عائشة غنيمي خبير اقتصادي ومسئول برامج وعلاقات دولية

فى الجزء الأول من هذه الدراسة التى جاءت تحن عنوان: “نحن وصندوق النقد الدولي”، ألقينا الضوء على مهام صندوق النقد الدولي وثمار أوجه التعاون بين مصر والصندوق خصوصاً دعم برنامج الإصلاح الاقتصادي المصري الذى بُدئ فى تنفيذه فى نوفمبر ٢٠١٦، حيث أسفر عن مكاسب اقتصادية وإجتماعية بفضل الرؤية الثاقبة للقيادة السياسية ومساندة الشعب المصري خلال السنوات الماضية. فضلاً عن التنسيق الوطيد بين السياسات المالية والنقدية. فقد اقترب معدل النمو من 6% في نهاية برنامج الإصلاح الاقتصادي، مقارنة بـ2.5% في المتوسط خلال الفترة التي سبقت البرنامج. وانخفضت البطالة 50% تقريباً، لتهبط من 13.6% إلى نسبة 7.7 % في الربع الأول من 2020، بما يشير إلى قدرة الاقتصاد المصري على خلق مزيد من فرص العمل.
وتراجع معدل التضخم السنوي إلى 4.2 %، مقارنة بـ30% في بداية تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي على آثر تحرير سعر الصرف.
وانخفض عجز الموازنة أيضاً 50% تقريباً ليصل إلى 8.2% خلال العام المالي 2018-2019 وانخفض الدين العام من 109% فمن إجمالي الناتج المحلي في 2017 إلى 83% من إجمالي الناتج المحلي.
وارتفع الاحتياطي الأجنبي إلى 45 مليار دولار، ويغطي واردات مصر 9 أشهر، مقارنة بأقل من 3 أشهر واردات قبل بدء برنامج الإصلاح الاقتصادي. وقد صل سعر الصرف بعد التعويم إلى 19 جنيها، بينما اليوم تراجع إلى حوالي 15.9 جنيهاً.
برنامج الإصلاح الاقتصادي
ويعتبر نجاح برنامج الإصلاح الاقتصادي أحد الركائز الأساسية التي ساهمت في زيادة قدرة الاقتصاد المصري على امتصاص الصدمات الخارجية الناجمة عن أزمة فيرووس كوفيد-19 العالمية.
وفي هذا الصدد، أشارت توقعات صندوق النقد الدولى أن يصل معدل نمو الاقتصاد المصرى إلى 2% خلال أزمة فيرووس كوفيد-19 بالرغم من معدلات الإنكماش العالمية، وفقاً للصندوق من المتوقع أن تحقق 18 دولة معدلات نمو من بينها مصر والتى ستحتل المركز السادس عالميًا بمعدل نمو يصل إلى 2%.
وقد أشار الصندوق إلى أن الاقتصاد المصرى ينمو بالرغم من أن هناك احتمالات كبيرة أن يشهد الاقتصاد العالمى هذا العام أسوأ ركود له منذ الكساد الكبير 1930، متجاوزًا ما شهده خلال الأزمة المالية العالمية 2008.؛بعدما كانت التوقعات وفقًا للصندوق تشير إلى أنه سيصل إلى 5.9% قبل الأزمة. وقد أشاد صندوق النقد الدولى بالإجراءات التى تتخذها الدولة المصرية لاحتواء الآثار الاقتصادية الناجمة عن أزمة فيرووس كوفيد-19، حيث اتخذت الحكومة المصرية والبنك المركزى تدابير وقائية عاجلة لإحتواء الآثار الاقتصادية والمالية.
وتجدر الإشارة أن الحكومة المصرية قد وضعت مسار قوي نحو التعافي بالتزامن مع اتخاذ إجراءات تيسيرية، من خلال سياسة المالية العامة لدعم الاقتصاد حيث زيادة مخصصات الإنفاق الصحي، توسيع تغطية برنامجي تكافل وكرامة اللذين يقدمان تحويلات نقدية مشروطة، وبالإضافة إلى استحداث برامج جديدة لتقديم التحويلات النقدية للعمالة غير المنتظمة التي وقع عليها ضرر بالغ من الأزمة، وتوزيع المستلزمات الطبية والصحية على القرى الفقيرة، فضلاً عن ضمان استمرار توفير الحماية الاجتماعية الضرورية. كما تعمل الحكومة أيضا على تطبيق إجراءات لتعويض جانب من النقص في الإيرادات، ومع ضرورة ضمان استدامة الدين العام، تهدف الحكومة إلى استئناف تخفيض الدين والحفاظ على استدامة المالية العامة على المدى المتوسط من خلال تحديث استراتيجية الدين للحد من التعرض لمخاطر الدين بالتزامن مع تعبئة الإيرادات الإضافية اللازمة لمواجهة زيادة الإنفاق الاجتماعي والصحي. كما اتخذ البنك المركزي المصري عدة إجراءات لدعم النشاط الاقتصادي والمقترضين والمشروعات الصغيرة والمتوسطة والقطاعات الأكثر تضرراً مثل قطاع السياحة وغيرها من القطاعات.
طلب الدعم
وقد اتخذت الحكومة المصرية منهجاً استباقياً بطلب الدعم من الصندوق على مرحلتين، كانت الأولى حيث وافق الصندوق على طلب تمويل بقيمة 2,8 مليار دولار من خلال أداة التمويل السريع في مايو2020، حتى تتمكن من مواجهة الإنفاق الصحي والاجتماعي اللازم للفئات الأكثر تضرراً. أما المرحلة الثانية فتمثلت في الموافقة على طلب اتفاق للاستعداد الائتماني (SBA) في يونيو2020 مدته 12 شهراً. حيث يتيح الإتفاق الحصول على قرض يعادل 3,76 مليار وحدة حقوق سحب خاصة (حوالي 5,2 مليار دولار أمريكي أو 184,8% من حصة عضويتها)، إذ يساهم التمويل في سد احتياجات ميزان المدفوعات وتمويل عجز الموازنة العامة الناجم عن الآثار الاقتصادية من أزمة فيرووس كوفيد-19 .
ويهدف الإتفاق إلى الحفاظ على استقرار الاقتصاد الكلي مع إعطاء أولوية لكل من حماية الإنفاق الاجتماعي والصحي الضروري مع تجنب تراكم الدين العام بصورة مفرطة؛ و تثبيت توقعات التضخم وحماية الاستقرار المالي مع الحفاظ على مرونة سعر الصرف؛ و تنفيذ الإصلاحات الهيكلية الأساسية الرامية لتعزيز الشفافية والحوكمة والمنافسة.
نمو اقتصادي أعلى
وأخيراً، تمتلك مصر المقومات لتحقيق معدلات نمو اقتصادي أعلى وإزدهار للمجتمع ككل من خلال تنفيذ سياسات إصلاحات هيكلية فعالة ومنسقة بشكل جيد تحقيقاً للتنمية الاقتصادية المستدامة. وفي هذا السياق ، يتعين مواصلة بذل الجهود من أجل زيادة مرونة الاقتصاد المصري ، و تعزيز الأطر التي ترتكز عليها المالية العامة، وتحسين الحوكمة والشفافية، والحفاظ على الاستقرار المالي واستدامة الدين العام. حفاظاً على المكتسبات الاقتصادية التي تحققت في الأربع سنوات الماضية يتعين الإسراع في تنفيذ الإصلاحات الهيكلية والاستمرار في ضمان الإنفاق الصحي والاجتماعي الملائم؛ مما يساهم في تسريع وتيرة التعافي الاقتصادي تحقيق نمو مستدام واحتوائي وخلق مزيد من فرص العمل على المدى المتوسط.
شهادات دولية
ومؤخراً أكدت مؤسسة «جي. بي. مورجان» أن مصر الدولة الوحيدة بالشرق الأوسط وأفريقيا التي اختتمت بنجاح الدورة السنوية لمراجعة التصنيف الإئتمانى واحتفظت بثقة جميع مؤسسات التقييم العالمية الثلاثة: «ستاندرد آند بورز» و«موديز» و«فيتش» حيث تم تثبيت التقييم السيادي والتصنيف الإئتماني لمصر مع نظرة مستقبلية مستقرة للاقتصاد المصري؛ مما يؤكد على احتفاظ الاقتصاد المصري بثقة المستثمرين بالمنطقة رغم أزمة كوفيد-19 العالمية. ويرجع صمود الاقتصاد المصري إلى مكتسبات برنامج الإصلاح الاقتصادى.
…………………………………………………………..
* خبير اقتصادي ومسئول برامج وعلاقات دولية وتحضر لرسالة الدكتوراة

SHARE

اترك تعليق