عاطف عبدالغنى رئيس تحرير بوابة دار المعارف الصحفية

مع كل نهار جديد تشرق فيه الشمس يقدم الرئيس التركى رجب طيب أردوغان شهادة موثقة للعالم أنه سليل أرث العثمانلية، ويحمل سماتهم الشخصية فى جيناته، تلك السمات التى أتاحت لأكثرهم دموية وشراسة وجبروت الوصول إلى كرسى السلطنة فى بلاده، ثم توجيه الجيوش لغزو البلاد الأخرى، والاستيلاء عليها بالقوة والحديد والنار، بدعوى ضمها إلى الخلافة الإسلامية، وهو نفس الأسلوب والمنهج الذى يعمل به أردوغان الآن، دون مراعاة لتغير الأزمان والأحوال، وموازين القوى فى العالم، وفى منطقة الشرق الأوسط تحديدا.

(1)

والقضية التى شغلت الشعوب العربية، خلال الأيام القليلة الفائتة، ومازالت، هى التحركات الإسرائيلية، المدعومة بقوة من الولايات المتحدة، لإقامة علاقات تطبيع رسمية معلنة، وتبادل دبلوماسى، مع عدد من الدول العربية، لم تكن بينها وبين إسرائيل من قبل هذا النوع من العلاقات، والبداية القريبة كانت من السودان، حيث تسرب، خلال شهر فبراير الماضى خبر لقاء جمع رئيس المجلس السيادى عبدالفتاح برهان رئيس الوزراء الإسرائيلى نتنياهو فى أوغندا، وتباحثا أمر التطبيع، ثم جاء منذ أيام الإعلان عن اتفاق إماراتى إسرائيلى – برعاية أمريكية – لتطبيع العلاقات، والذى سيوقع قريبا فى واشنطن، وغالبا سيتبعه إعلانات مماثلة من عدد من دول الخليج، وأقربهم البحرين.
تحركات إسرائيل المكثفة هذه نحو عرب الخليج تحديدا، أصاب أردوغان بارتباك كبير فى حساباته، وظهر هذا جليا فى التصريحات الصادرة عن أنقرة والحرب الكلامية التى شنها التركى على خصومه، والإمارات تحديدا التى كانت بالأمس القريب صديقة لتركيا.

(2)

موقع “نورديك مونيتور” المتخصص فى الشأن التركى نشر تقريرا الأربعاء الماضى 26/8 أشار فيه إلى ارتفاع كبير فى حدة التوتر بين تركيا والإمارات، خلال شهر أغسطس الحالى، وقد تحول حليفا الأمس إلى خصمين بسبب دعم نظام أردوغان المفتوح للإخوان المسلمين، ومولاته لإيران، كما يقول تقرير الموقع.

وعكست المعارك الكلامية التى يجيدها أردوغان، حدة هذا التوتر، وقد صرّح الأخير في 14 أغسطس، أن تركيا تدرس إغلاق سفارتها في أبو ظبي، وتعليق العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات بسبب قرارها تطبيع العلاقات مع إسرائيل، وقال: “إن بإمكاننا تعليق العلاقات الدبلوماسية مع إدارة أبو ظبي أو سحب سفيرنا لأننا نقف مع الشعب الفلسطيني “.

وفي مقابلة مع قناة الجزيرة القطرية هدد وزير الدفاع التركي خلوصي أكار بما وصفه بـ “محاسبة الإمارات”، وقال: “إن أبو ظبي ترتكب أعمالا تضر بمصالح تركيا في ليبيا وسوريا” مضيفا أنه يتم تسجيل كل ذلك، وفي المكان والزمان المناسبين ، ستتم تسوية الحسابات، وبعد أسبوعين من هذه التصريحات، اتهم وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو الإمارات بـ “خيانة القضية الفلسطينية لمصالحها الخاصة.”

(3)

ولم يتوقف التصعيد عند الكلام، ولكن تجاوزت تركيا للانتقام بالأفعال، فسعت لدى الإنتربول لإصدار نشرة حمراء بحق القيادى السابق لحركة فتح الفلسطينية في قطاع غزة، المنفى حاليا فى الإمارات محمد دحلان، ويشغل وظيفة مستشار أمني لولي عهد الإمارات محمد بن زايد، وطلب مكتب المدعي العام في أنقرة من الإنتربول القبض على دحلان، بعد إلصاق عدة تهم به، منها مثلا أنه عمل جاسوسا لصالح الإمارات وإسرائيل ومصر، وكان متورطًا في قتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، ومتورطا فى الانقلاب المزعوم الذى وقع في تركيا عام 2016، وتم وضع دحلان على قائمة المطلوبين في تركيا ليحاكم – إذا وقع فى قبضة السلطات هناك – أمام قضاء وصفه التقرير بأنه يستخدم أساليب هى الأكثر إساءة في نظام العدالة الجنائية، ولا سيما في القضايا السياسية، مثل “الشهود السريين.”

هذا غير ما صدر عن المنظمات الحقوقية الدولية في السنوات الأخيرة من تقارير تؤكد زيادة عدد الوفيات المشبوهة في السجون التركية ومراكز الاحتجاز، التى تمارس فيها أساليب تعذيب بشعة وسوء معاملة تنتهى بالقتل، وتصنف السلطات هذه الجرائم على أنها عمليات انتحار دون إجراء أي تحقيق فعال أو مستقل.

(4)

وهكذا تشابكت العداءات، وتناقضت المصالح، بعد أن رمت تركيا بكل ثقلها على قطر الإمارة العربية المارقة، وتحالفت مع جماعة الإخوان الإرهابية، وانضمت لهم إيران العدو الأول لدول الخليج، ومضى أردوغان – مثله مثل ملالى الفرس – لا هم له إلا تحقيق مشروعه السياسى الاستعمارى، ويتصرف تحت ظن أن إسرائيل ورقة يقامر بها فى العلن ضد العرب، وفى السر يقيم معها مايتجاوز علاقات التطبيع السلمى إلى حد التآمر ضد المصالح العربية، والإسلامية ليبنى ملكه المتوهم على جثة العرب.

اترك تعليق