نادية صبره

تسلم الرئيس التونسي (قيس سعيد) يوم الإثنين الماضي (وذلك قبل إنتهاء المدة المحددة بيوم واحد) رسمياً من رئيس الوزراء المكلف (هشام المشيشى) تشكيلة الحكومة الجديدة المستقلة تماماً عن الأحزاب السياسية وقد وصف المشيشى حكومته المكونة من 28 وزير وكاتب دولة بأنها سوف تنكب على النهوض بالوضع الإقتصادي والإجتماعي وتلبية إستحقاقات التونسيين لذا حرص على دمج الوزارات الإقتصادية كالإقتصاد والمالية ودعم الإستثمار في وزارة واحدة يتولاها (علي الكعلى) وهو رجل مصرفي كبير.. ورغم إستقلالية الحكومة فقد تعهد المشيشى بالتعاون والتفاعل والإحترام مع كل مكونات الكتل السياسية وكل الكتل البرلمانية.

بداية ما أعلنه المشيشى كان متوقعاً فقد كانت التسريبات مستمرة على مدى الأسبوعين الماضيين كما أنه أعلنها صراحة أنه لن يوجد حزام سياسي من الأحزاب داخل الحكومة ومن ثم فإن هذه الحكومة ستحدث تغيير في ميزان القوة وفي المعادلة السياسية الجديدة داخل تونس لأن اختيار المشيشى أصلاً لترأس الحكومة من وجهة نظري هو عقاب من الرئيس قيس سعيد للأحزاب السياسية بصفة عامة ولحركة النهضة بصفة خاصة فالأحزاب فشلت قبل تسع سنوات وليس الآن فقط والمواطنون يتساءلون ماذا قدمت لنا الحكومات المتعاقبة منذ ثورة الياسمين وحتى الآن؟ الشعب ينتظر حلولاً للأزمات السياسية والإقتصادية ومل من المماطلة وضاق ذرعاً بإنقسام الساسة والتجاذبات السياسية وفقد الثقة في هذه النخب التي تناست في أوج خلافاتها السياسية قضايا الشعب الأساسية مما أدى إلى شل الحركة السياسية والإقتصادية والإجتماعية.. لذلك فالرئيس (قيس سعيد) بات لا يؤمن بالأحزاب ويراها مسئولة عن تعقيد المشهد السياسي وماضي في تأسيس مرحلة سياسية جديدة تتطلب تغييراً في النظام السياسي والبرلماني لأن ما يحدث هو عجز في النظام الهيكلي البنيوي وليس مجرد أزمة سياسية عابرة فهو نظام سياسي عقيم أسس لديكتاتورية الأحزاب ولم يعد صالح للحكم.. هو تم وضعه للإنتقام من السلطة التنفيذية بعد الثورة والشرعية كما يراها الرئيس لا بد أن تعكس رأي الأغلبية في تونس وتكون تعبير صادق عنهم لذلك رفض قائمة المرشحين التي قدمتها الكتل السياسية له رفض أكثر من عشرين مرشح وأتى بهشام المشيشى وهو الشخص الأكثر إنسجاماً مع قناعات الرئيس قيس سعيد الذي بات واضحاً أن الأولوية في فكره هي للمسألة الأمنية والسيادية والإدارية والمشيشى من جيل الشباب (46 عام) وهو رجل الإدارة التونسية وينتمي للمدرسة القومية في تونس وعمل كمستشار قانوني للرئيس ثم وزير داخلية وهي وزارة سيادية لذلك فهو اختيار ذكي للغاية سيضرب به الرئيس أكثر من عصفور بحجر واحد: التخلص من الأحزاب المنهكة التي لن تكون عضو في الحكومة المستقبلية وفي نفس الوقت فإن (المشيشى) هو الشخصية التي تتماشى مع التحديات الأمنية وليس لديه حزب يخاف عليه ولنتذكر أن فشل (يوسف الشاهد) رئيس الحكومة الأسبق كان بسبب الإبتزاز السياسي الذي قامت به حركة النهضة كما أن النهضة أسقطت أيضاً (إلياس الفخفاخ) رئيس الحكومة  السابق لأنه لم يمكنها من الغنائم بالرغم من أنها عرضت عليه صفقة للبقاء مقابل المصالح وليس مصلحة تونس فالنهضة التي تتحجج بحماية التجربة الديمقراطية تتعامل مع الحكم كغنيمة وولاءات وإمتيازات لا أكثر ولم تفك إرتباطها بتنظيم الإخوان الدولي وتخدم أجندته ولا تخدم الأمن القومي التونسي وكانت تريد الزج بتونس في آتون الحرب الليبية وإلى سياسية المحاور (تركيا وقطر) إلا أن الرئيس قيس سعيد رفض ذلك وقرر النأي بتونس والوقوف على الحياد ومنذ ذلك الوقت والعلاقة بين الرئيس والنهضة من سيء إلى أسوء وأرسل الرئيس العديد من الرسائل السياسية التي أجمع المراقبون أنها موجهة لحركة النهضة فقد قال نصاً (لن نقبل أن تكون تونس مرتعاً للإرهابيين ولن نقبل أن يكون في تونس عملاء يتآمرون مع الخارج ويهيئون الظروف للخروج عن الشرعية وإدخال البلاد في فوضى.

كما استقبل أرملة الشهيد (شكري بلعيد) وقال: (لن نتوانى عن تطبيق القانون مع كل من يخالف ولن تأخذنا في ذلك لومة لائم)

مما يعني أن الأيام القادمة ستحمل تطورات بكل تأكيد ليست في صالح حركة النهضة وربما يكون هناك تفجير أكبر للحقائق التي حاولت النهضة دفنها عن تورط جهازها السري في عمليتين غادرتين في العام 2011 اغتيل فيهم (شكري بلعيد) و (محمد الإبراهيمي) فالنهضة مثل كل الإخوان عندما يشتد الصراع تلجأ للعنف.

لذلك فإن الجلسة العامة للبرلمان التونسي المحدد لها الثلاثاء القادم الأول من سبتمبر للتصويت على منح الثقة لحكومة المشيشى لن تكون سهلة على الإطلاق بل ستشهد عملية عض أصابع بين النهضة وحلفائها وبين المشيشى فالنهضة حتى الآن لم تحسم موقفها وقالت أن قرارها النهائي سيأتي بعد إجتماع مجلس شورى الحركة: ولكن في إعتقادي أنها مناورة لتحسين شروط التفاوض أما حليفتها (إئتلاف الكرامة) فأعلن أن الحكومة لا تمثل نتيجة الإنتخابات لذلك فمن المستبعد جداً دعمها بينما أعلن الحزب الدستوري الحر بقيادة (عبير موسى) وحزب حركة الشعب تأييده الحكومة الجديدة التي أسماها حكومة الرئيس للخروج بالبلاد من الأزمة الحالية.. عموماً كل هذه التصريحات لا يعتد بها الآن فخلال الأيام الثلاثة القادمة ستتغير المعادلات والقرارات السياسية.. وبرغم كل تعقيدات المشهد السياسي فبإعتقادي أن حكومة (المشيشى) ستحصل على الثقة لجملة من المعطيات أولها العقلانية السياسية فالأحزاب لن تغامر بعدم منح الثقة للحكومة مع فرضية السيناريو الأسود بحل البرلمان لأن تونس غير قادرة حالياً على الإنتخابات المبكرة ولا كلفتها الإقتصادية في ظل وضع إقتصادي منذر بالخطر وتفشي البطالة (مليون عاطل) والهجرة غير الشرعية والغلاء الفاحش وسياسياً سيأتي برلمان بنفس التركيبة الهجين التي أتى بها البرلمان السابق وندخل في دائرة الإئتلافات الهشة والمحاصصة والإستقطابات الحادة.. وإجتماعياً سيحدث عزوف من المواطنين عن المشاركة كما حدث في انتخابات البلدية.

إنها لعبة توازنات وأرقام تحتاج لحظة صدق من الجميع والبعد عن التجاذبات السياسية وإعلاء مصلحة تونس التي هي الآن في مهب الريح ووسط وضع أمني وإقليمي مضطرب وأعتقد أن أكبر التحديات التي يواجهها (المشيشى) هي حركة النهضة التي كانت تسعى لإقرار جملة من القوانين تعربد الطريق لحضور تركي وقطري في تونس وعليه أن ينجح في هذا التحدي ليمضي للأمام فلا يمكن لأي حكومة أن تحكم بدون استقرار إجتماعي وسياسي.. إن النهضة وهي تمثل إسلاميو تونس ككل الإسلاميين يعشقون العمل من وراء الستار وكانوا يبحثون عن شخصية يتم تمريرها بإرتياح في البرلمان ليتخفوا من ورائها ويتحكمون بالحكومة منتهى الإستهانة بذكاء التونسيين الذين فطنوا لكل هذه الألاعيب ولكن حركة النهضة ستقر في نهاية المطاف بحكومة المشيشى للخروج من العزلة السياسية التي تعاني منها فحزب قلب تونس بقيادة نبيل القروي بصدد الإنتصار للكتلة الديمقراطية الوسطية الواسعة وترك قارب الإخوان يغرق وعلى استعداد لبيع رأس “الغنوشي” مقابل توافق سياسي مع المشيشى..

تونس مفتوحة على كل السنياريوهات بما في ذلك الفصل (80) من الدستور الذي ألمح به الرئيس (قيس سعيد) بحل البرلمان وإتخاذ جميع الإجراءات الإستثنائية للحفاظ على وضع الدولة والحكومة.. إن الطريق مفتوح أمام (هشام المشيشى) لتحمل مسئولية حكومة قادرة على الإنقاذ في هذه الظروف الطارئة إذا تمكن من برنامج سياسي وإقتصادي ناجح يهم الشعب التونسي وسيفرض حكومته على الأحزاب لأنها ستكون بمثابة حكومة الفرصة الأخيرة في تونس.

اترك تعليق