محمد أمين رئيس تحرير مجلة أكتوبر و بوابة دار المعارف

لا يمكن أن نتحدث عن النصر دون ذكر بطولات أبناء سيناء.. هؤلاء الأبطال الذين قدموا أرواحهم فداءً للوطن، وحولوا سيناء إلى كتاب مفتوح أمام القوات المسلحة، كانوا بمثابة رادارات متحركة تنقل كل ما يجري على أرض سيناء لحظة بلحظة.

منذ 5 يونيو 1967 قرر هؤلاء الأبطال رفض الهزيمة والدفاع عن الأرض، والتصدي لمحاولات العدو المتواصلة لربط أبناء سيناء بتل أبيب.

واجه أبناء سيناء العدو برفض مناهجه التعليمية أو السفر في رحلات ترفيهية إلى إسرائيل، فأسسوا منظمة سيناء العربية، فكانت بمثابة نقطة الاتصال بين الأبطال من أبناء سيناء والقوات المسلحة.

استطاع أبناء سيناء أن يلقنوا إسرائيل درسًا لن ينسوه بعد محاولتهم تدويل سيناء عام 1968 بعقد مؤتمر عالمي (مؤتمر الحسنة) في وسط سيناء وبحضور وكالات الأنباء العالمية، ليتحدث الشيخ سالم الهرش ويطلق قذيفة في وجه المحتل الإسرائيلي قائلًا: «إن هذه الأرض أرضنا جميعًا مصريين ورئيسنا هو الرئيس جمال عبدالناصر وإذا كانت سيناء محتلة حاليًا فستعود قريبًا إلى الوطن الأم».

بطولات كثيرة لا تنتهي، سطرها أبناء سيناء بدءًا من العمل مع أبطال الاستطلاع خلف خطوط العدو، مرورًا بمعارك الاستنزاف وانتهاءً بحرب أكتوبر.

(1)

فى سبتمبر 2009 ذهبت إلى سيناء استعدادًالإعداد ملف خاص عن انتصارات أكتوبر، فالحديث عن النصر لا يكتمل إلا بالحديث مع الأبطال الفعليين من أبناء سيناء.

وصلت إلى مدينة العريش يوم 12 سبتمبر وبدأت جولتى بتحديد موعد مع محافظ شمال سيناء وكان وقتها اللواء محمد عبدالفضيل شوشة، المحافظ الحالى، والذى كان قائدًا لقوات حرس الحدود قبل أن يتولى مسئولية محافظة شمال سيناء فى تغيير المحافظين عام 2008 – 2010 (وحاليًا محافظ شمال سيناء منذ أغسطس 2018 وحتى الآن).

كنت أعرفه قبل توليه مسئولية محافظة شمال سيناء كونى محررًا عسكريًا فقد التقيت به عندما كان قائدًا لوحدات الصاعقة وأيضًا عندما كان قائدًا لقوات حرس الحدود.

كان لابد لى من لقائه أولًا قبل أن أبدأ مجموعة من اللقاءات مع عدد من الأبطال من أبناء سيناء، ويرجع ذلك إلى عدة أسباب أولها، أنه كان أحد أبطال أكتوبر فقد انضم لوحدات الصاعقة عقب تخرجه من الكلية الحربية فى سبتمبر 1972 ليلتحق بإحدى مجموعات الصاعقة فى الجيش الثالث الميدانى.

كما شارك فى مجموعة من العمليات خلف خطوط العدو، لقد ذكر موشى ديان فى مذكراته أن قوات الصاعقة المصرية زرعت الرعب فى نفوس الجيش الإسرائيلى قائلًا: «كنا نخشى أن نحرك حجرًا فى سيناء فنفاجأ بخروج أحد أفراد الصاعقة إلينا لمهاجمة الموقع وتدميره».

السبب الثانى أن اللواء شوشة كانت تربطه علاقة قوية بكل أبناء سيناء من الأبطال خلال فترة قيادته وحدات الصاعقة أو قيادته قوات حرس الحدود، فقد كان الرجل وما زال حريصًا على أن يشارك أبناء سيناء كافة المناسبات، ويعرف سيناء شبرًا شبرًا، كما تربطه علاقة قوية مع أبنائها ومشايخها وعواقلها.

التقيت به فى مكتبه يوم 13 سبتمبر 2009، أجريت معه حوارًا صحفيًا، امتد لساعتين، وعقب الانتهاء من التسجيل أخبرته أننى أرغب فى لقاء عدد من الأبطال من أبناء سيناء الذين كان لهم دور فى التعاون مع القوات المسلحة.

عندها التفت إليّ مصور فى إدارة الإعلام بمحافظة شمال سيناء اسمه محمد شعراوى، والذى كان يتولى تصوير الحوار، وقال لى المحافظ: «عم هذا الرجل بطل من هؤلاء الأبطال وعنده بداية الخيط». إنه الأستاذ أحمد شعراوى (كان ناظرًا لمدرسة العريش الثانوية المشتركة عام 67).

(2)

تلك هى البداية للتعرف على قصص البطولة والفداء، وقبل أن أغادر مكتب المحافظ قال لى: «ومتنساش الشيخ عبد الله جهامة وحسن خلف، الأبطال دول عندهم قصص بطولات قاموا بيها ولديهم سجل كامل بالأبطال».

طلبت من محمد شعراوى أن نلتقى عصر ذلك اليوم لنذهب للقاء البطل الأستاذ «أحمد شعراوي»، التقينا عند ميدان «المالح» (هذا الميدان له قصة شهيرة وشاهد على بطولة وبسالة المقاتل المصرى) لنسير نحو شرق المدينة لنصل إلى منزل أمامه شجرة ياسمين يفوح عطرها فى الشارع بالكامل، لأجد رجلًا بلغ الخامسة والسبعين من عمره يقابلنا بوجه مبتسم قائلًا: «أهلا بأكتوبر!» تصافحنا، ثم اصطحبنا إلى داخل المنزل لنجد عددًا من الأبطال يجلسون معه يبدو أن المصور محمد شعراوى كان قد تحدث معه قبل أن نصل.

قلت له إننى أرغب فى الاستماع فقط لما حدث عقب 5 يونيو 67 هنا فى العريش تحديدًا.

بدأ البطل حديثه قائلًا: «لم نتخيل يومًا مثل هذا اليوم، ولم يخطر على بال أى منا أن تحدث هزيمة بهذا الشكل.. لكنها ليست هزيمة، والدليل أن الأبطال من القوات المسلحة الذين كانوا بالعريش ولم يصل إليهم قرار الانسحاب ظلوا يدافعوا عن المدينة لمدة 8 أيام ولم تسقط العريش إلا بعد أن حاصرها الجيش الإسرائيلى لمدة
11 يومًا، ومازالت المنازل التى كان يتنقل بينها الأبطال تحتفظ جدرانها بآثار طلقات الرصاص وقذائف المدفعية الإسرائيلية التى هدمت أجزاء منها حتى الآن شاهدة على العدوان، قد تكون شاهدتها أثناء قدومك إلى هنا».

استكمل الأستاذ أحمد شعراوى: «بعد أن سقطت العريش وعلمنا بالنكسة، وخطاب الرئيس عبدالناصر بالتنحى، كان قرارنا متوافقًا تمامًا مع ما شهدته كافة محافظات مصر، رغم أن الاحتلال حاول فصلنا عن الوطن، وكانت البداية فقد وصل الحاكم العسكرى الإسرائيلى إلى العريش يوم 16 يونيو، ولأن العام الدراسى كان قد انتهى، فقررنا أن تكون لنا وقفة ضد الاحتلال فى العام الدراسى الجديد».

أردف الأستاذ أحمد شعراوى قائلًا: «أبلغت المدرسين أننا لن ندرس المناهج الإسرائيلية، ولن نسمح لهم بالوصول إلى عقول أبنائنا، مهما كلفنا الأمر».

ويضيف شعراوى: «بدأ الاستعداد للعام الدراسى الجديد فى أغسطس، وبدأ الحاكم العسكرى الإسرائيلى يسأل أين ناظر المدرسة؟ فلا يجد إجابة، كنت فى ذلك الوقت أذهب إلى السوق يوميًا، وأقف على عربة لبيع البطيخ.

بعد أن علم الحاكم العسكرى الإسرائيلى قام باستدعائى وسؤالى: لماذا لا تقوم بإدارة المدرسة؟ ألستَ معلمًا فيها وناظرًا لها؟ ألا تهمك مصلحة أبنائكم واستمرارهم فى التعليم؟

قلت له: أنا لست مدرسًا حتى أقوم بذلك.. ولكنى بائع بطيخ.

ألم يقل لك جنودك من أين أتوا بى؟!.. من على عربة البطيخ فى السوق.

ويضيف شعراوى قائلًا: «كنت أنا وزملائى من المدرسين قد قررنا أن نخاطب وزارة المعارف فى مصر لكى تمدنا بالكتب الدراسية التى قررنا تدريسها للطلاب فى المنازل؛ تم التنبيه على كافة أولياء الأمور ألا يذهب أبناؤهم إلى المدرسة.

بدأ الحاكم الإسرائيلى يأتى بالكتب الدراسية من إسرائيل استعدادًا للعام الدراسى ولكن الطلاب لم يذهب أى منهم إلى المدرسة، وكذا المدرسين؛ وهنا قام الحاكم العسكرى الإسرائيلى بإصدار أمر باعتقالى وحبسى لمدة 15 يومًا حتى استسلم للقرار وأُعيد تشغيل المدرسة وندرس المناهج الإسرائيلية للطلاب.

لكن ذلك لم يثنيني عن القرار، وهنا قال لى الحاكم العسكرى الإسرائيلي: ماذا تريدون حتى تعود الدراسة؟

قلت له أن ندرس المناهج المصرية.

(3)

رضخ الحاكم العسكرى الإسرائيلى لقرارنا وطلب من مصر عن طريق الصليب الأحمر إرسال الكتب الدراسية للطلاب وانتصرنا فى تلك المواجهة مع العدو ولم يستطع فرض قراره على الأرض.

ويواصل المُعلم البطل أحمد شعراوى قائلًا: «فى أول يوم دراسى وقفت فى وسط فناء المدرسة ورفعت العلم المصرى لكى يؤدى الطلاب التحية للعلم وقمت بالتنبيه على الطلاب بألا يستجيبوا لأى طلب تقدمه إسرائيل فقد بدأ الحاكم العسكرى الإعلان عن رحلات للطلاب إلى تل أبيب خلال يومى الخميس والجمعة؛ كان الهدف من تلك الرحلات خبيثًا كما عهدنا مع اليهود، فقد كانوا يستهدفون التقاط الشباب والفتيات للحصول على معلومات عن المتعاونين من أبناء سيناء مع الجيش المصرى.

عقب انتهاء الطابور دخلت الفصول وحذرت الطلبة والطالبات من تلك الرحلات، وقلت لهم: من أعرف أنه سافر فى رحلات الترفيه إلى إسرائيل سواء ولد أو بنت سيكون لى تصرف معه فى الطابور أمام زملائه.

التزم الطلاب بالقرار ولم يستجيبوا لتلك الرحلات سوى فتاة واحدة أحضرتها وسط الطابور وعاقبتها، ولما علم والدها بذلك أيد قراري، فقد كان أبناء سيناء جميعهم على قلب رجل واحد من أجل استرداد الأرض.

ظل أبناء سيناء يدرسون المناهج المصرية خلال سنوات الاحتلال حتى تحررت سيناء بالكامل، ولم نسمح لهم أن يزيفوا عقول أبنائنا أو يفرضوا واقعًا نحن نرفضه.”

خلال جلستنا كان المجاهد حسن خلف والشيخ عبد الله جهامة رئيس جمعية مجاهدى سيناء، قد وصلا إلى منزل الأستاذ أحمد شعراوى، ليتسع حديث الذكريات عن بطولات أبناء سيناء الشرفاء وكيف حولوا كل شبر فيها إلى كتاب مفتوح أمام القوات المسلحة؛ تحدث المجاهد البطل حسن خلف عن قيامه هو ورفاقه بتفجير مقر الحاكم العسكرى الإسرائيلي، وكيف واصل الأبطال عملياتهم بالتعاون مع القوات المسلحة لتتحول سيناء إلى رعب يقض مضاجع الإسرائيليين.

عاد البطل أحمد شعراوى قائلًا: «إن ما حدث فى مؤتمر الحسنة كان بمثابة صفعة على وجه ديان والقيادة الإسرائيلية، لقد كانوا يرغبون فى إعلان سيناء دولة منفصلة عن مصر، فكان ردنا واضح على لسان الشيخ سالم الهرش».

رحم الله البطل أحمد شعراوى المعلم السيناوى العظيم أحد أبناء مصر الشرفاء، وأطال فى عمر الأبطال الشيخ حسن خلف
وعبد الله جهامة وكل أبطال سيناء.

لقد استهدفت إسرائيل فصل سيناء عن الوطن وحاولت الجماعة الإرهابية تكرار السيناريو فى 2013 بأسلوب مختلف بعض الشيء، بعد إن قبضت ثمن الخيانة.

لكن الشعب المصرى وأبناء سيناء والقوات المسلحة دائمًا لكل تلك المحاولات بالمرصاد.

لقد سطر أبناء سيناء العديد من البطولات خلال الفترة من 67 وحتى 73 يصعب حصرها، فما ذكرته ليس سوى جزء من البطولات التى استهدفت الحفاظ على الهوية المصرية كجزء من المعركة.

إنهم بحق حراس بوابة مصر الشرقية.

SHARE

اترك تعليق