نادية صبره

الأربعاء الرابع من أغسطس 2020 سيبقى هذا التاريخ نقطة فارقة في حياة اللبنانيين ويوم حزين ومأساوي في لبنان ومقدمة لأحداث هائلة وتداعيات كبرى في الأيام القادمة.. إنها جريمة ضد الإنسانية تفجيرات ضخمة في مرفأ بيروت الذي لا يقل أهمية عن مطار بيروت في حجمه وتكوينه.. حدث جلل أسفر عن 150 قتيلاً وأربعة آلاف جريح وثلاثمائة مشرد حتى الآن وعشرات المفقودين.. الناس في حالة صدمة فقدوا أبنائهم أو منازلهم أو مصدر رزقهم كارثة زادت من تداعيات أزمة الكورونا صرخات إستغاثة بعضها وصل وبعضها مكتوم – فاجعة أحدثت دمار هائل لم يحدث حتى في الحرب الأهلية.. من إنفجار صنف الثالث عالمياً بعد هيروشيما ونجازاكي وقدره مركز الزلزال الأردني بـ 4,5 مقياس ريختر وقدرت خسائره بـ 15 مليار دولار.. انفجار غاية في السوء والقوة والعنف ووصل أبعد ما يمكن حتى شعرت به قبرص مأساة تدمى القلوب والمواطنين يتساءلون لماذا أحرقتم لبنان؟ أحرقتم معها قلوبنا..

وقد قال (سعد الحريري) رئيس الوزراء السابق كلمة لخصت كل شيء وهو يتفقد حجم الدمار في بيروت قال:- (لقد قتلوا بيروت بالأمس) ومرفأ بيروت هو الرئة الاقتصادية للإقتصاد اللبناني وهو قلب بيروت فالمدينة بنيت أساساً حول المرفأ مناطق كانت تنبض بالحياة ثم تحولت في لحظات إلى مشاهد غاية في الألم إلى أشلاء.

إن الإنفجار في المرفأ هو كارثة لأنه عصب التجارة للبنانيين وأغلب عمليات الإستيراد والتصدير تتم من خلاله وبه أكبر مخزون قمح في لبنان ويتصل بـ 300 مرفأ عالمي وبه 300 سفينة وأربع أحواض و16 رصيف لذا سيزيد التفجير من تداعيات الأزمة المالية الخانقة الموجودة أصلاً وسينعكس إنعكاس سلبي حتى على القوت اليومي للبنانيين منذ اللحظات الأولى لهذه الأحداث الدامية هناك إرتباك واضح في كل أجهزة الدولة وغياب كلي لسياسة التعامل مع الكوارث وتحليل صور الإنفجار يؤكد وجود ألعاب نارية وأسلحة ومواد مشتعلة لذا فهناك تشكيك في الرواية الرسمية حيث لاثقة بالسلطة الحالية فلبنان بلد منعدم فيه الشفافية والوصول للمعلومات بمثابة البحث عن إبرة في كوم قش.. وأولى خطوات الإهمال بحسب المؤشرات الأولى لهذا الإنفجار هو مخالفة القانون الدولي في تخزين هذه الأطنان من نترات الأمونيوم (2750 طن) في مرفأ بحري متاخم بالسكان في ظل غياب للمعلومات الحقيقية عن كيفية إستمرار التخزين ست سنوات؟ ولحساب من حملت السفينة التي كانت قادمة من الصين ومتجهة إلى موزمبيق حيث تم مصادرتها وإفراغ حمولتها في مرفأ بيروت.

أسئلة كثيرة لن يجيب عليها سوى تحقيق دولي يأخذ بعين الإعتبار كل إختراقات السيادة اللبنانية.. ومشاركة من خارج لبنان للتحقيق طالب به رؤساء خمس حكومات سابقة هم سعد الحريري وفؤاد السنيورة وتمام سلام ونجيب ميقاتي وأضافوا أنه كان من الممكن تفادي كل ما حدث لولا فقدان الإرادة وإن لم تكشف الحكومة الفاعل الحقيقي سيظل حزب الله في دائرة الشك خاصة وهو الوحيد الذي يقامر بلبنان في حروب ليس طرفاً فيها ولديه إسناد غير طبيعي من دولة إرهابية إسمها إيران والمشكلة أن المسئولون يتصرفون وكأن ما جرى هو كارثة طبيعية وليس تفجير بمواد كيماوية وتنتوى الحكومة تحميلها لصغار الموظفين دون الإجابة عن السؤال الذي يشغل بال اللبنانيين من يمتلك الشحنة المخزنة منذ سنوات طويلة ولا أحد يحاسبه؟ ما هي الجهة غير الشرعية الخاضع لها مرفأ بيروت؟ من غير حزب الله.. وهذا تم ذكره في تقرير للاستخبارات الأمريكية نشرته النيويورك تايمز وأكدت فيه أن الحزب خزن به كل شحنات السلاح القادمة من طهران على مدار الستة أشهر الماضية.

ومادة نترات الأمونيوم تشبه الملح الأبيض وعديمة الرائحة وتدخل في مكونات الأسمدة وفي صناعة الصواريخ والمتفجرات وتنفجر بصعوبة بعد تعرضها لدرجة حرارة عالية ولا أحد يمتلك نترات الأمونيوم سوى حزب الله وله تاريخ حافل بتخزين هذه المادة وقد اعتقل عنصر من حزب الله (اسمه حسين عبد الله) في قبرص في يوليو 2012 لإكتشاف 8 طن من نترات الأمونيوم في قبو منزله.. وفي أغسطس 2017 تم إعتقال ثلاث عناصر من الحزب في الكويت بحوزتهم 4200 باوند من نترات الأمونيوم في منزلهم وفي العام 2017 داهمت السلطات البوليفية مخزن كبير تابع لحزب الله وجدت به كميات كافية من نترات الأمونيوم تكفي لإنتاج قنبلة بوزن 2,5 طن.. وأخيراً ألمانيا أهم دول الاتحاد الأوروبي إتخذت قرار بتصنيف حزب الله إرهابياً منذ 60 يوماً بعد أن داهمت عدة مخازن لعناصر من الحزب تحتوي على كميات كبيرة من نترات الأمونيوم المستخدمة في صناعة المتغيرات إضافة لإستغلاله الجمعيات الخيرية والمساجد في جمع التبرعات.

لذا فإن حزب الله هو صاحب اليد الطولي على مرفأ بيروت ولبنان كلها مرتهنة لسلطة الأمر الواقع سلطة حزب الله وإنفجار المرفأ أسقط آخر ورقة توت كان يتغطى ورائها الحزب وكشف أن الشعب اللبناني كله بات رهينة لعصابة مسلحة مرتبطة بإيران وأركان حكم وأحزاب تابعة له.

وللأسف الضبابية متصدرة المشهد وكل يوم لبنان يقدم دليل جديد على أن السلطة فاشلة مقصرة تريد إلصاق التهمة في مسئول إداري أو أمين مستودع منتهى الاستخفاف بالعقول.. ربما يكون حزب الله ليس هو المسئول مباشرة بمعنى أن استيراد الصفقة لم يتم بإسمه كالعادة ولكنه يستخدم أشخاص في السلطة ضمن تحالف الطرفين (الفساد مقابل سلاح الحزب) تلك المعادلة التي يعلمها القاصي والداني في لبنان والتي انتجت أدوات فساد وإدارة أمنية أيدلوجية يمثلها حزب الله وفقدان الدولة لمسئوليتها حتى أن السلطة التي باتت فاقدة الشرعية لم يكن همها الأول بلسمة جراح اللبنانيين بل صرف الأنظار عن فداحة المشكلة وكأنها كارثة طبيعية ناجمة عن سوء تقصير من المسئولين الإداريين وليست جريمة العصر التي جعلت ثلث سكان بيروت خارج منازلهم.. مجلس الوزراء الذي إكتفى بفرض إقامة جبرية على كل مسئول عن تخزين نترات الأمونيوم منذ 2014 لأنها خزنت بطريقة لا تراعي السلامة لم يجيب على السؤال الأهم من أتى بشحنة الموت إلى بيروت.

محافظ بيروت (مروان عبود) قال إن المدينة أصبحت مدمرة بشكل كلي وكشف أن هناك تقرير أمني منذ 2014 أطلع عليه به اسم الجهة المالكة للسفينة وأن أحد الأجهزة الأمنية قام بواجبه ثم لأسباب ما حالت دون سماعه ورفض الكشف عن هذه الأسباب.

ثم فجأة ظهر (حسن نصر الله) الأمين العام لحزب الله بعد يومين من التفجيرات يتحدث وينفي أي صلة لحزب الله بالحادث وأنه لم يكن يخزن لا صاروخ ولا بندقية ولا أي سلاح في المرفأ ولا يسيطر عليه أو يديره واتهم من يرددون ذلك بأنهم يدفعون نحو الحرب الأهلية وقال لجمهور الحزب لا تقلقوا واقترح تكليف الجيش بالتحقيقات.

كلامك كذب في كذب يا نصر الله أولاً المطالبة بوقف التهريب على المرافئ والتجارة بإسم المقاومة كان أحد أسباب توقف المفاوضات مع صندوق النقد وتجميدها منذ شهر لرفض الحكومة اللبنانية تنفيذ ذلك.. ثانياً كل من يدخل مرفأ بيروت يعلم أن عناصر الحزب مسيطرة على العديد من المنابر فيه وعلى مطار بيروت ولا يستطيع عصفوردخول المرفأ من دون معرفة عناصر الحزب والأقمار الصناعية تراقب كل شيء وإلا كيف أعلن نتنياهو أن هناك مخازن سلاح لحزب الله في المرفأ وفي ملعب الجولف والتحقيق الدولي الذي ترفضه على غرار رفضك التحقيق في حادث اغتيال الشهيد رفيق الحريري لتطور أربع عناصر من الحزب فيه.

أما الرئيس ميشيل عون الذي ما زال هو أيضاً يرفض التحقيق الدولي ويعتبره مضيعة للوقت ومساس بسيادة لبنان فأقول له إن الإستعانة بخبراء دوليين سوف يضفي مصداقية للتقرير الرسمي للدولة ويجيب عن الأسئلة الكثيرة التي يتساءلها اللبنانييون عن كيف حدث الإنفجار ولماذا؟ وليس به أي مساس بسيادة لبنان.

وهل يا سيادة الرئيس الفساد والمحاصصة التي تركت مئات الأطنان (2750) طن من نترات الأمونيوم تقتل اللبنانيين وتغتال بيروت ليست مساس بسيادة لبنان..؟ الرئاسة الغير فاعلة والحكومة المسخ التي لا تمثل أحد والأحزاب الموالية لإيران ليست مساس بالسيادة اللبنانية..؟

لبنان بكل صدق هو الآن بلد منكوب يحتاج المساعدات وإعادة ترميم وبناء جديد وتخلص من منظومة الفساد وخاصة منظومة فساد حزب الله الذي أبعده عن محيطه وثقافته ومساعدة لبنان هي ضرورة حتمية لإخراجه من هذه المحنة السياسية والغذائية والإقتصادية الحال في لبنان لم يكن يطاق قبل الإنفجار كان هناك أزمة متعددة الأوجه والآن زاد الوضع تدهوراً لذلك هناك تعاطف عربي ودولي كبير ورغبة حقيقية لإعادة لبنان للشرعية العربية والدولية حتى لا تظل الهيمنة الإيرانية عليه عبر حزب الله لذلك جاءت زيادة الرئيس الفرنسي (إيمانويل ماكرون) الذي جاء يحمل رسالة صداقة وتضامن من فرنسا التي تعتبر لبنان جزء من عائلة فرنسا والذي قال (عندما يدمع قلب بيروت فإن قلب فرنسا يدمع) ماكرون الذي نزل إلى شوارع بيروت والتحم بالجماهير وتعهد بالدفع نحو ميثاق سياسي جديد في لبنان وأعلنها صراحة (لم أعطي شيكا على بياض لنظام لم يعد يحظى بثقة شعبه).

والحقيقة أن لبنان لم يكن يوماً أسوء من الحالة التي هو فيها اليوم لبنان يجتاز فترة دقيقة جداً نكبة سوف يتجاوزها بعزيمة وإصرار بيروت المنكوبة سوف تنتصر على نكبتها وأمام الدمار والجرحى والشهداء فليصمت حسان دياب وليرحل ميشيل عون وليسقط حزب الله ويبقى لبنان.. فليرحل الجميع ويبقى لبنان لأهله وشعبه.

اترك تعليق