عاطف عبدالغنى رئيس تحرير بوابة دار المعارف الصحفية

(1)

9 سنوات ليست بكثيرة لتنسينى هذه الأيام ولياليها الشتوية الباردة، التى جمعتنا قهرا أنا وأخويا، وأبنائهما، وأبناء الأخوات البنات الصبية، متيقظون حتى وقت متأخر من الليل، متحلقين حول أبانا الذى تجاوز الثمانين من العمر، رحمه الله، أمام العمارة التى تسكنها العائلة، لنحرس نحن الرجال النساء والأطفال، فتنام الزوجات والأمهات فى أمان.

بعد قليل انضم إلينا نفر من شباب ورجال، جاءوا من شوارع داخلية، يساهمون فى حراسة مربعنا السكنى الذى يطل على شارع ترعة المنصورية بموازاة طريق مصر الإسكندرية الصحراوى، وقريب من ميدان الرماية، وقد شاع أن هذه المنطقة نقطة وصول أولى للمساجين الهاربين بالسلاح من سجن الفيوم، وسجن وادى النطرون، وأن هؤلاء المساجين سوف يأتون ألينا ليختبئوا أو يهاجمونا فى بيوتنا لسرقتنا.

وتحت هذا التهديد عشنا ليالٍ مجيشين، نحمل العصى أو ما تيسر من وسائل الدفاع المثيلة، يتجاذبنا الخوف، ولا نشعر بالاطمئنان إلا عندما يتناهى إلى أسماعنا صوت «جنازير» دبابات الجيش تجوب الشوارع القريبة، أو نسمع آذان الفجر، ويرهقنا السهر.

وذات ليلة تناهى إلى أسماعنا بوضوح إطلاق نيران من مدفع رشاش لدبابة على دفعات قريبة، وجاء من يؤكد أن الجيش يطلق النار على مجموعات من المساجين اقتربت من مكاننا، وبدون تفكير اندفعت وعدد من الرجال والشباب نحو الجهة التى أشار لها صاحب البلاغ، على طريق المنصورية باتجاه كرداسة، جرينا نحمل الشوم والعصى لنساند جنود الجيش فى مقاومة المجرمين، ولم نعد أدراجنا إلا بعد أن تأكدنا كذب البلاغ، وجاء من يطمئننا: «لاشىء الجيش يطلق طلقات تحذير».. وتكرر هذا المشهد مرتين أو ثلاث، ولم نعد نندفع لصد الهجوم الوهمى إلا بعد أن تأكدنا أن الجيش يحرس كل مداخل المنطقة، فاكتفينا بحراسة منازلنا.

(2)

فى الشوارع الرئيسية كانت اللجان الشعبية قد انتشرت، ووجد فيها الصبية والشبان، وحتى كبار السن من الرجال فرصة رائعة لتفريغ شحنة الحماسة الوطنية، والخوف على الوطن، كانت اللجان تقوم بتفتيش السيارات والمارة، فى الشوارع الرئيسية تبحث عن أسلحة، أو ممنوعات، أو خارجين عن القانون، وكان أعضاء اللجان يقومون بتسليم من يشكون فيه لأقرب تمركز للجيش، وكانوا الشبان يقضون ليلهم فى هذا، حيث لا عمل بالنهار، ومعظم النشاطات متوقفة، ومع مرور الأيام، ونزوع الحالة الأمنية إلى الهدوء، وانسحاب الشبان المخلصين الأنقياء من المهمة، بادر بعض الشباب المنحرف لاستغلال الأمر بعمل «لجان حرامية» على هيئة «اللجان الشعبية»، حيث يقومون بإيقاف المارة والسيارات، و«تقليبهم» أى سرقتهم فى غفلة منهم أو تحت التخويف، فلما ذاع هذا الأمر وكانت الداخلية قد عادت لاستئناف عملها بمعدلات أقرب للاعتيادية، تم منع لجان الحرامية، فيما استمرت لجان الجيش والشرطة تمارس عملها أيام حظر التجوال الكئيبة.

(3)

وفى الأيام الأولى للفوضى، بعد انسحاب الأمن من الشوارع، ولم أكن وحدى الذى لم يتمالك دموعه، حين شاهد على شاشات الفضائيات مشهد النيران وهى تندلع بفعل فاعل، فتشتعل فى هذا المبنى الضخم الكائن على كورنيش النيل يطل على ميدان عبد المنعم رياض، قريب جدا من مبنى «دار المعارف» حيث أعمل، كان أولا الدخان ثم ألسنة اللهب بدأت تتصاعد من المبنى بينما أشخاص كالأشباح تروح وتجىء تحمل قطعة أثاث، أو جهاز كهربائى، وظلت النيران مشتعلة لا تجد من يطفئها حتى أتت على المبنى الذى كان يضم أنشطة عديدة (بنوك وهيئات، ومجالس تابعة للدولة) وليس فقط الحزب الوطنى المنحل، واحترقت بعد ذلك أصول تقدر بمئات الملايين من الجنيهات، فقد تكرر الأمر فى «المجمّع العلمى» الذى دفعوا أطفال وصبية الشوارع لحرقه، وفى أقسام الشرطة (المبانى)، وفى المجمع التجارى «أركاديا» الذى أحرقوه بعد نهبه وسرقته، ممتلكات عامة وخاصة، وقلنا هذا دأب اللصوص لكن الأمر كان أكبر من مجرد سارق أراد أن يغطى على سرقته؟!.. والدليل جاء فى قمة المأساة وفظاعتها بالجريمة التى وقعت فى قسم شرطة كرداسة من الإخوان، التى أثبتت أن وحوش الغابات أرحم أحيانا من قلوب البشر حين تعميها الكراهية والحقد، ويسيطر عليها الغل وهى تدعى التقوى والإيمان.

(4)

مشاهد للخراب والدمار صممها ناس منا للأسف يدّعون أنهم مصريون، ومصلحون، أو صالحون يجاهدون، ويدفعون المجرمين والصبية، وأطفال الشوارع للتنفيذ.. ويقتلون الحياة، ويهلكون الزرع والنسل، ويجاهرون بسعيهم لهدم الدولة ليقيموا دولتهم، الإخوان يسعون ليمكنوا الأتراك من مصر تحت مسمى الخلافة الإسلامية، والليبراليون المتأمركون المتصهينون عن غفلة يريدونها عولمية، والشيوعيون يريدونها أممية على مثال دولة ماركس ولينين، والفوضويون (الأناركيين) يريدونها «بظرميط» ليفعلوا ما يحلو لهم.. هؤلاء هم عرابو الفوضى والخراب، وما سبق ملمح من أيام كنا فيها كالعميان مساقين خلفهم للخراب.. نخرّب بيوتنا بأيدينا، وبوحى ودفع منهم ومن أعداء الخارج،
وأتصور أن 9 سنوات ليست بكثيرة لتنسينى هذه الأيام ولياليها التى لا أريد أن أسبها لأن الله نهانا عن سب الدهر.

 

 

اترك تعليق