المكفرين الملقين لتهمة الكفر على اخوانهم المسلمين الذين يشهدون ان لا اله الا الله ويقتلونهم بغير ذنب ،  ويرفعون راية الإسلام عند اراقة دمائهم ، وذلك عين المخالفة لوصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم الاخيرة .

الثانى : ( ايها الناس ان ربكم واحد وان اباكم واحد كلكم لآدم وآدم من تراب وان اكرمكم عند الله اتقاكم ، وليس لعربى فضل على اعجمى الا بالتقوى والعمل الصالح )

وهذا دستور عظيم لكل أمة تريد ان تحقق الارتقاء فى هذه الحياة ، العدالة والمساواة وعدم التكبر والتعالى على الغير ، فكل الناس سواسية وكلهم بشر لا ينبغى ان نتعالى على احد حتى ولو كان التعالى بالتدين والقرب من الله ، فرب معصية اورثت صاحبها ذلاً وانكساراً خير من طاعة أورثت صاحبها عزاً واستكباراً.

تلك هى وصايا سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم وكلامه الأخير امام جموع المسلمين، اعظم وأهم ما وصى به هو حقوق الغير .. حقوق الإنسان على اخيه الإنسان .. الدماء والاعراض والاموال والمرأة والميراث والفرقة والاختلاف .

صلى الله عليك يا سيدى يا رسول الله يا من أسست مبادئ العدالة بين البشر من قديم الزمان ، وكل عام انتم بخير

اترك تعليق