نشر الكاتب الكبير عبد الحليم قنديل مقالا تحليليا عما حدث بين حزب الله والكيان الإسرائيلى عند مزارع شبعا، وما حدث مجرد فصل فى رواية ممتدة من الصراع فى هذه المنطقة الملتهبة، ولابد أن نراه فى سياقاته المختلفة، ونناقشه على خلفية التاريخ والجغرافيا لنستشرف ماهو قادم، فى المستقبلين القريب، ومابعده، لكننا مطالبون الآن أن نجيب على سؤال محدد هو: ما مدى احتمالية نشوب صراع عسكرى أكبر من عملية محدودة، وبوصف أخر، حرب فى هذه المنطقة؟!..
عبدالحليم قنديل يجيب على السؤال فى السطور القادمة:
برغم الروايات المتضاربة عن الذى جرى قبل أيام عند “جبل روس” بمنطقة مزارع شبعا اللبنانية المحتلة، فإن أحدا لا يصح له أن يستبعد احتمال حدوث انفجار حربى واسع بين “حزب الله” وكيان الاغتصاب الإسرائيلى .
رواية كيان الاحتلال قالت ـ كما هو معلن ـ أن خلية من “حزب الله” تسللت وأطلقت النار ، وأن إسرائيليا لم يصب بسوء ، وبعد ساعات من الصمت التكتيكى ، نفى “حزب الله” أى تحرك من قبل عناصره ، ووصف الرواية الإسرائيلية بالكاذبة ، وقال أن الاحتلال بادر بقصف مناطق فى جنوب لبنان ، وعلى نحو عشوائى ، يعكس خوفه وقلقه من رد “حزب الله” القادم حتما ، فى إشارة إلى ما يسميه “حزب الله” معادلة الردع ، التى استنها بعد اغتيال إثنين من عناصره فى غارة إسرائيلية على سوريا ، وسقوط طائرتى استطلاع إسرائيليتين مسيرتين على منطقة الضاحية الجنوبية ببيروت أواخر أغسطس ‭2019‬ ، ورد الحزب وقتها بقصف آلية عسكرية إسرائيلية فى منطقة “أفيفيم” ، وهو موقف تكرر مثيله فى 20 يوليو المنقضى ، باغتيال عنصر من حزب الله فى غارة إسرائيلية بالقرب من مطار دمشق ، وتوقعت إسرائيل ردا طبقا لمعادلة الردع ، وصورت الحادث المكذوب الأخير كأنه الرد المنتظر ، وهو ما نفاه “حزب الله” ، واحتفظ بحق الرد ، الذى قد لا يشعل حربا كبيرة توا ، لكنه لا ينفى احتمالاتها بالجملة .
وقد تميل أغلب الآراء إلى عدم توقع حرب شاملة على الجبهة الشمالية لكيان الاحتلال ، ولأسباب تبدو وجيهة ، بينها أن إسرائيل لا تريد حربا قريبة مع “حزب الله” ، وأن رئيس وزراء العدو “نتنياهو” مشغول بمتاعب داخلية متفاقمة ، من نوع المضاعفات الاقتصادية لجائحة “كورونا” ، وتزايد وتيرة المظاهرات الغاضبة ضده ، وضعف استقرار حكومته المشتركة مع “بينى جانتس” رئيس الوزراء البديل ووزير الدفاع ، الذى لا يبدو مطمئنا تماما إلى نوايا نتنياهو ، الذى قد يفكر بالدعوة إلى جولة انتخابات رابعة قبل أوانها ، ويقطع الطريق على فرص صعود “جانتس” إلى منصب رئيس الوزراء رسميا حسب اتفاق التقاسم ، وعلى أمل أن يكسب نتنياهو أرضا انتخابية جديدة ، يصادر بها احتمالات إدانته فى محاكمات الفساد المقرر استئنافها أوائل العام المقبل ، وهو ما قد يعنى أن “نتنياهو” محاط بوضع داخلى مضطرب ، قد لا يكون مفيدا معه ، أن يخوض حربا ضد “حزب الله” ، لا تبدو نتائجها محسومة لصالح كيان الاحتلال ، ثم أن “حزب الله” هو الآخر ، يمر بأوضاع سياسية لا تبدو مواتية ، مع تفاقم التدهور المعيشى فى لبنان ، وتشديد الحصار الأمريكى والخليجى ، وتصاعد موجة الاتهامات لحزب الله بالتسبب فى أزمة لبنان ، وهو ما قد يلزم الحزب بالركون إلى الهدوء ، وعدم المبادرة إلى حرب مع العدو فى المدى المنظور ، وعلى نحو ما عبرعنه الشيخ نعيم قاسم نائب الأمين العام للحزب قبل أيام ، قال الشيخ أننا ـ أى حزب الله ـ لن “نستدرج إلى حرب” ، وأنه لا يتوقع حربا فى الشهور المقبلة ، إضافة لموقف إيران الداعم الوحيد لحزب الله ، وهو ما لم يذكره الشيخ قاسم طبعا ، فطهران لا تبدو متحمسة لحرب قريبة ، وتفضل انتظار نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية ، وأملها لا يخفى فى إمكانية سقوط ترامب ، وفوز جو بايدن “الديمقراطى” ، الذى قد يمكن التفاهم معه على شروط لتخفيف الحصار الأمريكى الضاغط بقسوة على إيران .
وقد لا يريد الطرفان بالفعل حربا قريبة شاملة ، وإن كان ذلك لا يمنع وقوعها ، فالأعصاب مشدودة ، والأصابع على الزناد ، وإمكانيات التحكم فى اللكمات والضربات المتبادلة ، لا تبدو مؤكدة الأثر ، ولا تضمن عدم الانزلاق إلى حرب واسعة ، حتى لو حرص الطرفان على تأجيل مواقيت اشتعالها ، خصوصا أن الخطط جاهزة من زمن ، والاستعدادات والتدريبات والمناورات توالت ، فليس بوسع كيان الاحتلال أن يتعايش طويلا مع خطر بحجم “حزب الله” ، وهو أكبر خطر وجودى يتهدده على الجبهة الشمالية ، ثم أن خطرا آخر يضاف من منظور إسرائيلى ، هو الوجود العسكرى الإيرانى المتزايد فى سوريا ، الذى صار مقننا باتفاق عسكرى بين طهران وحكومة بشار الأسد فى دمشق ، وما تخشاه إسرائيل ليس مصير سوريا بالطبع ، بل تخشى من سعى طهران لإيجاد كيان يشبه “حزب الله” اللبنانى فى سوريا المحطمة ، وبانخراط كوادر “حزب الله” نفسه فى التحضير لأعمال قتالية على جبهة الجولان المحتل ، وهكذا يصبح الخطر مضاعفا ، على نحو تريده إيران لكسب ورقة ضغط جديدة باسم المقاومة ، بينما إسرائيل تريد إطلاق يدها العسكرية بلا عوائق ، وهو ما يفسر سياسة إسرائيل المعلنة ، التى يتفاخر بها “نتنياهو” ، وينافسه فيها الجنرال ” جانتس” ، وعنوانها الحيلولة دون تمكين إيران من التموضع وبناء قواعد مستقرة فى سوريا ، بشن ضربات جوية وصاروخية متتابعة ومنتظمة ، قد لا تعلن إسرائيل مسئوليتها عنها ، لكنها لا تنفى أبدا ، تماما كما لم تنف ما قيل عن تورطها فى تفجير منشآت نووية حساسة داخل إيران نفسها ، فإسرائيل تريد إضفاء قدر من الغموض على عملياتها لردع إيران ، يفيدها أيضا فى إدامة التواصل مع روسيا ، التى يفترض أنها حليفة لإيران رسميا ، لكن موسكو لا تريد للنفوذ الإيرانى أن يتخطى حدودا بعينها فى سوريا ، وتتحكم فى تشغيل معدات الدفاع الجوى المتقدمة فى سوريا ، ولا تطلق طاقاتها إلا فى ظروف وحدود معينة ، تبقى لروسيا فرصة الوساطة الضمنية بين طهران وتل أبيب ، وهى الوساطة الممتدة بالطبيعة إلى قيادة “حزب الله” ، بهدف تحجيم ردود الحزب فى سياق معادلة الردع الرمزى ، وهو ما لم تخفه الدوائر الإسرائيلية فى الأيام الأخيرة ، التى شهدت أيضا ، وتحديدا فى 25 يوليو ‭2020‬ ، اجتماعا استثنائيا لم يتكرر منذ عام ‭2012‬ ، جمع رئيس هيئة الأركان الأمريكية المشتركة مع قيادة جيش الاحتلال وأجهزة المخابرات ، لم يذع عنه غير كلام عمومى فضفاض ، يتحدث عن التحديات والمخاطر الأمنية فى المنطقة ، وقد لا يحتاج أحد إلى كثير من الفطنة ، ليدرك أن الموضوع الإيرانى كان فى قلب التباحث والتدقيق والتقرير ، وأنه جرى الاتفاق غالبا على هوامش حركة إسرائيل ضد إيران وجماعاتها ، وبأولويات إسرائيلية لا تحتمل انتظارا طويلا ، فقد لا تمانع واشنطن فى إطلاق يد إسرائيل ، ودعم عملياتها لزعزعة النفوذ الإيرانى ، وإلى حدود قد تصل لشن حرب ضد “حزب الله” ، تكمل بها الجهد الأمريكى الجارى لاعتصار لبنان ، و”خض ورج” كل تعاطف تبقى مع سلاح “حزب الله” ، والأخير هو أقوى ذراع وحليف لإيران ، التى لم يسقط الضغط والخنق الاقتصادى الأمريكى نظامها ، ولا جعل سقوطه قريبا وشيكا ، كما تشتهى واشنطن ، بل دفعه إلى تصرف صادم للخطط الأمريكية ، مع قرب إتمام اتفاق إيرانى هو الأضخم والأخطر من نوعه مع الصين ، تتعهد فيه بكين بتقديم استثمارات لإيران تبلغ ‭400‬ مليار دولارعبر 25 سنة مقبلة ، فى مجالات البنية التحتية والطرق والموانى والقطارات والاتصالات والتكنولوجيا ، مقابل احتكار صينى شبه تام لموارد إيران الهائلة من البترول والغاز الطبيعى ، وبأسعار ميسرة ، وبتبادل تجارى كبير ، لا يتم بالدولار ولا باليورو ، بل بالعملتين المحليتين للصين وإيران ، مع توقع دخول روسيا كطرف ثالث فى الاتفاق ، والتعهد بتوريد أسلحة روسية وصينية متقدمة لإيران ، مقابل إتاحة مواقع إيران وموانيها لنشاط عسكرى صينى وروسى ، مهدت له مناورات بحرية ثلاثية جرت قبل شهورعند شواطئ الخليج وبحر العرب ، وهو ما يعنى انقلابا شاملا فى موازين المنطقة ، وفى الصراع العالمى الجارى المحتدم بين الصين وأمريكا ، وربما لا تجد الأخيرة لردع التطور الجديد الخطير ، سوى أن تلجأ للقوة الحربية بهدف إجهاضه ، حتى لو ذهب ترامب وجاء بايدن إلى البيت الأبيض ، فلن تقبل واشنطن بسهولة أن تضع بكين السكين على رقبتها فى إيران .
وبالجملة ، فقد لا نكون بصدد حروب صغيرة ومناوشات متقطعة فحسب ، بل أن حوادث الحروب المحدودة ذاتها ، وهى جارية ومتواترة ، قد تكون تمهيدا متصلا بشرر النيران إلى حريق شامل ، لا تبدو كوابحه مفيدة فعالة إلى مدى طويل ، ولا تبدو رهانات التهدئة كافية لمنعه ، فكل تعبئة لقتال لابد لها أن تنتهى إلى الحرب ، وبالذات فى بيئة دولية متحولة ، يتهدد فيها ما تبقى من سيطرة أمريكا المنفردة على شئون العالم ، وبالذات فى منطقتنا وما حولها ، التى تحولت إلى ملاعب دماء سيالة ، لا يعلو فيها صوت على أصوات الدمار الذى جرى ويجرى ، وبانتظار دمار أوسع مقروء فى كف الأيام المقبلة .
Kandel‭2002‬@hotmail.com

SHARE

اترك تعليق